رأي

حين يسرق البوليس الدولة ويحوّلها الى دولة بوليسية . يبقى هناك طريق واحد للمعاجلة

سعيد الوجاني
ـــــــــــــ

رأينا في الحلقات السابقة ، كيف سرق البوليس الدولة ، وحولوها الى دولة بوليسية تخرب وتدمر ، ولا تبني وتعمر ، وكيف بدأ عملاء الدولة البوليسية يتغوّلون ضد الشعب المغربي ، باسم حماية السلطان الذي سلمهم مصير المغرب والمغاربة ، واستغلوا الضعف ، للقيام بممارسات مشينة ، أهمها اكل الثوم من فم السلطان ، لرمي احرار وشرفاء الشعب المغربي ، وأبناء المقاومة وجيش التحرير في غياهب السجون ، و حتى يستريحوا من فضح ملفاتهم التي ازكمت رائحتها الانوف .
كما رأينا الدور السلبي للدولة البوليسية في معاجلة نزاع الصحراء المهددة بالانفصال . ولنا ان نتساءل : كيف كان الصحراويون في مظاهرات العيون التي كان يقف وراءها فؤاد الهمة لضرب الوزير المقبور ادريس البصري عام 1999 يرددون الصحراء مغربية ، وكيف انقلبوا بعد فضح المؤامرة التي وظفوا لها قضية الصحراء ، واصبحوا يرددون شعارات الانفصال ، حيث توسعت القاعدة العريضة للمطالبين بالاستفتاء وتقرير المصير، على حساب الوحدويين الذي تقلص عددهم الى حجم صغير ، كما رأينا كيف انقلب السحر على الساحر في واقعة إگديم إزيگ ألتي كان وراءها طاقم الدولة البوليسية ، عندما فشل في فضّ التخييم ، بعد ان كانت الخيام تنصب امام رعايته طيلة شهر تقريبا .
امام توغل وتغول الدولة البوليسية ، واعتداءاتها على احرار وشرفاء الشعب ، وتفقيرها للجماهير ، وتدميرها للمغرب من خلال تشجيع إشاعة الفساد بمختلف الاشكال ، يصبح سؤال المرحلة الذي سبق للينين ان طرحه ، هو ما العمل ؟
اعتقد ان الظرفية الخطيرة التي يوجد فيها وعليها المغرب ، والمتسبب فيها النظام البوليسي الفاشي الذي يطبخ المحاضر البوليسية المزورة في حق الاحرار والشرفاء ، من فاضحي الفساد ، الى المطالبين بالدولة الديمقراطية التي تربط المسؤولية بالمحاسبة ، لا ولن يكون غير طريق واحد للمعالجة ، لا طريقان او ثلاثة طرق .
ومن خلال استحضار كل طرق واشكال النضال ، التي خمرها الشعب المغربي منذ 1956 والى اليوم ، وهي اشكال كانت مختلفة ، بسبب خضوعها للتطورات التي كانت تفرض نفسها في الساحة ، وعلى الفاعلين السياسيين بمختلف مشاربهم السياسية والأيديولوجية ، ومن خلال تِعْداد عدد الانتكاسات الشعبية التي حصلت في تاريخ النضال الجماهيري للشعب المغربي ، فان الظرفية الحالية التي تزاوجت مع ثورة المعلومات من انترنيت ، و فيسبوك ، وتويتر ….لخ ، وبسبب سيادة نظام عالمي واحد اقتصاديا وسياسيا ، والتركيز العالمي على حقوق الانسان والديمقراطية ، وتدخل الهيئات الدولية ، والمحاكم الدولية المختلفة ، خاصة التركيز على القانون الإنساني العالمي لحقوق الانسان ، وعدم الإفلات من العقاب …لخ ، اصبح النضال اليومي للشعب المغربي اكثر تقدما وجذريا ، عمّا ساد الستينات ، والسبعينات ، والثمانينات ، وحتى النصف الأول من التسعينات ، بحيث اصبح العالم يراقب ممارسات حقوق الانسان ، خاصة في الأنظمة الدكتاتورية ، والاستبدادية ، والطاغية ، وأصبحت أبواب المحكمة الجنائية الدولية ، وابواب المحاكم الأوربية ، وبالولايات المتحدة الامريكية ، مشرعة لتلقي شكايات الشعوب المضطهدة والمعذبة ، ومشرعة للنظر في عمليات تهريب الثروة الى سويسرا ، واللوكسنبورگ ، وبناما …لخ ، وهو ما يجعل الأنظمة القمعية تأخذ في حساباتها ملا حقتها من قبل القضاء الدولي .
ان الوضع الذي يوجد فيه وعليه العالم اليوم ، يجعل من المستحيل تكرار مجازر احدث 23 مارس 1965 ، ومجازر 9 يونيو 1981 ، ويناير 1984 ، ومجازر 1990 …لخ . لذا فان إمكانيات الشعب للتحرك من اجل الدولة الديمقراطية الحقيقية ، ستجد لها آذانا صاغية من قبل العالم ، من مؤسسات سياسية ، وقضائية ، وتشريعية ، وهو ما يسهل كل إمكانية في الوصول الى بناء ديمقراطية تنبع من الشعب ، وتصب في مصلحة الشعب .
ان تمركز الحياة الاقتصادية اليوم في يد البوليس الذين سرقوا الدولة وحولوها الى دولة بوليسية مقيتة وكريهة ، وفي يد الفئات / ( الطبقات ) المساندة لها ، والتي تصفق لها ، وامساكها بالمبادرة السياسية في شقها البوليسي الكريه ، يضعنا امام حالة جديدة ، يجب ان نقر بخصاصها النوعية ، وان نعالجها ونحللها كحالة نوعية . وفي تقديرنا المتواضع ، انه لا بد من رد الاعتبار للشعب البسيط ، الذي اثبت طوال تاريخنا المعاصر ، انه رغم خيانة الأحزاب ، و ( النخبة ) ، والنقابات ، فهو يملك إحساسا سياسيا ، رفيعا ، صحيحا ، وسليما ، وانه يعرف تماما كيف يميز بين القمح والزْوَانْ . فما ينقصه للوصول الى الهدف المنشود ، هو القيادة الوطنية الديمقراطية ، التقدمية الحقيقية ، التي ستنبع منه ، من خلال المعارك المسطرة للوصول الى الدولة الديمقراطية .
لكن رد الاعتبار هذا ، لا ولن يتم ، الاّ عبر طريق واحدة ، هي العمل الدؤوب على استرجاع الشعب الى مكانه الطبيعي ، أي ربطه بالقوى السياسية الفاعلة والقادرة ، سواء تلك المناضلة في الساحة ، او القوى الديمقراطية والتقدمية التي ستفرزها الصراعات الشعبية ، أي القوى الذاتية رافدة مشعل التغيير في كل مدينة ، ومدشر ، وقرية ، وجهة ، واقليم .
فبالنسبة للقوى الحية في الساحة ، عليها ان تقلع عن ان تكون مجرد تكوينات سياسية ، تعتبر نفسها ارقى من الشعب ، وادنى من الدولة البوليسية ( الاشتراكي الموحد ) ، فتنظر بازدراء الى تحت ، وبخشوع واحترام الى فوق . ان الطريق للوصول الى الفوق يجب ان يمر من تحت ، وكل طريق لا تمر من تحت ، من عند الشعب ، هي طريق الى الدرك الأسفل ، أي يجب نبذ البلانكية ، وانصاف الحلول ، ودعاة المنهجية اللاّديمقراطية ( الديمقراطية ) ، الذين يتنافسون ليحظوا بشرف تطبيق برنامج الملك . فالنضال يجب ان يكون من وسط الشعب ، ومع الشعب ، وان ينطلق من تحت الى فوق . فالنضال يجب ان يبلغ الهرمية ( الاهرام ) ، قاعدة عريضة من الشعب ، يوجهها قادة من هند وفولاذ .
كما يجب التوجه الحاسم والجذري ، نحو القضايا المرتبطة ببنية المجتمع من جهة ، وبطابع وعمل الدولة البوليسية من جهة أخرى .
ان النوع الأول من القضايا ، يجب ان يركز على التعاطي مع المجتمع ، بوصفه كيان موحد المصالح ، في مواجهة الدولة البوليسية الفاشية ، والتحديات التي تجابهه ، وبوصفه من ثم ، مصالح فئوية .
ان هذا لا يعني بالطبع تجاهل المصالح الطبقية الخاصة بكل طبقة ، لكن المصيبة ستكون تامة ، إذا ما توقفنا عند الحدود التي تفصل مصالح الطبقات عن بعضها ، ولم نعرف كيف نبرز ما هو مشترك بينها . وعلى كل حال ، إذا كانت المرحلة الماضية قد شهدت سياسات تقوم على مجابهة المصلحة الشعبية ، بمصالح طبقات وفئات وشرائح ” حاكمة ” ، فان هذا المرحلة يجب ان تبرز التعارض بين مصلحة غالبية المجتمع ، ومصالح الدولة البوليسية ، والفئات المساندة لها ، والداعية لسياساتها .
ان هذا التطور ، يحتمه الدور الجديد الذي اخذت تحتله الدولة البوليسية منذ سنة 1999 ، والذي أعطاها استقلالا ذاتيا نسبيا ، عن مصالح الطبقات المساندة لها ، ووضعها بالتالي على رأس القوى التي تخوض الصراع ضد القوى الشعبية . مع التأكيد على هذه النقطة النابعة من الوضع الحالي ومستجداته .
ان نقطة الضعف الأساسية التي تواجهها الدولة البوليسية ، هي علاقاتها المتأزمة مع الشعب ، وتعارض مصالحها بالأساس مع مصالح الجماهير . ان هذا الجانب الأساسي الذي يجعل الدولة البوليسية ضعيفة البنية سياسيا ، ويحولها لتغطية ضعفها البين الواضح ، الى دولة قمع وطغيان ، وصل الى حد طبخ المحاضر البوليسية المزورة في حق احرار وشرفاء الشعب المغربي ، ويسحب من ايديها كل الأوراق السياسية القادرة على اقناع الشعب ، بالركوع ، والخضوع ، وتحميله على قبول الإهانة ، والاذلال الممارس يوميا بشكل فاشي ، يجب ان يكون محل اهتمام خاص ، من قبل قوى التغيير الديمقراطي ، التقدمي ، والوطني ، بمختلف مشاربها الأيديولوجية والعقائدية ، وهنا تحضرنا الجبهة او الكتلة .
والحقيقة التي لا بد من إيجاد معالجة جدية لها ، هي ان المجتمع الذي ينغل ويطبخ بدون تأطير من احد ، لن يجد طريقه مرة أخرى الى عالم السياسة ، إذا لم تقدم له هذه القوى ، صعيدا من الوعي والممارسة السياسية ، لإقناعه مرة أخرى بقدرته اللاّمتناهية ، على مجابهة الدولة البوليسية ، وعملاء البوليس الذين سرقوا الدولة ، وسلّطوها لقمع الشعب من جهة ، وللاغتناء الغير المشروع من جهة أخرى . ان أي تحليل لطبيعة القوى السائدة في الساحة ، ولمعالجة التطورات المستحدثة منذ 1999 ، لا بد من ان يقتضي الامر ما يلي :
( يتبع )