أحوال عربية رأي

كذبونيا : فن الرقص فوق جراحنا

صلاح المختار

﴿ وَجَاؤُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ﴾ سورة يوسف: 18

تلقيت رسالة مؤلمة من انسان تعرض لظلم ذوي القربى الذين اتهموه ولفقوا له ما لم يقم به وطلب من القضاء التحقيق بالتهم لاثبات براءته وقدم للمحققين كل ادلة البراءة ،واذا بالمحققين يتبنون نفس اتهامات من لفقوا له التهم فكانت صدمته مركبة وباعثة على اليأس من عدالة البشر ! يسألني في رسالة مؤثرة : هل تستطيع تفسير هذا السلوك المحير المبني على غدر ذوي القربي وموت ضمير من طلبت انا قيامه بالتحقيق ؟ هذا السؤال احالني الى ماض عميق واحداث متداخلة برز فيها الانسان بصفته المخلوق الاكثر استعدادا لقتل ضميره وبثمن بخس احيانا وهنا تكمن مأساة الخلق الانساني الفاسد والمفسد من دون كل المخلوقات في الارض!

وربما كانت قصة النبي يوسف من بين اول ما طرأ على بالي وانا اقرا رسالة ذلك المظلوم فاخوة يوسف ارادوا قتله غيرة منه وانجاه الله، ثم حاولت زليخة اتهامه بما ارادت هي القيام به ولكن الله انجاه مرة اخرى ! ولذلك كانت رسالتي الجوابية لذلك المظلوم خلاصتها : اصبر يا يوسف فالله لن يتركك لمن ماتت ضمائرهم فكل التلفيقات ضدك لاتنفع مع وجود قميصك الذي قد من دبر .

الاية القرأنية التي تصدرت المقال تصف وضعية يوسف عليه السلام عندما حاولت زليخة زوجة عزيز مصر اي ملكها جره الى فراشها ليمارس معها الجنس فرفض فامسكته وهو يهرب منها فتمزق قميصه وهنا دخل عزيز مصر ورأي مشهدا صادما ! عزيز مصر هو من تبنى يوسف عليه السلام منذ صغره ورباه في قصره وكانت زوجته زليخة مشهورة بجمالها فاتهمت يوسف بانه حاول اغتصابها ! وعندما رأى الزوج أن قميص يوسف قد (قـُدَّ من دُبـُرٍ) أيقن أن زوجته زليخا هي الخائنة. لقد كذبت زليخة واتهمت يوسف بما ارادت هي القيام به لكن الدليل الحاسم كان متوفرا وهو ان قميص يوسف تمزق من دبر فهي كاذبة بالدليل المادي وزوجها اول من اكتشف كذبها ،ولان عزيز مصر كان حي الضمير ويمقت التلفيق ،خرج يوسف بريئا من تهمة الاعتداء على زوجته وادانها رغم انها كانت الاغلى لديه . وهكذا خلد القرأن عزيز مصر لعدله .

ويوسف قبلها تعرض لغدر اخوته من شدة غيرتهم منه فالقوه في الجب ،اي البئر المطوية، لكن الله انجاه ،اسئلة : كم زليخة موجودة في عالمنا تلفق وتدبر المكائد ؟ وكم يوسف تعرض للاتهام الباطل ووجد فرصة تكشف انه مظلوم ؟ وكم يوسف في عالمنا لم ينصف وبقي مظلوما ؟

يقينا عالمنا يقتل الادلة التي تثبت براءة كل يوسف يتعرض للاتهامات الباطلة ويخفيها ويعمل على محوها وبدلا منها يقوم بتلفيق ادلة كاذبة لاثبات ان يوسف فعلا حاول مضاجعة زليخة وعندما يعين عشرات المحامين للدفاع عنه يكتشف في نهاية التحقيق او المحاكمة بان محاموه كانوا اول من تأمر عليه مقابل رشا ! فجعلوا الضحية جلاد والجلاد ضحية ! ولهذا فسمعة المحامين في امريكا هي الاسوء وتقترن بالحقارة ، وانا وعائلتي كنا ضحية محام فاسد وكلناه للدفاع عنا لكنه دعم خصمنا مقابل رشا ! عالمنا ظالم ومظلم لان من يسود فيه يتعمد جعل الناس على شاكلته : غائصون في مستنقعات الشر والرذيلة ونبعهما وسنامهما الكذب . والمستهدف الاول من قبل الكذاب هو حامل النور لانه يفضح الوجوه الشيطانية والتي ارتدت قناع طفل بريء .

ولئن كان ظلم امريكا والصهيونية ومكملتهما اسرائيل الشرقية قاسيا جدا فان هذا النوع من الظلم وقعه اخف بكثير من وقع ظلم ذوي القربى كاخوة يوسف فكيف يصدق او يتخيل الاخ ان شقيقه او رفيقه الذي لايكف عن مخاطبته ب ( حبيب قلبي) يمكن ان يرميه بسهم يصيب قلب الثقة ويدمرها الى الابد ويفتح جروحا لا تندمل حتى لو توقف نزيف دمها ؟

هنا تكمن صدمة الضحية المدمرة والتدمير هنا ليس سببه الجرح والسم المزروق في جسده بل صدمة اكتشاف ان من كان يخاطبه ب(حبيب قلبي) هو قاتله وانه استخدم الكذب وسيلة لطمأنته ! انه ينزف الما اكثر مما ينزف دما وهو يرى الضمير منحورا من الوريد الى الوريد في رقبة بعض اخوته ورفاقه وليس اعداءه فيرمون يوسف في الجب! نحر الضمير قبل ممارسة التلفيق والكذب هو مقدمة حتمية تسبق طقوس النحر ،ولهذا بقي التساؤل التالي الفيات وقرون يتردد صداه بين الجبال وداخل جماجم الابرياء ويتلألأ في حدقات اطفال الضحايا الذين قتلهم التلفيق ولم يجدوا من ينصفهم او يكشف براءتهم كما حصل ليوسف : لم يكذب الانسان ؟

مادام عصرنا هو عصر الفساد الاعظم في التاريخ البشري كله فعلينا توقع كل انواع الغدر ،وما دامت المخابرات لا تجمع المعلومات فقط بل ايضا تلفق الاكاذيب للقضاء على من تريده فان الغدر من اقرب الناس اليك متوقع فقد يكون هؤلاء مجندين لهذا الغرض ! والتلفيقات التي كان صانعها ينبذ ويحتقر ماضيا الان يكافأ الملفق برفع موقعه وزيادة ماله بينما تجتث عندما تقول الصدق ! لاول مرة في التاريخ الانساني تتولى دولة عظمى ومعها دول اصغر عملية افساد العالم وفقا لخطط موضوعة سلفا ، انظروا لسجل امريكا الوسخ في التلفيق :كلنتون كذب وهو تحت القسم في قضية لوينسكي الجنسية واعيد انتخابه وزادت شعبيته ! وقبله نيكسون كذب بانكاره التنصت على مبنى ووتر جيت التابع للحزب الديمقراطي فاقصي لان امريكا كانت تعد العدة لعصر تتويج الكذابين ملوكا ، وبعدهما رأينا بوش الصغير يتفوق على كل الملفقين في عصرنا ووصلت اكاذيبه حسب المصادر الامريكية حول العراق فقط اكثر من مائة كذبة ، ومع ذلك زادت شعبيته اضعافا مضاعفة ! واوباما الذي لفق الاحترام للملك عبدالله ملك السعودية ووصل به التلفيق حد تقبيل يده في اول لقاء بينهما وهو يمثل دور الخاشع لكنه اظهر حقيقته لاحقا بتوفير الدعم المطلق لاسرائيل الشرقية لانقاذها بارسال 120 مليار دولار لها بطائرة خاصة لمنع انهيارها الاقتصادي بينما كان في الظاهر يهاجمها وكل ذلك فعله ضد السعودية والملك عبدالله الذي قبل يده !

امريكا بدل معاقبة الكذابين والمزورين قدمت لهم مكافأت اعادة الانتخاب في تأكيد واضح لزيادة انحدار القيم الاخلاقية والانسانية في امريكا . اما لو نظرنا الى شرقنا لرأينا ملفق الكذب تحت غطاء التقية هو الفارسي الحاقد من الامبراطور كورش مدمر بابل الذي لفق ادعاء انه يحرر اليهود من الاسر البابلي بينما كان هدفه هو تدمير بابل ونهبها ، الى خميني ملفق شعار (نشر الثورة الاسلامية) في العراق وغيره بينما كان هدفه الحقيقي هو نهب ثروات ومياه العراق وابادة ملايينه وتغيير بنيته السكانية !

في عالم الفساد المنظم نرى بكل وضوح ان الحادلة الاقوى له والتي يستخدمها لتعبيد طرق افساده وازالة المعوقات منها هي التلفيق وهو اعلى مراحل الكذب واشدها فتكا بالحقيقة ، ولكن خطر التلفيق يصبح مميتا عندما يدس في صفوف الاخيار ،فما ان يجد ابليس بينهم عبر شياطينه من يسقط في فخاخه الكثيرة حتى تبدأ مسيرة جنود الرحمن بالتخلخل وتلك هي بداية تخريب ابليس في عالم الرحمن .

الكذب ابو وام كل الرذائل فما ان يقع لانسان في فخ الكذب حتى تبدأ رحلته النهائية نحو الانحطاط التام : فالشذوذ الجنسي تلفيق مسبق ،وخيانة الوطن مهدت لها عملية ممارسة الكذب على النفس لاقناعها بما هو مستحيل القبول ، والفساد هو الثمرة الاولى للكذب لانه عبارة عن خداع متواصل ! يكفي ان تكذب كي تضع قدمك الاولى على طريق الصد مارد طريق لاعودة منه ولا نجاة ، لهذا علينا ان ننظر لمن يكذب ويلفق على انه شر مطلق .اليوم يبدو لطيفا لغته حبية وابتسامته تلقاك وانت مهموم فتتلاشى تقاسيم الحزن من وجهك وانت تظن ان الراحة وصلت بقاطرات محبك الذي لايكف عن ترديد (حبيب قلبي) لكنك تصدم بانه كان يخفي خنجر ابو لؤلؤة المجوسي في تلافيف ابتسامته فيخرجه فيطعنك في بؤبؤ العين وانت تستقبله بمحبة صادقة فيبرق لسيده حسن الصباح ليبلغه باكمال المهمة !

تعلمنا الدروس واهمها ضرورة الصمت اولا وترك الكذاب يواصل كذبه وتلفيقه كي يغرق بقرار منه في مستنقع الجيف والنتانة وعندها وعندما يغطس حتى شعر الرأس نقول للناس : تعالوا انظروا الى حالة من كان يرتدي ابتسامة النقاء لخداعنا وكيف صار بممارسته للكذب وحشا كاسرا لايعرف معنى الانسانية ولا الاخلاق بعد ان باع ضميره ، وعندها لانحتاج لاكثر من نظرة احتقار الى الكذاب .

الشهيد عزيز العراق طارق عزيز قال مرة في بيته في دعوة عشاء لمثقفين عرب : الكلاوجي يصنع الكلاوات ليضعها على راس غيره ولكن هناك كلاوجية اغبياء ما ان يكملوا صنع الكلاو حتى يضعوه هم على رؤوسهم ! وكلاوجية زماننا من الصنف الثاني فقد وضعوا كلاوهم فوق رؤوسهم والحمد لله الذي ينصف كل يوسف .(الكلاو كناية عن الخداع وهو نوع من القبعة )

قلت لمن اشتكى لي ظلم ذوي القربى :يا يوسف لحم الضحايا والابرياء مر وسوف يتقيأ دما من يحاول لوكه ولذلك اؤكد لك بان جنود ابليس سيعادون الى مستنقعاتهم التي خرجوا منها،فابتسم لان اخوة يوسف عراهم الله وانجى يوسف الطيب البريء ،وزليخة كشف الله فسادها وعزز ثقة عزيز مصر بيوسف بدل حرقه ،وهكذا هي الدنيا في عالم الرحمن تترك اولا الظالم يتمادى في استهتاره حتى تتكامل متطلبات الادانة الخالية من اي شك او تزوير .