الصحة النفسية الرقمية : حين تتحول الهواتف الذكية إلى مصدر ضغط دائم

في زمن صارت فيه الهواتف الذكية امتداد لأيدي الناس لم يعد الحديث عن تأثير التكنولوجيا على حياتنا ترفا فكريا، بل بات ضرورة ملحة ترتبط ارتباطا و ثيقا بصحتنا النفسية ، فمع كل إشعار يصلنا و كل شاشة نتصفحها قبل النوم أو عند الاستيقاظ، ننساق إلى دائرة لا تنتهي من التوتر و القلق و الترقب ، حيث كشفت دراسات حديثة نشرتها مجلات علمية مرموقة أن الإفراط في استخدام الهواتف الذكية يرفع معدلات القلق و الاكتئاب و اضطرابات النوم لدى الشباب و البالغين على حد سواء و لعل المفارقة المؤلمة أن هذه الأجهزة، التي صممت لتيسير التواصل و تسهيل الحياة صارت أحيانا سببا مباشرا في تدهور جودة حياة الملايين ، تقول الأخصائية في علم النفس الرقمي الدكتورة مريم بوزيدي ، إن الاستخدام المفرط للهواتف الذكية يعيد تشكيل نمط التفكير و التفاعل الاجتماعي لدى الإنسان ، فكلما زاد تعلق الفرد بشاشته، تراجع حضوره الواعي في حياته اليومية و تضاءلت قدرته على التركيز و التعاطف ، فضلا عن ضعف الروابط الأسرية و الاجتماعية الحقيقية و لا يتوقف الأمر عند اضطرابات النوم و القلق المزمن، بل يتجاوزها إلى ظاهرة جديدة تسمى “إرهاق المعلومات”، اذ يشعر الشخص بثقل نفسي ناتج عن تدفق الأخبار و المحتوى على مدار الساعة ، هذا الكم الهائل من التنبيهات و التحديثات لا يترك للدماغ فرصة للراحة و إعادة التوازن ، ما يخلق حالة من الإجهاد المستمر أشبه بما يختبره العاملون في بيئات الضغط العالي و في السنوات الأخيرة صعد مفهوم الصحة النفسية الرقمية ليصبح أحد الاتجاهات الرائدة في مجال الوقاية و العلاج النفسي و يقصد به القدرة على استخدام الأجهزة الإلكترونية بطريقة متوازنة تحمي السلامة النفسية للفرد و قد بدأت بعض المدارس و الجامعات والشركات الكبرى في أوروبا و الولايات المتحدة بتطبيق سياسات تحد من استعمال الهواتف أثناء أوقات الدراسة و العمل ، بعد ثبوت أثرها السلبي على الانتباه و التحصيل الدراسي و الإنتاجية ، في الجزائر و مع الانتشار الواسع للإنترنت و الهواتف الذكية بين مختلف الفئات العمرية بدأت الأصوات ترتفع للمطالبة بتثقيف المجتمع حول المخاطر النفسية للإفراط في الاستعمال و وضع ضوابط تحافظ على التوازن بين الحياة الرقمية و الواقع ، رغم صعوبة التخلي الكامل عن الهواتف ، أين يشدد الخبراء على أهمية تبني عادات بسيطة لكنها مؤثرة مثل تخصيص أوقات خالية من الشاشات و تفعيل خاصية كتم الإشعارات ، و التوقف عن تصفح الهاتف قبل النوم بساعة على الأقل ، إن إدراكنا لهذه المشكلة لا يعني إدانة التكنولوجيا أو الدعوة للعودة إلى حياة ما قبل الإنترنت ، بل يعني أن نتعلم كيف نعيش مع هذه الأدوات دون أن نسمح لها بالتحكم فينا . فما نحتاج إليه اليوم ليس فقط هواتف ذكية بل وعيا أكثر ذكاء بإدارة حياتنا الرقمية لحماية صحتنا النفسية و كرامتنا الإنسانية .

رانية حلالس

إرسال التعليق