رأي

هل حقق بوتين اهدافه وانسحب من سوريا؟

تتبادر الى اذهاننا مائة سبب لاعلان بويتن الانسحاب من سوريا دون سابق انذار، او كما اعتبره البعض مفاجئة بوتينية بالتمام والكمال، وكما فاجا العالم بمجيئه فاجئها بانسحابه ايضا، وربما يتخذ البعض ما يعتمده بوتين على انه صفة شخصية، وما يقدم عليه في اكثر الاحيان من مغامارت شخصية اعتاد عليها داخليا واليوم ينفذها خارجيا، وهكذا هو، فله شخصية خاصة ونظرة وسلوك وتصرف وسمات معينة لا يتسم بها غيره من القادة .
و لكن من الجدير بالاهتمام هنا، ان الجدية الدبلوماسية لا يمكن ان تتداخل فيها امور شخصية او اخلاقيات خاصة بقائد ما، وبالاخص لدولة كبيرة كروسيا التي كانت الند الاوحد لامريكا ولحد اليوم، ولها هيبتها التي تهابها امريكا قبل غيرها .
هل حقق بوتين ما جاء من اجله من تحقيق اهدافه الخاصة اي ما يقع لمصلحة بلده قبل ان يدعي مصلحة سوريا او مستقبلها، كي ينسحب من سوريا بعده . اننا يجب ان نعلم جيدا، ان الامر توقف على مصير وقوة وهيبة روسيا، فيما تكون عليه لو سقطت دمشق وما تبقى عليه بعد مجيء روسيا، والحفاظ على اسد كاهم التوابع لروسيا، والدوافع الهامة  لضرورة بقاءه هو قبل اي احد اخر، هي وحليفها ايران وما تفعلانها وما يهمهما ومحورهما في تحقيق ما تريدانه في المنطقة .
يجب ان لا ننسى، بعد مجيء بوتين ابعد الانظار عن ماجرى قرب باب بيته من الخلافات حول القضايا الحساسة  لما يدور حول بلده ودورها في الفوضى التي حصلت هناك، سواء في اوكرانيا او القرم او الجيجان وغير ذلك من المناطق الساخنة، وعلاقاته مع تركيا ودول المنطقة وكيف وصلت الحال في سوريا الى ما رجحت الكفة لصالح من كان على الضفة الاخرى والمساند لما هو الضدمن  مصالح روسيا، عدا ابعاد الشر الاتي من مقاتلي الجيجان وحصرهم  في منطقة بعيدة ومنع عودتهم .
كان سقوط دمشق والنظام السوري قاب قوسين او ادنى في اللحظة التي وصلت روسيا وانقذته، ومعوصولها غيرت المعادلات التي كانت تسير نحو سيطرة الفكر التكفيري والقوى الظلامية ومن ورائهم، وهذا ما كان تؤيده امريكا لامور خاصة بها ومن مصلحتها. وان كان مجيء روسيا بتحفظ امريكي الا ان امريكا كانت لم تحبذ تغيير بعض التوجهات بالشكل الذي وصلت اليه المنطقة بينما فرضت الضرورة ان تزعج بخطوات ضرورية التي اتخذتها اقرب الحلفاء اليها مثل السعودية  وبعض دول الخليج الاخرى .
من جهة اخرى، مجيء روسيا اوقف مغامرات تركيا عند حدها ولولا حركة بوتين لاصبحت تركيا في موقع اصبحت اكثر غرورا، وهذا ما لا يقبل به بوتين وبلده، حيث لا يمكن ان يدع دولة عضو في حلف الناتو ان تكون بديلا لامريكا وان تقف عند طريق روسيا وتسد عليها بعض توجهاتها وما يهمها . واوصلت الحال الى ما رايناها من التضاد والتناقض الاكبر في خطوات امركيا وتركيا وبين ما توجهت اليه تركيا التي لم تتفق لاول مرة مع نظرة امريكا في المنطقة، عدا تحرير العراق من ربق الدكتاتورية، وخفف بوتين من اهمية تركيا في المنطقة كثيرا وخرز في تركيبة الحلف الاطلسي  خلافا ظاهرا .
اما المحاولة الحثيثة لبقاء التوازن والثقل لكل دولة في هذه المنطقة على هذا الشكل واعادة المسار ومعها العودة بالمعادلات الى الشكل الذي لم بضر بروسيا، كان من اهم اسباب مجيء روسيا كما ذكرنا في مقالات عدة سابقة .
السؤال الاهم، هل حقق بوتين اهدافه ام الضغوطات الكبيرة التي اوقعت نفسه بها جعلته يتسرع في العودة دون تحقيق كامل الاهداف وهي ما فرضت عليه ان يدير وجهه من نصف الطريق؟ نقول انه حقق نسبة مقنعة له في عمليته الخاصة وسحب امريكا الى خط التوافق معه حول سوريا بدل ان تكون موازية مع دول ذات توجهات متطرفة كالسعودية ايضا . ابقى بوتين على منطقة حساسة ومهمة وممتنعة من الدخول فيها من قبل اية جهة يديرها الاسد من جهة، وهو يتحمل الكلفة بينما انسحب بوتين والبديل لا يختلف عن وجوده وبكلفة يتحملها صاحب الارض من جهة اخرى .
هل توافق بوتين واوباما حول ما جرى ؟ ام ما يدور في غرف المخابرات المظلمة يحدد الخطوات، وبويتن من ولادة تلك الغرف ايضا كما نعلم .
سيكون بوتين الان اكثر ارتياحا من مرحلة وجوده في سوريا من عدة جوانب، منها اقتصادية مكلفة وثقيلة على بلده، وسياسية وهو الهدف الذي اعاد به ما كان عليه التوازن لصالحه وهو يهدف اليه في المقام الاول . ولم يتكلم احد عن المشاكل التي صدعت راسه ولم يتمكن من الخروج منه في بيته، فبمجيئه قفز على بحر المشاكل المتراكمة في حدوده .
اذن، مجيء بوتين حقق اهدافه الخاصة وما يهم بلده، وانسحابه يحقق اهدافه بتخفيف الضغوطات عليه من كافة الجوانب، ولم يترك المنطقة كما كانت قبل مجيئه كما يعلم الجميع واعاد الهيبة الى بلده ايضا، ولا يمكن لاحد ان يستهزا من قوة وثقل روسيا السياسية العسكرية والاقتصادية، وبامكانها ان تفعل ما يغير من مسار الاحداث وتقدمت خطوة لان تكون على راس القطب او المحور الاساسي امام محور امريكا وتوابعها . اي حقق اهداف عامة تهمه هو وبلده ولا يمكن ان يضحي اكثر من اجل اهداف الاخرين، وهذا لا تقبله السياسة في اي مكان ان تضحي باولادك من اجل اولاد الاخرين . علاوة على انها لم تنسحب بشكل كامل وابقت على قوة يمكن ان يفعل بها ما يشاء لكونها خاصة واستراتيجية وسريعة الحركة وضرورية لما يجري في المنطقة .
اذن جاء بوتين بقوة وانسحب بشكل مفاجي للاخرين، ولكنه حقق ما اراد وهو ما كان ينويه، وانسحب بسمعة وقوة واعتبار اكثر، لانه لم ينسحب بامر من احد بل بحريته وبقراره الخاص، لا بل اصبح قراره مفاجئا وكانه طُلب منه المجيء من قبل الامم المتحدة، وكان تدخله كان قانونيا، وعاد دون ان يتكلم احد عن امر مجيئه قانونيا لانه اعتمد على النظام الرسمي القائم في سوريا لحد اليوم، على العكس من امريكا التي جاءت بقوة غاشمة غير مستندة على اي قانون او قرار او بطلب اية دولة وانسحبت مضطرة بعد فشل ذريع من تثبيت نفسها اوتحقيق اهدافها بشكل كامل لحد اليوم من اسقاطه للدكتاتورية في العراق. وهكذا يتوضح ليننا ان انسحاب بوتين لم يغير من امر سوريا شيء وما فعله اصبح في موقف انسحابه القوة هو مساوي لوجودها، لانه احدث تغييرا كثيرا بحيث امّن ما كان يريد ان يؤمنه قبل انسحابه .