الوجه المزدوج للإنسانية: بين التعاطف الحقيقي والنرجسية المقنعة

الأستاذ حشاني زغيدي

مقدمة: مفارقة الوجود الإنساني

لا تحق لك أن تكون إنساناً! كم مرة وجدنا أنفسنا أمام هذه المفارقة الصادمة؟ نحن نعيش في عالم يفرض علينا نماذج جاهزة للوجود، يحدد لنا كيف يجب أن نشعر، ومتى يسمح لنا بالألم، وبأي قدر من الدموع نفيض. إنها معادلة إنسانية معكورة، حيث يصبح تعاطفنا مسموحاً به فقط ضمن الشروط التي يرسمها الآخرون.

الاستعمار الحديث: استلاب الإنسانية
ما زال البعض يرسم لك في مخيلته نموذجاً لإنسان مغاير، يرسمه بمخياله المطّرب ورؤيته المخدوشة. إنه استعمار جديد لا للحدود الجغرافية، بل للوجدان والضمير. إنها “أزمة القابلية للاستعمار” التي يتحدث عنها المفكر مالك بن نبي، لكنها اليوم تأخذ شكلاً أكثر تعقيداً: استعمار المشاعر، واستعارة الأحاسيس، وتوظيف التعاطف لخدمة مصالح خاصة.

لقد أصبح “التعاطف المصلحي” سمة عصرنا، حيث يُقدم الدعم والعطف بمواصفات محددة: أن تكون الضحية ضمن الإطار المرسوم، وأن تكون المعاناة بالشكل المتوقع، وأن تكون الدموع باللون المسموح به.

النخب المتعصبة: صناعة الواقع الافتراضي
تعيش النخب المتعصبة في عالم موازٍ، عالم ما زال يفبرك الصور، ويزور الحقائق، ويقرأ التقارير من محاكم التفتيش العقلية التي أقامتها. إنهم يكرسون “ثقافة المتغلب” و”يغلبون التفريع على التأصيل”، فيعيشون في فقاعة من صنع أيديهم، رغم أن العالم من حولهم أصبح قرية صغيرة تتناقل فيها الألم كما تتناقل الأنباء.

إنها مأساة الإنسان في العالم المتأخر الذي يشهد مفارقة عجيبة: يتقاسم من يحملون صبغيات البشر كؤوس الألم، بل يتقاسمون الحنين والألم عبر القارات، بينما تظل النخب المتعصبة عاجزة عن رؤية ما وراء حدود تصوراتها المسبقة.

شهادات الأمل: تضامن الأحرار
في خضم هذا الظلام، تبرز شمعة الأمل من حيث لا نتوقع. ها هو تضامن أحرار العالم مع قضايا المظلومين في غزة المجروحة ، يثبت أن الإنسانية تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية. وها هو تضامن أحرار الأمة بكل توجهاتهم العرقية والمذهبية يؤكد أن الوجدان الإنساني أقوى من كل محاولات التفتيت.

لقد امتزجت الألوان والأفكار، فأصبح من يعيش في أقصى القارات يعيش ألم الضعفاء، يعيش أهوال من تُزهق أرواحهم تحت ركام الطمي و الحرمان. إنها الإنسانية في أبهى صورها، ترفض أن تتحول إلى سلعة، أو أن تُختزل في هوية ضيقة.

النرجسية المرضية: آليات التدمير الذاتي
بينما يعيش الأحرار هذه اللحظات التاريخية من التضامن الإنساني الأصيل، تظل النرجسية في عالمنا المتأخر تعيد إنتاج نفس الآليات البالية: “محاكمة النوايا”، “التشويش المبرمج على المبادرات”، “شخصنة المقاصد”، و”استغلال الأزمات لتصفية الحسابات”.

إنهم يجيدون التصنيف والتفريق والتمزيق، في أحوال مقلوبة تحتاج لتصويب، أحوال لا تكاد تميز فيها المعارف من النواكر، بل أصبحت المجاهيل تصنع الأحداث، وتسود الصفائح كما شاءت، وهذا واقع نعيشه بألم.

خاتمة: نحو إنسانية متصالحة مع ذاتها
إن التحدي الحقيقي الذي نواجهه اليوم ليس في إثبات حقنا في الإنسانية فحسب، بل في حماية هذا الحق من التشويه والاستغلال. علينا أن نرفض أن نكون نسخاً مكررة من النماذج المفروضة علينا، وأن نتمسك بإنسانيتنا بكل ما تحمله من تعقيد وتناقض وجمال.
فلنعمل على تأصيل إنسانيتنا بدلاً من التفريع فيها، ولنرفض أن تكون مشاعرنا سلعة في سوق المصالح، أو أن تتحول أحزاننا إلى بطاقات دخول إلى نادي “الضحايا المسموح بهم”. إن الإنسانية الحقيقية تبدأ عندما نعطي لأنفسنا وللآخرين الحق الكامل في أن يكونوا بشراً، بكل ما تعنيه الكلمة من معنى.

إرسال التعليق