أحوال عربية

صفقة القرن: تحييد العرب وتحميل الفلسطينيين مسؤولية الفشل

خالد الحروب
ــــــــــــــــ

في ضوء معالم البيئة الاقليمية المتفجرة التي أشير إليها سابقاً ثمة تحديات حقيقية وكبرى تواجه فلسطين والفلسطينيين، ويقف على رأسها ما يلي: أولاً: تحدي تصفية القضية من خلال ما يُسمى ب “صفقة القرن”. وهنا صار الخط الاساسي لسيناريو “صفقة القرن” شبه مكشوف ويتضمن فرض تسوية “كيفما اتفق” على الفلسطينيين وبضغط عربي خليجي وذلك تمهيداً لإخراج التحالف العربي ـ الاسرائيلي ضد إيران إلى العلن. تُدرك الأطراف المُنخرطة في هذا التحالف صعوبة المجاهرة به وتحريره من حالته الخجولة حالياً، والإنتقال به إلى الفعل المُشترك من دون حل القضية الفلسطينية. والحل المُفترض للقضية الفلسطينية ضمن “صفقة القرن”، وبحسب ما رشح من معلومات عنها، او ما يُتوقع منها، لا يزيد عن اضافة تجميلات للوضع القائم لا تمس اياً من قضايا الصراع الاساسية مع اسرائيل. وهو حل يرفضه الفلسطينيون مسبقاً، لكن الرفض الفلسطيني قد يجلب عليهم اكلافاً باهظة (مُخطط لها)، وهو ما يقودنا إلى التحدي الثاني، وهو تحدي الإبقاء على الوضع القائم لكن مع تهميش اضافي لفلسطين وقضيتها.
وهنا وفي حال رفضَ الفلسطينيون “صفقة القرن” فسوف يتم إتهامهم من قبل الولايات المتحدة واسرائيل بإفشال “أهم” صفقة لإحلال السلام بين إسرائيل والعرب عموماً، وتحميلهم المسؤولية عن ذلك علناً. لكن الامر لن يتوقف عند هذا الحد، ويختلف عن تحميلهم مسؤولية فشل المفاوضات في كامب ديفيد عام 2000، ذلك انه في حمى الإستعجال لبناء التحالف الاسرائيلي العربي ضد إيران فإن واشنطن سوف تضغط على السعودية ومصر على وجه الخصوص، وربما دول عربية اخرى، كي تنخرط في مسألة تحميل الفلسطينيين مسؤولية فشل صفقة القرن، من زاوية ان الدول العربية حاولت قصارى جهدها إلى جانب واشنطن لخدمة الفلسطينيين لكنهم اضاعوا “الفرصة الذهبية”. وقد يتعرض الفلسطينيون لحملات إعلامية شرسة في هذا الإتجاه هدفها تبرير المضي قدماً في التحالف الإسرائيلي العربي والذي يرافقه مستويات مُتقدمة من التطبيع مع إسرائيل. على ذلك، وفي ضوء ان “صفقة القرن” تتم صياغتها من دون مشاركة فلسطينية بل رغما عنهم، فإن الهدف الحقيقي من هذه الصفقة ينحصر في إخلاء مسؤولية الاطراف العربية تجاه القضية الفلسطينية، بمسوغ ان تلك الاطراف بذلت كل ما تستطيع من جهد لكن الفلسطينيين ظلوا يرفضون ما يُعرض عليهم. وهكذا نتيجة تحقق ثلاثة اهداف في آن معاً: فمن ناحية اولى تجد الاطراف العربية المُنخرطة في التحالف مع اسرائيل ضد إيران خطاباً تبريرياً يسوغ تحالفها العلني مع اسرائيل، ومن ناحية ثانية يتحقق تهميش اضافي للقضية الفلسطينية ويُترك الفلسطينيون وحدهم في الميدان من دون إسناد عربي ولو لفظي، ويتقزم الصراع إلى صراع إسرائيلي ـ فلسطيني يقف فيه العرب على الحياد او يلعبون دور الوسطاء! ومن ناحية ثالثة، يتم الإنفكاك من معادلة فلسطين اولاً والتطبيع ثانيا، او معادلة نقبل ما يقبل به الفلسطينيون. وهذا معناه توالي حالات التطبيع العربي مع اسرائيل، خاصة الخليجية ومؤشراتها في الزيارات الرسمية وشبه الرسمية التي نراها تباعا لإسرائيل وبالعكس، برغم بقاء الإحتلال الإسرائيلي على ما هو عليه ومن دون الإهتمام بالعامل الفلسطيني في المعادلة. وفي الآن ذاته فإن معادلة نقبل بما يقبل به الفلسطينيون وهي التي عكست عمليا ضعف الموقف العربي وليس احترامه للموقف الفلسطيني، ذلك انه من المفهوم ان الطرف الفلسطيني هو الاضعف وبأن ما سيقبل به سوف يكون اقل من الحد الأدنى. لهذا اختبأ الموقف العربي خلف تلك المقولة على الدوام، بدلا من ان يكون رافعة تسند وتحسن من الموقف الفلسطيني برمته. لكن حتى تلك المعادلة شبه البائسة فإن بعض الاطراف العربية وخاصة الخليجية لم تعد تتحملها وتريد ان تقبل حتى بما لا يقبل به الفلسطينيون، وهكذا تتحرر تلك الاطراف من المعادلتين: معادلة التطبيع ومعادلة قبول الحل (الامريكي الاسرائيلي) من دون إعتبار لرأي وموقف الفلسطينيين.
التحدي الثالث الذي قد يواجه الفلسطينيين هو تحدي موقف حماس في حال قيام حرب مع إيران. فهنا وإذا اتجهت الامور نحو حرب اسرائيلية ضد إيران (سواء في سياق تحالف عربي، او في شكل منفرد)، فإن احد الأسئلة الفلسطينية الملحة والذي يمكن اعتباره تحديا آخر يتعلق بموقف حماس وفيما إن كانت ستنخرط من جانبها في هذه الحرب اما لا عن طريق فتح جبهة قطاع غزة. هناك عناصر كثيرة يصعب تحديدها في هذا السياق يتبلور في ظلها موقف حماس. بعض هذه العناصر تعتمد على طبيعة الحرب، وفيما إن كانت ضربة سريعة تستمر عدة ايام، ام كونها حرب اوسع تشمل سورية وانخراط حزب الله في جنوب لبنان عبر فتح جبهة في الشمال الفلسطيني ضد اسرائيل. في حال انخراط حزب الله فإن ذلك سوف يزيد من احراج حماس، وربما يرى بعض قادتها ان فتح جبهة من قطاع غزة عبر استخدام الصواريخ سوف يعيد حماس إلى “صف الممانعة” بشكل واضح ويعزز علاقتها مع ايران بعد ان ضعفت تلك العلاقات في ضوء سقوط رهاناتها على الدعم الخليجي وعلى دعم مصر تحت حكم محمد مرسي. لكن السؤال الذي يجب ان يُناقش منذ الآن هو حول المصلحة الفلسطينية وأين تقع بالضبط في سياق حرب كهذه، والعبء الإضافي الذي سيقع على كاهل قطاع غزة في حال انخراط حماس فيها.
التحدي الرابع يتمثل في الهشاشة والرخاوة الايديولوجية في بلدان الخليج، وشبه فقدان المناعة ضد الإختراق الصهيوني والتطبيع. وهنا يلاحظ انه برغم معاهدات السلام بين اسرائيل من جهة ومصر والاردن من جهة اخرى، وبرغم العلاقات السرية بين الدولة اليهودية وعدد من الحكومات العربية فقد ظلت “التطبيع” محصورا في الدوائر الرسمية وانسدت كل اوجه التطبيع الشعبي في وجه المحاولات الاسرائيلية. كان السبب وراء ذلك هو إمتلاء المشهد النخبوي والسياسي والثقافي المصري بخطابات صلبة من الإرث القومي العربي والماركسي والناصري والاسلاموي. كل تلك التوجهات الايديولوجية وعلى اختلافاتها الجذرية مع بعضها البعض كانت تتفق على موقف رافض لإسرائيل والصهيونية. بيد ان مرحلة ما بعد الايديولوجيا التي نعيشها الآن وتشهد افول الايديولوجية القومية العربية والماركسية وتهلهل الايديولوجية الليبرالية العربية وتسطحها رسميا، وتبعثر الايديولوجيا الاسلاموية بين العنف وغياب البوصلة والانجاز الحقيقي، تنهض في المقابل ايديولوجيا ضيقة الأفق عوائلية وقبلية واستبدادية يمكن تسميتها ب “ايديولوجيا المحافظة العربية”.، ومعقلها الخليج ومصر. تتصف هذه “الأيديولوجيا” بغياب الافكار المتماسكة والصلبة تجاه إسرائيل او غيرها من التحديات الكبيرة، وانعكاس ذلك على استسهال مسألة التطبيع معها. وهكذا فإن الفراغ الايديولوجي الناشىء في المنطقة العربية في اللحظة الراهنة ومعه الخطاب المعادي للايديولوجيا ازاح مع بروزه المتصاعد المواقف الصلبة والمبدئية إزاء إسرائيل بكونها دولة كولونيالية استيطانية واحتلالية وقائمة على الظلم وتعتمد ايديولوجيا صهيونية اعتبرها الامم المتحدة في سبعينات القرن الماضي فكرة عنصرية بحتة. وعوضاً عن ذلك تبرز اصوات ودعوات عربية وخليجية تتصف بالرخاوة والهشاشة والسطحية الفجة التي تنظر إلى اسرائيل ك “دولة عادية” في المنطقة، على غير ما ترى غالبية شعوب ونخب العالم بأسره. ويمثل هذا الخطاب المُتراخي تجاه اسرائيل والمتبلور في خلفية العديد من مواقف الحكومات العربية والخليجية تحدياً حقيقيا للفلسطينين يجب مواجهته لأنه يريد ان يسحب خلفه الرأي العام العربي والخليجي الذي يتبنى مواقفا اكثر مبدئية ونقاء من مواقف النخب السياسية. ومن المهم هنا التفريق بين موقف الحكومات والاصوت الممالئة لها من نخب سياسية واعلامية ومواقف الشعوب العربية والخليجية، وعدم الجمع بينها في النقد والتفكيك.

كلمات دلالية