مرثية القلب المكسور”أنس الشريف”و ” محمد قريقع” ورفاق خيمة الحقيقة..

في مساءٍ مُثقلٍ برائحة البارود
لم يكن القمر يطلّ على غزة كما اعتاد
كان وجهه محجوباً بسحابة سوداء من دخانٍ
لا يفرق بين حجرٍ وكاميرا، بين طفلٍ وميكروفون
في خيمةٍ صغيرة أمام بوابة الشفاء
كانوا يلتقطون أنفاس الحقيقة
يخطّون على دفتر العالم آخر ما تبقّى من نبض غزة
كانت الكاميرات تلمع في العتمة
وكانت الكلمات تُحاك كأثوابٍ بيضاء لتكفن وجع المدينة
أنس الشريف..
يا من كنتَ مرآة الميدان ونداء الأحياء
أنت الذي تحدّثت إلى العالم والعالم صامت
أنت الذي جعلت من صوتك جسرًا بين الركام وضمائر البشر
كيف طاوعهم القلب أن يطفئوك؟
كيف أطبق الصاروخ على آخر جملةٍ كنتَ تقولها؟
أكانت كلماتك أقوى من الحديد لتستحق هذا الرصاص الناري؟
ومحمد قريقع..
يا عين غزة اليقظة
كنتَ ترسم الصورة قبل أن تلتقطها
تغسلها بدموعك قبل أن تراها العيون
كنتَ تحفظ الألوان من الغرق في الدم
حتى جرفتك الموجة الأخيرة من البارود
لتصبح أنت الصورة وأنت الخبر وأنت العنوان
ستّة شهداء..
ليسوا أرقامًا تُحصى
بل حروفًا كانت تكتب التاريخ
أصواتًا كانت تشبه الأذان حين يعلو فوق القصف
وجوهاً كانت تحمل نور النهار في قلب الليل
يا خيمة الصحفيين..
كنتِ ملاذهم وصومعتهم وفضاءهم الصغير
وكنتِ هدفاً دقيقاً في عيون القتلة
أرادوا أن ينهار سقفك على كاميراتهم
أن يتناثر الزجاج في عيون الشهود
أن تُدفن الحقيقة تحت الركام
كما يُدفن الأطفال في صمت القبور
لكنهم لم يعرفوا
أن الصوت حين يُغتال يصبح صدىً خالدًا
أن الصورة حين تنكسر
تنكسر لتنعكس على جدران التاريخ بحجمٍ أكبر وأوضح
يا أنس.. يا محمد .. يا كل رفاقكم..
رحلتم وأنتم تمسكون بعدسة الحقيقة
رحلتم وكاميراتكم مشتعلة بالضوء
كأنكم تعلمون أن آخر لقطة ستبقى أبدًا
شهادةً على أن القصف استهدف الحقيقة
وأن الاحتلال لا يخشى شيئًا مثلما يخشى الكلمة الحرّة
سلامٌ عليكم يوم وقفتم بلا درعٍ إلا الصدق
ويوم واجهتم المدفع بعدسةٍ صغيرة
ويوم ارتقيتم شهداءً
سلامٌ على وجوهكم التي لن تنطفئ
على أصواتكم التي لن تسكت
على أرواحكم التي ستظل تصرخ من بين الغيم
“هنا غزة.. لم تسقط الكلمة”

( نوميديا جروفي)

إرسال التعليق