مجتمع

لماذا نتجسس و نسجل مكالمات هاتفية ؟…تسجيل المكالمات بكل أنواعها التليفونية وغيرها

أنور الموسوي
ـــــــــــــــ

أتصور هذه الظاهرة لاتحتاج إلى مقدمة تعريفية لكي نوضح مَاذَا تعني إذ باتت امراً منتشراً بإمتياز…يندرج ضمن هذه الظاهرة ايضاً التصوير والتسجيل (فديو او صورة) للعلاقات الحميمية الّتي تحصِّل بين العشاق لممارسة دَوْر الاستفزاز والابتزاز بعد ذَلِك…

تسجيل المكالمات ضدّ الآخرين أصبحت ظاهرة وليست حالة عادية ممكن المرور عليها بسهولة ك، فهي “مشنقة ضمير” تحتاج الى توقف وتأمل لأسباب انتشارها ودوافعها.

سأضع هنا المستهدفين الاكثر عرضة لهذه الظاهرة، وما هي اسبابها طبقاً لما أفهمه من تحليل في نقاط أدرجها كالآتي؛

من هم المستهدفون؟

١- غالباً ما تتم حالة تسجيل المكالمات للأشخاص المهمين أو الذين يمتلكون منصباً حساساً لذلك في اغلب الأحيان يكونوا مستهدفين بهذه الظاهرة.

٢- الخصومات الشخصيّة والعامة تخلق حالة استهداف بهذه الظاهر ويأتي من ضمنها حالات الغدر.

٣- النساء بشكلٍ عام وبالمطلق والأكثر عرضة لهذه العملية.

٤- القضيا الّتي تخص الأمن الجنائي والوطني وهذا الأمر الوحيد الذي يَكُون ايجابياً في هذه الظاهرة كونه يمثل إرادة قضائية قانونية لتحقيق مصلحةٍ ما.

اسباب الظاهرة وفقاً للمستهدفين في النقاط اولاً وحتّى ثالثاً.

١- هذه الظاهرة اتت نتيجةً للتطور التكنولوجي الحاصل والذي اتاح بيسر سهولة إستخدام البرامج الّتي تتيح عملية التسجيل او التصوير.

٢- المنشأ التأريخي لهذه الظاهرة، استمده من نظرية د. علي الوردي حينما يشير إلى ظاهرة البداوة المتأصلة في داخل الفرد او المجتمع ، فالبداوة تنزع دائماً في جذورها الى طابع الغلبة والغزو، فشخصية الفرد هنا لم تغادر هذه النظرية ولازالت تتسم بها بتوظيف التكنولوجيا لتلك النزعة البدوية، لذلك فهي مصابة بعقدة الخوف من الغزو ومحاولتها تحقيق الغلبة على الآخرين لذلك دائماً نسمع المصطلع الدارج فلان (ما ينغلب) فأصبحت ظاهرة تسجيل المكالمات طبقاً للنزعة البدوية العميقة في شخصيّة الفرد العراقي متوفرة بجذرانيتها لاحداثِ غزواً منتظراً وغلبة على الآخرين لاكتساب مصالح معينة.

٣- عدم الثقة / هنا في هذه النقطة يوجد سبب ونتيجة وفي الحالتين تؤدي إلى عبارة عدم “الثقة”

السبب/ أن المجتمع الحاليّ أمتاز وفقاً لهذه الظاهرة بفقدانه للثقة بينه وبين محيطه الفردي بالتعامل وأصبحت المصالح تدار باسلوبٍ فجٍ غيّر اخلاقي من خلال إدخال عناصر الابتزاز والمساومة والتي من ضمنها تسجيل المكالمات للآخرين.

النتيجة / أصبح المجتمع يعاني رهاب الابتزاز ورهاب المساومة، أي يعاني خوفاً من تسجيل المكالمات او تسجيل حديث الأشخاص او تصويرهم (ذكوراً واناثاً)، هذه النتيجة أفقدت دوافع الإنسانية في التعامل مع المحيط الإجتماعي، (الفرد مع الفرد الآخر) (والفرد مع المجتمع). فأصبح المجتمع اسيراً مكبلاً بخوفٍ مجهول واحترازية عالية، وكأنه في غرفة تحقيق كبيرة ضمن واقعه الإجتماعي ليتم إتهامه بجرمٍ مفاجئ بعد حينٍ وهذا الجرم مشهود وموثق.

سلبت هذه النتيجة الحرية للأشخاص في التعبير والتنظير والنقد أو التعامل الحر كفردٍ طبيعي بين المجتمع يمتلك وسائل الحديث والتعبير بصورة طبيعيّة عن ما يريد الحديث عنه او التعبير عن غضبه او انفعالاته. فمصير الثقة أصبح معدوماً نتيجةً لهذه الظاهرة، وحينما تُفتَقد الثقة يصبح المجتمع عبارة عَن فرائس مهددة بالكمائن الّتي ينصبها لهم الآخرون فالكل ينصب للكل كمائن التسقيط والابتزاز، فأي بناءٍ يرتجى بعد هَذَا من مجتمعٍ يعاني رهاب التسجيل والتوثيق الصوري او الصوتي؟ وأي وشائج اجتماعية ممكن أن تنجح في ظل المصيدة الّتي ينصبها البعض للبعض! امرٌ مؤسفٌ بحق ونتائجه وخيمة!.

٤- لا أخلاقية…..

هذه الظاهرة هي تولد لأسباب عديدة من أهمها،البعد عن القيم الأخلاقي وفقدان التربية الّتي توفر مناخاً امناً للتعامل مع الآخرين وفقاً للانسجام الإنساني، غالباً هذه الظاهرة تنتج من أشخاص غير معنيين بالأخلاق وفن التعامل مع البشر، ويفتقدون إلى قيمٍ كثيرة ومن ضمنها قيم إحترام خصوصية الحديث.

٥- نفسية سايكلوجية:

هذه الظاهرة لها دوافع نفسية مغروسة في سايكلوجية الفرد ومن ثمّ المجتمع وأبعادها تأريخية ونتائجها السلبية في تطورٍ مستمر.

ألفرد هنا يعاني عدم الأمان وقلة الثقة نتيجةً لاحداثٍ سمعها او مرت عليْه، او بسببِ خوفٍ من مجهول يخاف السقوط به،او عدم أمان من الآخر، او يعمد للحصول على منافع من خلال استخدام ذَلِك الأسلوب، لذلك يعمل علَى أحداث “ميكانزم دفاعي” أو ٠خطوة استباقية هجومية” للحصول على منافعه الشخصيّة، [هذه النقطة على الرغم من كونها نفسية سايكلوجية لكنها لاتبتعد ايضاً عن وفرتها لرأس المال الاستحواذي، لتحقيق حركة المصالح ذَات الإنتاجية، ممكن لي أن اعبر عنها (بالمصالح الكرهية)].

أصبح الفرد ومن ثمّ المجتمع يعاني نفسياً من الحركة السريعة والمفاجئة لثنائية (المال والجنس) ولتصفية الحسابات المعتدمة على هذين الاسين (المال- الجنس) وبما أنه يرزخ تَحْت طائلة فقرٍ او وسطية إجتماعية في احسن الأحوال بمعية الحرمان الجنسي، وبسبب الانفتاح الكبير الذي حصَّل على وسائل الإنتاج ووسائل التطور، وفي قبالة عدم وجود قوانين تَقُوم ظواهر الربح ولا ظواهر الممارسات الجنسية، وتعطي لها انفتاحاً أكثر موائمةً مع روح العصر، تلجأ الشخصيّة بطبيعة الحال إلى إستخدام وسائل ملتوية لتحقيق تلك الغايات الملحة والضرورية في حياتها (المال-الجنس) لكن بطرقٍ اجرامية، [فتسجيل المكالمات وتسجيل الأصوات وظاهرة التصوير للفتيات اعتبرها من وجهة نظري “ظواهر اجرامية”].

الشخصيّة الفردية أصبحت تعاني أما حاجة العوز ومحاولة تعويضها بهذه الأساليب المنحرفة، او ظاهرة الرهاب ومحاولة الاحتماء من هذه الظواهر بتكوين ميكانزم دفاعي يؤدي إلى عدم الثقة المطلقة بالمحيط وتعزيز الخوف المستمر والحيطة والحذر وكأن البشر يعيشون في مصيدة كبيرة سيقعون بها ويدفعون ثمنها “بفضيحةٍ مجلجلة”.أدى ذَلِك الى خلق مجتمع خائف غير أمن ولا مستقر في علاقاته مع محيطه وهذا ما سينتج عنه اللاسلام المجتمعي، والإرهاب الإجتماعي، ولاتؤدي إلى دعم بناء علاقات مستقرة ونموذجية بين المجتمع والأفراد بل تتعزز في المجتمع مفاهيم الكره المبطن، والحيلة والغدر، وبهذه الطريقة عن أي مجتمعٍ فاضلٍ ممكن ان نتحدث؟…..

في النّهاية أشير إلى أن هذه الظواهر هِي منحرفة ولا أخلاقية، وهي نتيجةً لعقد نفسية يعاني منها الفرد أو المجتمع، وذات دلائل مخيفة علَى مستقبل التوازن الاجتماعي فليس الحذر منها هُو الحل بل مناقشتها هو الحل ووضع الحلول الممكنة لها لأنها باتت امراً مقلقاً لمن يشعر بأنه سيكون ضحيةً أو مهدد بهذه الظاهرة!. علماً في اغلب الحالات لايوجد طرف بريء في هذه المعادلة الحقيرة! فالضحية المستهدفة ايضاً غالباً ما تمارس نفس الدور على صاحب الكمين او على آخرين لذلك عبرنا عنها “كظاهرة”

لابد من تعزيز الثقة بالتعامل مع الأفراد والمجتمع وفقاً للأساليب الطبيعية والقانونية في الحصول على المصالح (المال والجنس) والقضاء على هذه الظاهرة وقمعها نهائياً، من خلال التثقيف بالضد منها، وإصدار قوانين صارمة ومفعلة ومطبقة للقضاء عليها.

انور الموسوي