العمود رأي

قناديل الكلمات: أنا من أنصار الفساد

الكلام الجميل على شاكلت الخطب الدينية والمواعظ، المؤدي لتثبيت الأخلاق الفاضلة وغرس القيم النبيلة فينا، هو فاكهة الفقراء التي تكسبهم الصبر والأمل وهي حجة الضعفاء على الارض… هذا ما قاله لي صديقي دكتور في علم الاجتماع، وأستشهد لي بقصة الروائي البيروفي، ماريو فارغاس يوسا، الحائز على جائزة نوبل للآداب في العام 2010. والذي إعتقد أن في وسعه أن يربح في الانتخابات الرئاسية في بلاده، ولم يكن يعتقد لحظة أن هزيمته ستكون مدوية، لكن الهزيمة تحولت عند صاحب الرواية الشهيرة “امتداح الخالة” إلى موقف ساخر من السياسيين، ومن الفساد المستشري في بلاده، إذ كتب نصا يشرح فيه أسباب الهزيمة. قال فيه: إنه اكتشف متأخرا أن أنصار الرشوة أكثر شراسةً وضرواة من أنصار النزاهة، وأن هؤلاء الذين يقرأون رواياته الضاجّة بالتمرد على الاستبداد والسلطة الفاسدة ربما لم يفهموا شيئا، لأنهم كانوا في مقدمة الذين حاربوه في الانتخابات. فصارت الرشوة والفساد عند يوسا موضوعا ساخرا، فكان يقول للذين يسعون إلى محاورته إنه لن ينبس بحرف واحد، إذا لم يحصل على رشوة سمينة ومحترمة “فهي من شيم النبلاء”. وفي موقف روائي لا يخلو من دلالة، كان يحمل معه ظرف بريدي أصفر (يدس فيه بعض الورقات النقدية) إلى الإدارات، ويخبر الموظفين أنه قرر أخيرا أن يصير إنسانا سويا، وأن لا خيار للشعب سوى أن يكون كذلك، وحين سألته الصحافة عن غرابة ما يقوم به، رد بحسّ ساخر لاذع: أنا الآن من أنصار الفساد. لا نعرف ماذا كان سيفعل فارغاس يوسا في الجزائر، لأن ظرف بريدي أصفر لن يكفيه، ولأن الصراخ أيضا لن يكفيه، خصوصا إذا وصل إلى حقيقة أنه ليس لدى الرشوة أنصار فقط، بل مفكرون ومستشارون، وتتوفر على”حكامة جيدة”، كأحدهم والذي يقال عنه أنه أديب عظيم شاعر وكاتب، بعد تعلق قلبه بأصحاب ” المعالي” تخصص في مشكله ” علي بابا والأربعين حرامي ” قرأ ألف كتاب ، ورجع إلى ألف مرجع ، ناقش مئة شخص، زار مئة بلد ثم عاد ليفجر قضيته العلمية الكبرى : لا يوجد دليل واحد على أن ” الأربعين حرامي ” كانوا لصوصاً، ولكنهم كانوا سارقين، والسارق في الأدب الشعبي القديم هو المحب أو العاشق والدليل على ذلك أغنية شادية : يا سارق من عيني النوم….فباع بهكذا إستعاراته وقوافيه ..إذن الآن قررت أن ألحق بركب الفاسدين لأكون مواطنا صالحا.

 

يكتبها سعودي عامر