حقيقة الأزمة بين نتنياهو ودونالد ترامب

ولاءات شخصية بل مصالح فقط

زياد الزبيدي

ديمتري مينين
كاتب صحفي ومحلل سياسي روسي
مؤسسة الثقافة الاستراتيجية

لطالما اشتُهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بقدرته على تغيير موقفه تجاه أي شريك – من الإعجاب الشديد إلى الازدراء – حسبما يحقق له أكبر منفعة في اللحظة الراهنة. لكن حتى وقت قريب، بدا أن هناك استثناءات، مثل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي أبدى له ترامب دعمًا ثابتًا وغير متزعزع، حتى في المغامرات الواضحة مثل ترحيل الفلسطينيين من غزة. بل إن النخبة الإسرائيلية كانت تعتقد داخليًا أنها “الذيل” الوحيد في العالم القادر على “هز” “الكلب” الأمريكي الضخم. وكان هذا صحيحًا إلى حد ما، لكن الثقة المفرطة في النفس لعبت، على ما يبدو، مزحة قاسية مع هذا “الذيل”. فقد إتضح أنه لا توجد تفضيلات خاصة لدى الزعيم الأمريكي، بل إنه يتحرك فقط وفقًا لـ”فن إبرام الصفقات” الذي وضعه بنفسه.

جولة ترامب في الشرق الأوسط… صفعة لإسرائيل

أدت جولة ترامب في الشرق الأوسط بين 13 و15 مايو، والتي شملت السعودية والإمارات وقطر، إلى صدمة في الأوساط الحاكمة الإسرائيلية، حيث تجنّب زيارة إسرائيل وتجاهل جميع طلباتها الرئيسية بشأن القضايا الإقليمية.

من المعتاد أن يبدأ الرؤساء الأمريكيون زياراتهم للمنطقة بإسرائيل، بل إن بعضهم بدأ رحلاته الخارجية من هناك. لكن ترامب خالف هذا التقليد، مما أثار ذعر الخبراء الإسرائيليين، الذين قالوا: “الرئيس الأمريكي يبرم العديد من الصفقات ويتخذ قرارات ويشكل تحالفات ستحدد مستقبل إسرائيل المهمشة جيوإستراتيجيًا. وقد تكون غزة هي الهدف التالي”.

أعربت أجهزة الأمن الإسرائيلية عن قلقها البالغ من الأضرار المحتملة التي قد تلحق بالأمن القومي الإسرائيلي بسبب “التوتر المتصاعد في العلاقات بين إسرائيل والولايات المتحدة”.

السبب بسيط… المال!

السبب في هذا التحول الأمريكي نحو جيران إسرائيل بسيط: لقد قدّموا لترامب أموالًا تقدر على المدى الطويل بتريليونات الدولارات، وهو مبلغ يفوق الناتج المحلي الإجمالي لإسرائيل لعدة سنوات. كما كتب العديد من الإسرائيليين على وسائل التواصل الاجتماعي: “لقد تم شراء ترامب ببساطة”.

صفقات تزعزع أمن إسرائيل

قبل الجولة، وقّع ترامب هدنة مع الحوثيين، متناسيًا وعده بالقضاء عليهم تمامًا. وجاء ذلك بعد يومين فقط من إطلاق الحوثيين صاروخًا إستهدف مطار بن غوريون، مما أجبر شركات الطيران الأجنبية على مغادرة إسرائيل. ذكرت المعلقة الإسرائيلية دانا فان لوزون خلال مناظرة تلفزيونية بأن ترامب يرسل رسالة لنتنياهو: “يا عزيزي، لقد سئمت منك!”.

في السعودية، قال ترامب لولي العهد محمد بن سلمان إنه يتمنى إنضمام المملكة إلى “إتفاقيات إبراهيم” مع إسرائيل، لكنها “ستفعل ذلك في الوقت المناسب”. لكن الإسرائيليين يعتقدون أن ترامب يدرك أن السعودية لن تطبع العلاقات مع حكومة نتنياهو لأنها ترفض حتى مناقشة إمكانية الإعتراف بدولة فلسطينية.

وأثنى ترامب على بن سلمان قائلًا: “لدينا شركاء رائعون في العالم، لكن ليس لدينا أحد أقوى ولا أحد يشبه هذا الرجل الرائع الذي يقف أمامي”.

صفقة الأسلحة السعودية… تهديد للتفوّق الجوي الإسرائيلي

أثارت الصفقة غير المسبوقة لبيع أسلحة للسعودية بقيمة 142 مليار دولار، بما في ذلك طائرات F-35 المتطورة، قلقًا شديدًا في تل أبيب، لأنها قد تقوّض التفوق الجوي الإسرائيلي. كما إستجاب ترامب لرغبة السعودية في تطوير برنامج نووي مدني، وهو ما حذّر منه حتى زعيم المعارضة يائير لابيد، قائلًا إنه قد يُطلق سباقًا نوويًا في الشرق الأوسط.

التطبيع مع سوريا وإيران… صفعة أخرى لإسرائيل

أعرب ترامب خلال جولته عن عزمه إبرام اتفاق نووي مع إيران، مما أثار “الذعر” في إسرائيل. كما رفض جميع دعوات نتنياهو لشن عملية عسكرية مشتركة ضد إيران لتدمير قدراتها العسكرية والنووية وتغيير نظام الحكم هناك.

رفع ترامب العقوبات الرئيسية عن النظام السوري، الذي تعتبره إسرائيل “إرهابيًا”، وقابل الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع، واصفًا إياه بـ”الرجل الرائع”.

في قطر، أشاد ترامب بالسلطات لأنها “تحاول بلا شك المساعدة” في حل أزمة الرهائن في غزة. لكن الإسرائيليين يعتبرون أن قطر تستحق الإدانة لأنها تمول حماس وتتوسط في إتصالاتها مع العالم وإسرائيل.

خطة جديدة لغزة… نهاية أحلام إسرائيل

بدلًا من اتباع رغبات نتنياهو، ناقش ترامب مع قادة دول الخليج “صفقة كبرى” لإقامة نظام جديد في الشرق الأوسط وحل طويل الأمد للصراع الإسرائيلي-الفلسطيني.

أبرز بنود الخطة:

  • وقف فوري لإطلاق النار وبدء مفاوضات لإنهاء الحرب.
  • إطلاق حماس لجميع الرهائن الإسرائيليين، بما في ذلك جثث القتلى، مقابل إطلاق إسرائيل لأسرى فلسطينيين وفق صيغة محددة.
  • إستئناف المساعدات الإنسانية لغزة.
  • إنسحاب إسرائيل الكامل إلى حدود ما قبل الحرب بعد فترة إنتقالية.
  • تسليم حماس جميع أسلحتها (بما في ذلك الصواريخ والأسلحة الخفيفة) لدولة عربية (مصر على الأرجح).
  • مغادرة القيادات العسكرية العليا لحماس والجهاد الإسلامي وغزة.
  • إعادة إعمار غزة تحت إشراف لجنة عربية-أمريكية تضم السعودية والإمارات ومصر والأردن والولايات المتحدة وأوروبا.
  • مشاركة السلطة الفلسطينية في الإدارة بعد إصلاحات جوهرية.

مكاسب عائلة ترامب

بدلًا من مشروع “ريفيرا غزة” للمستوطنين اليهود، يدعم ترامب الآن مشروعًا مصريًا لإعادة إعمار القطاع، مما يضمن أرباحًا كبيرة لابنه إريك ترامب، الذي زار المنطقة قبل أسابيع واتفق على بناء “أبراج ترامب” في دبي وربما دمشق.

نتنياهو أمام مفترق طرق

هذه “الصفقة الكبرى” تمثل نقطة تحول لنتنياهو. إذا وافق عليها، فقد يفقد دعم اليمين المتشدد ويُجبر على إجراء انتخابات جديدة بفرص ضعيفة للفوز.

ترامب لن يتخلى عن إسرائيل كحليف رئيسي لأمريكا، لكن أحلام إسرائيل بالشراكة المتساوية أو حتى الدور القيادي في القضايا المصيرية تذوب بسرعة، مثل الثلج على جبل الهيكل الذي يسقط أحيانًا. هذا “الكلب” الأمريكي الضخم لا يهزّ ذيله لأحد… بل يعترف فقط بمصالحه.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك