من المستفيد من الحرب القذرة في غزّة؟
*
م. فوزي
لسنا فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين أنفسهم، فهم بالرغم من روابط التاريخ والمكان والمصير التي يُفترض أن توحّد لا أن تفرّق بينهم، تجدهم منقسمين بين مؤيّد ومعارض لما قامت به فصائل المقاومة في غزّة. وهذه حقيقة لا يمكن إنكارها، ومنطق من لا يمكن تجاهل رأيه وأفكاره. والإنسان العاقل يأخذ بجميع الآراء والأفكار، ما استطاع إلى ذلك سبيلا، وحتى لا يكون منحازا لجهة على حساب جهة أخرى. وأمّا الانسان المتعصّب مذهبيّا والمتزمّت فكريا، فهو يعتبر ظالما مستبدا جائرا.
مع توفّر الوسائل الرقمية التي يسّرت على النّاس سبل التواصل، ومن خلال ما يسمّى بمواقع التواصل الاجتماعي، صار من السّهل جدّا على كل من هب ودب الإدلاء بدلوه و في مسائل تعتبر إلى حد ما جدّ خطيرة، لما تتطلّبه من رصيد معرفي، ومن الحنكة والتجارب في الحياة.
على نقيض ما يروّج له من خسائر في الأرواح والممتلكات جرّاء الحرب التي تدور رحاها في غزّة، فإن هناك من يشيد بمكاسب عظيمة بعد عملية الطوفان التي استغرقت سويعات تم من خلالها قتل عدد من جنود الكيان وسبي آخرين منهم، ليعود الثوار بعدها إلى ملاجئهم سالمين غانمين فرحين بالنّصر العظيم الذي عجزت عنه الجيوش العربية ومن ورائها الشعوب كلّها والأنظمة مجتمعة.
ما لا يستطيع أحد نكرانه هو الشرخ الكبير الذي أحدثته هذه الحرب بين مؤيّد مناصر معاند، ومعارض يندّد بما يجري من إبادة وسفك للدّماء ذهب ضحيّتها نساء وشيوخ وأطفال، ومن تدمير المباني و و، لتغدو غزّة عبارة عن مقبرة جماعية. وبمرور الوقت كبرت الهوّة بين الطرفين، وراح كل طرف يتّهم الآخر في عقيدته وانتمائه.
بعد الإعلان عن نهايتها، بات لزاما علينا البحث عن طرف ثالث محايد لتقييم الخسائر، وتعريف المستفيد الأكبر من هذه الحرب البشعة. وليس هناك أكثر نزاهة وحيّاديّة من الصّديق: (Gpt)، الرّفيق الدّائم والمخلص النّزيه، كي نطرح عليه السؤال العويص:
من المستفيد من عملية الطوفان التي قامت بها فصائل المقاومة الفلسطينية، وما جرى بعدها من جرائم في حق الأبرياء وتدمير للبنى التحتية وخراب في غزّة الأبيّة؟
فكان ردّهُ كالتّالي:
عملية “الطوفان” التي نفذتها فصائل المقاومة الفلسطينية في غزة في أكتوبر 2023، والتي شملت هجمات على المستوطنات الإسرائيلية والمدن الواقعة على الحدود مع قطاع غزة، كانت نقطة تحول هامة في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. بالنسبة للسؤال عن المستفيدين من هذه العملية، يمكن النظر إلى عدة جوانب مختلفة.
بالنسبة للفصائل الفلسطينية:
المكاسب العسكرية والمعنوية:
من ناحية الفصائل الفلسطينية، قد يكونون رأوا في الهجوم طريقة لإرسال رسالة قوية ضد الاحتلال الإسرائيلي، خصوصًا في ظل تصاعد الانتهاكات الإسرائيلية في الضفة الغربية والقدس. العملية كانت بمثابة انتقام وتأكيد على وجود المقاومة الفلسطينية في ظل الظروف الصعبة.
تحقيق التضامن العربي والدولي:
قد يرون في الهجوم أيضًا محاولة للحصول على دعم شعبي فلسطيني وعربي ودولي، خصوصًا في ظل تأجيج مشاعر الغضب في العالم العربي تجاه الانتهاكات الإسرائيلية.
بالنسبة لإسرائيل:
تعزيز الاعتراف بالتهديد الأمني:
الهجوم قد يكون ساعد إسرائيل في تعزيز موقفها الداخلي، حيث يُمكن تقديم الهجوم على أنه تهديد وجودي يحتاج إلى رد عسكري قوي. هذا قد يساهم في تعزيز دعم الحكومة الإسرائيلية من قبل قطاعات معينة داخل المجتمع الإسرائيلي، خاصة في ظل الانتخابات المحلية والمطالبة بتحقيق أمن أكثر.
بالنسبة للمجتمع الدولي:
تقوية حجة التحركات العسكرية:** على الصعيد الدولي، الهجوم يمكن أن يُستخدم كحجة لزيادة الضغط على إسرائيل لتنفيذ ضربات عسكرية مدمرة على غزة. وبالفعل، بعد العملية، كثرت التحركات العسكرية الإسرائيلية ضد غزة، ما أدى إلى تدمير واسع للبنية التحتية والمرافق الحيوية، بما في ذلك المستشفيات والمدارس.
التنديد الدولي:
من ناحية أخرى، على المستوى الدولي، كان الهجوم نقطة انطلاق لزيادة الدعوات لوقف إطلاق النار، إضافة إلى تصاعد الانتقادات للإجراءات الإسرائيلية التي اعتبرها البعض مفرطة في العنف وغير متناسبة مع الحدث.
الخاسر الأكبر: الشعب الفلسطيني في غزة.
خسائر بشرية ومادية كبيرة:
لا شك أن الخاسر الأكبر من العملية هو الشعب الفلسطيني في غزة. الهجوم الإسرائيلي عقب “الطوفان” أسفر عن مقتل الآلاف من المدنيين الفلسطينيين، وتدمير واسع للمنازل والمرافق الحيوية، إضافة إلى المعاناة الإنسانية التي وصلت إلى مستويات قياسية. الحصار على غزة طال أمده بشكل أكبر، مما زاد من تعقيد الوضع الإنساني هناك.
الاعتبارات السياسية:
تأثير على الفصائل الفلسطينية الداخلية:** هناك أيضاً تأثيرات داخلية على الفصائل الفلسطينية. بعض الجماعات قد ترى في العملية فرصة لزيادة نفوذها، خصوصًا حركة حماس والجهاد الإسلامي. هذه الفصائل قد تسعى إلى تحريك الشارع الفلسطيني في مواجهة الاحتلال أو لتعزيز موقفها السياسي داخليًا.
التأثير على القيادة الفلسطينية:
السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية قد تجد نفسها في وضع صعب، حيث تجد صعوبة في التنسيق مع الفصائل في غزة أو حتى التعبير عن موقف موحد إزاء الهجوم الإسرائيلي.
على صعيد المجتمع المدني:
مزيد من الانقسامات:
العملية قد تزيد من الانقسامات بين الفلسطينيين والعالم العربي، خاصة إذا رأى البعض أن العمل العسكري قد يؤجج الوضع ويزيد من العنف. هناك من يعتقد أن التصعيد العسكري لن يؤدي إلا إلى مزيد من المعاناة للفلسطينيين، بينما يعتقد آخرون أن المقاومة المسلحة هي السبيل الوحيد لتحرير الأراضي الفلسطينية.
خلاصة القول:
في النهاية، لا يمكن القول إن هناك “مستفيدين” واضحين من عملية الطوفان، خاصة أن التدمير الهائل للبنية التحتية في غزة والتصعيد العسكري الإسرائيلي أسفر عن معاناة إنسانية كبيرة. ولكن يمكن اعتبار أن الفصائل الفلسطينية ربما رأت في العملية وسيلة للرد على الاحتلال، في حين أن الجانب الإسرائيلي قد يراها فرصة لتوجيه ضربات عسكرية قوية وتعزيز موقفه الداخلي في مواجهة تهديد أمني.



إرسال التعليق