رأي

علاقة الجيش بالسياسة في الجزائر – تطورهذه العلاقة منذ1962 إلى اليوم

بروفيسور رابح لونيسي
ـــــــــــــــ

عادة مايعود النقاش في الجزائر حول دور الجيش وتأثيره في السياسة وفي صناعة الرؤساء والقرارات الكبرى في البلاد، فكلما طرحت هذه المسألة، تصر قيادة الجيش على تكذيب ذلك، وبأنه يقوم ويعمل في إطار المهام التي يقرها الدستور وملتزم بها، وهي حماية التراب الوطني والحفاظ على الوحدة الوطنية، وأنه يعمل تحت إمرة رئيس الدولة عبدالعزيز بوتفليقة المنتخب شعبيا، وبصفته أيضا القائد الأعلى للقوات المسلحة، فكم من مرة رد الجيش سواء عن طريق لسان حاله مجلة “الجيش” أو من نائب زير الدفاع الوطني وقائد أركان الجيش الوطني الشعبي قايد صالح على كل من يطالب الجيش بالتدخل في الصراع السياسي الذي أوصل البلاد إلى مأزق، وقد فعل الجيش ذلك مع محمد مشاطي أحد أعضاء 22 الذين كانوا وراء إشعال فتيل ثورة نوفمبر ضد الإستعمار الفرنسي في1954، وكذلك مع نورالدين بوكروح وغيرهم، وآخرها كان الرد الحاسم من قايد صالح على مطالبة رئيس حركة مجتمع السلم (حمس) عبدالرزاق مقري بمرافقة الجيش لعملية إنتقال ديمقراطي تتم بواسطة مبادرة طرحها الحزب سماها “التوافق الوطني”، وهي مأخوذة أصلا من فكرة “إعادة بناء الإجماع الوطني” التي ما فتيء يطرحها حزب جبهة القوى الإشتراكية (الأفافاس) منذ مؤتمره في 2013، وعادة ماقوبلت كل هذه المبادرات بالرفض من السلطة التي ترفض فكرة إنتقال ديمقراطي أو الحديث عن شرعية الرئيس بوتفليقة، فقد حاول مقري في مبادرته الإلتواء على فكرة الإنتقال الديمقراطي بالحديث عن رئيس توافقي يتم إنتخابه في إطار الأجال الدستورية للإنتخابات الرئاسية.
لم نعرف ردا قويا على أي دعوة للجيش مثلما رأيناها مع مبادرة عبدالرزاق مقري أين كان قايد صالح واضحا وصارما، ولم يكتف بالتلميح، فطالب من السياسيين في الجزائر عدم إدخال الجيش وتوريطه في السياسة وفي صراعاتهم أو تحميل فشلهم عليه.
ان هذا الحدث يدفعنا مرة أخرى إلى طرح مسألة علاقة الجيش بالسياسة في الجزائر، وسنشرع منذ اليوم بنشر سلسلة مقالات حول هذا الموضوع الشائك، نجيب فيها عن عدة إشكاليات ومنها:
– ماحقيقة تأثير الجيش في القرار السياسي الجزائري؟
– ماهي الجذور التاريخية وتطورات علاقة الجيش بالسياسة في الجزائر؟
– ما مستقل هذه العلاقة، خاصة بعد بروز قوى أخرى وجديدة مؤثرة على صناعة القرار وعلى رأسها الأوليغارشية المالية التي تتغلغل في دواليب الدولة بقوة؟

يرى أغلب الباحثين والمتتبعين لشؤون الجزائر السياسية، خاصة أثناء الأزمة التي عرفتها في التسعينيات من القرن العشرين، بأن للمؤسسة العسكرية الدور الرئيسي في صناعة القرار الجزائري، وأنها كانت تتدخل بشكل كبير في الحقل السياسي، ولا يتحفظ الكثير من هؤلاء المتتبعين على وصف النظام الجزائري بالعسكري، بالرغم من أن قادة الجيش الجزائري قلما يدلون بتصريحات ذات طابع سياسي، أو نلاحظ أنهم فعلا هم أصحاب القرار، بل يمكن لنا القول إن المؤسسة العسكرية هي مؤسسة صامتة، إلا أن الكثير من أصحاب هذا الطرح يتحدثون عن صناع القرار في الجزائر، ويقولون بوجود سلطة فعلية تتحكم في الواجهة السياسية، إشارة منهم إلى المؤسسة العسكرية، دون أن يستطيع أي أحد منهم أن يحدد بدقة فيما تتمثل هذه السلطة الفعلية، فهل هم كل القادة الكبار في الجيش؟، أم هي قيادة الأركان؟، أم هي مؤسسة الأمن العسكري أي مديرية الإستعلامات والأمن التي أصبحت تحمل اليوم مديرية المصالح الأمنية تحت قيادة بشير طرطاق وملحقة برئاسة الجمهورية؟، لكن علينا أن نشير إلى أن البعض يقصدون مديرية الإستعلامات والأمن، أو ما كانت تسمى في فترة ما بجهاز الأمن العسكري أو المخابرات، ويقول هؤلاء بأن هذا الجهاز شبيه بتنظيم سياسي متغلغل داخل الأحزاب ومختلف مؤسسات الدولة وفي وسائل الإعلام، وهي التي توجه كل هذه المؤسسات.
إن عدم التحديد الدقيق لهوية هؤلاء العسكريين الذين يشكلون السلطة الفعلية، أو بعبارة أخرى الذين يحكمون وراء الستار، قد أدى إلى زرع نوع من الغموض حول قوة خفية تحكم الجزائر، وتتشكل من قوى عسكرية لا نعلم من هي بالضبط، ويشبه هذا الأمر تقريبا نفس الأطروحة التي تتردد كثيرا في عدد من البلدان، ومنها الجزائر، أين يتم تحميل الفشل والعجز الداخلي في تحقيق العدالة والتنمية إلى قوى الإستعمار والأمبريالية في فترة من الفترات، أفلا يمكن لنا أن نفسر هذا التضخيم المهول لدور الجيش في الحقل السياسي الجزائري، بأنه محاولة من سياسيين فاشلين تحميل فشلهم هذا للجيش بعد ما اهترأت أسطوانة الأمبريالية والإستعمار؟، ثم أفلا يمكن أن يقول البعض، أن هذا التهويل يعود إلى محاولات قوى خارجية، تعمل من أجل إضعاف الجزائر، فكان عليها أن تضعف المؤسسة العسكرية الجزائرية، بصفتها المؤسسة الأكثر تنظيما وإنضباطا ؟، ويمكن لأصحاب هذا الرأي الدفاع عن طرحهم بالقول أن المؤسسة العسكرية هي المؤسسة الوحيدة التي بقيت صامدة بعد ما أنهارت أغلب مؤسسات الدولة الجزائرية في بداية التسعينيات من القرن الماضي، وأن المؤسسة العسكرية في الجزائر، تشكل العمود الفقري للدولة الوطنية الجزائرية، والحجر الأساس الذي ترتكز عليه هذه الدولة، وأن أي سقوط أو إضعاف لهذا العمود معناه إنهيار هذه الدولة .
يدفعنا هذا كله إلى طرح سؤال محدد: لماذا اكتسبت المؤسسة العسكرية في الجزائر المعاصرة هذا الدور؟ فهل يعود ذلك إلى ضعف المؤسسات السياسية والسياسيين؟، فإن كان كذلك، فماهي أسباب ضعف هؤلاء السياسيين أمام العسكريين؟، فهل يعود إلى طغيان المؤسسة العسكرية أم إلى أسباب أخرى؟، وللإجابة على ذلك نتتبع جذور وظروف نشأة الدولة الوطنية في الجزائر، مع تحليل دور كل من العسكريين والسياسيين في هذه النشأة والعلاقة بينهما، لكن قبل ذلك كله سنتطرق إلى السند الذي يعتمده القائلون بأن المؤسسة العسكرية هي صاحبة القرار في الجزائر، كي نعرف إلى أي مدى يصح هذا الطرح ؟ .
لا تختلف الجزائر عن باقي دول العالم بما فيها الدول الغربية في إعطاء دور للجيش في صناعة القرار، وبشكل أخص أجهزة الأمن والمخابرات، فلا يمكن أن ينفي أي كان التأثير الذي تلعبه المخابرات المركزية الأمريكية في صناعة القرار الأمريكي، إلى جانب عناصر وقوى أخرى طبعا، وعلى رأسها مختلف اللوبيات، ومنها اللوبيات المالية، لكننا لا نجد أحدا يؤاخذ الأمريكيين على ذلك، ومن السهل علينا أن نفسر ذلك بتحكم الغرب في صناعة الرأي العام، وقدرة إعلامه على توجيه الإهتمام إلى قضايا معينة دون أخرى، وإنسياقنا نحن وراء ذلك دون شعور منا في الكثير من الأحيان، وما نريد قوله من خلال ذلك، هو أن للجيش بشكل عام، وأجهزة المخابرات بشكل خاص، تأثير في صناعة قرارات دول العالم كلها، إلا أن نسبة وشكل هذا الدور، يختلف من دولة إلى أخرى، ويعود ذلك في غالب الأحيان إلى ظروف نشأة تلك الدول وعمرها الزمني، لأنه عادة ما تحتكر القرار العناصر أو القوى، التي كانت وراء ميلاد الدولة ونظامها، خاصة في السنوات الأولى لقيام الدولة ونظامها، لكن بمرور الزمن، تبدأ قوى أخرى في الظهور والبروز، فينمو دور هذه القوى الجديدة في التأثير في صناعة القرار.
وهو ما ينطبق على جزائر اليوم مقارنة بفترة الستينيات أو السبعينيات من القرن الماضي، فقد برزت اليوم قوى سياسية واجتماعية واقتصادية وحتى ثقافية، تلعب دورا بارزا في صناعة القرار الجزائري، إلى جانب المؤسسة العسكرية التي بدأ تأثيرها يتراجع بإنسحاب وتقاعد القيادات العسكرية التي شاركت في الثورة التحريرية، وصعود قيادات شابة خريجة المدارس العسكرية الجزائرية بعد استرجاع الإستقلال، بل الكثير من ضباط وإطارات الجيش الجزائري اليوم تلقوا تعليما راقيا ورفيعا في كبرى المدارس العالمية، وفي أكبر الدول الديمقراطية التي بالتأكيد تكون تأثرت بنماذجها، ولهذا نجد هذه القيادات والإطارات بعيدة نوعا ما عن الحقل السياسي، وتتميز بالإحترافية، فهي تشبه في ذلك إلى حد ما القيادات العسكرية في الدول الديمقراطية، وهو ما يثبت طرحنا القائل، إنه كلما امتد العمر الزمني للدولة، يتم تراجع تأثير القوى التي كانت وراء نشأة الدولة ونظامها، بل يمكن لنا أن نذهب أبعد من ذلك، بالنسبة للجزائر، وهو أن تدخل مؤسسة الجيش في إيقاف المسار الإنتخابي عام 1992مثلا، لم يكن نتيجة تأثير القيادات العسكرية فقط بقدر ما كان أيضا تحت تأثير قوى سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية، ومهما كانت مصالح بعض الأطراف إلا أن العنصر الحاسم في هذا القرار هو الحفاظ على الدولة الجزائرية ووحدتها بفعل الإنقسام الأيديولوجي الحاد الذي وقعت فيه الجزائر، وبروز بوادر حرب أهلية، بإمكانها أن تمتد إلى داخل المؤسسة العسكرية التي ينتمي عناصرها إلى عامة الشعب الجزائري، والتي تتأثر بما يحدث في صفوف الشعب، إلا أن هذه العناصر العسكرية تتميز عن عامة الشعب، بإنظباطها الكبير، وشعورها بمسؤولية الحفاظ على وحدة وإنسجام الدولة والأمة.
إن طرحنا هذا ليس معناه أننا ننفي تدخل المؤسسة العسكرية في الحقل السياسي الجزائري، بل نحاول فقط التخفيف من التهويل والتضخيم الإعلامي لهذا التدخل، ونضعه في إطاره الطبيعي المرتبط بظروف نشأة الدولة الوطنية الجزائرية وتطورها ، ونشير إلى أن هناك العديد من الشواهد في جزائر الإستقلال، يمكن أن يستند عليها المبالغون في هذا التدخل، ومنها مثلا القول بأن وصول بن بلة إلى السلطة عام 1962، ما كان ليتم لولا تحالفه مع جيش الحدود وقيادة الأركان العامة بقيادة هواري بومدين، وحتى إنقلاب هذا الأخير على بن بلة عام1965، كان سببه الرئيسي هو محاولة بن بلة إنشاء ميليشيات عسكرية تابعة لحزب جبهة التحرير الوطني، بالإضافة إلى مخابرات تابعة له، مقابل سعيه لإضعاف مؤسسة الجيش بقيادة بومدين التي أصبحت تتحكم في الرئيس .

يجمع المتتبعون والمؤرخون أن جيش ما وراء الحدود بقيادة هواري بومدين هو الذي أوصل بن بلة إلى الرئاسة في 1962، والذي يعد إنقلابا على المؤسسات الشرعية للثورة، وعلى رأسها الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية المنبثقة عن المجلس الوطني للثورة، وبعد ما أنقلب بومدين على بن بلة في 1965 قال عبارة شهيرة للصحفي المصري لطفي الخولي “أن الدبابة التي وضعته في الحكم هي التي أخذته منه”، وقد توطد الحكم العسكري أكثر في عهد بومدين، وتحول السياسيون إلى مجرد موظفين لدى العسكريين، ولعل الإستقرار الذي عرفته الجزائر في هذه الفترة، يعود أساسا إلى أن بومدين جمع بين السلطتين العسكرية والسياسية وركزهما في يده، وقد وضحنا بالتفصيل في كتابنا “الجزائر في دوامة الصراع بين العسكريين والسياسيين” مظاهر وأدلة إختفاء الصراع بين الطرفين، فبومدين كان يجسد السلطتين العسكرية والسياسية، خاصة وأن بومدين قد جمد جهاز جبهة التحرير الوطني كليا، وحوله إلى مجرد جهاز يحشد الدعم، ويقوم بالدعاية ويقدم التبريرات لسياساته، ليعطي لها الشرعية، فقد عبر المؤرخ محمد حربي أحسن تعبير عن ذلك، عندما قال “إن بومدين قد حول الحزب إلى باخرة راسية لا يجب لها أن تتحرك كما لا يجب عليها أن تغرق”، وتفاقم في هذه الفترة ضعف السياسيين مقارنة بالعسكريين، مما كان له تأثير كبير على كفاءة الممارسة السياسية، وترسخت في السياسي ذهنية إنتظار إشارة العسكري، مما أثر سلبا فيما بعد على العمل السياسي كله في الجزائر، وهذه الذهنية لازالت سائدة إلى حد اليوم لدى الكثير من السياسيين سواء في السلطة أو في المعارضة، والذين لم يتخلصوا من هذه الذهنية لعدم قدرتهم على القراءة السليمة للتطورات الكبيرة التي حصلت داخل المؤسسة العسكرية وتركيبتها البشرية، خاصة في السنوات الأخيرة، فبقي هؤلاء السياسيين يتحسسون موقف المؤسسة العسكرية من أي قضية لينساقوا وراءها، كما نجد اليوم البعض من السياسيين قد أدركوا مدى القوة والصلاحيات الواسعة جدا التي أكتسبتها مؤسسة الرئاسة بقيادة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في السنوات الأخيرة مقارنة بالمؤسسات الأخرى، ومنها المؤسسة العسكرية، فأصبح هؤلاء السياسيين يتحسسون موقف الرئيس أكثر للإنسياق وراءه، ونشير إلى أن كلا الصنفين من هؤلاء السياسيين تحركهم الإنتهازية والوصولية.
عندما توفي الرئيس هواري بومدين عام 1978، تدخل الجيش في تعيين الرئيس الشاذلي بن جديد وإبعاد كل من محمد الصالح يحياوي وعبدالعزيز بوتفليقة المرشحين القويين لخلافة الرئيس بومدين، وقد لعب المقدم قاصدي مرباح المسؤول الأول على جهاز الأمن العسكري، أي جهاز المخابرات، الدور الرئيسي في هذا التعيين، لكن في نفس الوقت تزايدت قوة حزب جبهة التحرير الوطني بعد مؤتمرها الرابع، أين كان من المفروض أن يكون هو صاحب القرار في تعيين الرئيس، لكن أمام قوة نفوذ الجيش، تحول هذا الحزب الوحيد في البلاد إلى مجرد مزكي لمن عينه الجيش، لكن رغم ذلك أصبح الحزب قويا، لتعرف الجزائر في بداية الثمانينيات من القرن الماضي صراعا خفيا بين مؤسستي الجيش والحزب الذي كان على رأسه الرجل القوي محمد الصالح يحياوي، وانتهى هذا الصراع بإنقضاض الجيش مرة أخرى على الحزب الذي أراد أن يستقل ويصبح له دور في صناعة القرار، فتم إحداث تغيير في قانونه الأساسي بمناورة من العسكريين، أين تم تخويل الأمين العام للحزب، وهو في نفس الوقت رئيس الجمهورية والقائد الأعلى للقوات المسلحة صلاحيات واسعة، إن لم نقل السلطة المطلقة على الحزب، وبذلك عاد الجيش للتحكم من جديد في جهاز الحزب بواسطة الرئيس بن جديد الذي عينه الجيش .

يبدو لنا في الظاهر أثناء فترة حكم الرئيس الشاذلي بن جديد، بأن هذا الأخير كان يتحكم فعلا في المؤسسة العسكرية في الثمانينيات، بل يمكن للبعض القول إن بن جديد أبعد الجيش على الأقل ظاهريا عن التأثير الكبير في صناعة القرار آنذاك، ولم يعد الجيش إلى الساحة وبقوة إلا أثناء الأزمة التي دخلت فيها الجزائر بعد أحداث أكتوبر 1988، وكان هذا التدخل يتزايد كلما اشتدت الأزمة العامة في البلاد، ليبلغ أوجه في نهاية عام 1991، وذلك بعد فوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الدور الأول من الإنتخابات التشريعية التي جرت يوم 26 ديسمبر1991، فكان للجيش دورا رئيسيا في إيقاف المسار الإنتخابي، والمجيء بمحمد بوضياف إلى سدة الحكم، فأصبحت قيادة المؤسسة العسكرية هي التي تصنع الحكام إلى درجة أن صرح رئيس الحكومة بلعيد عبدالسلام علانية بذلك في إحدى خطبه، وكان ذلك في لحظة غضب على بعض اللوبيات الإقتصادية والإعلامية التي دخل في صراع معها وتطالبه بالإستقالة، فقال بصريح العبارة في أن الجيش هو الذي أتى به، وأنه باق، إلا إذا أراد الجيش غير ذلك، فكان هذا الإعتراف أحد أسباب إقالته فيما بعد .
نعتقد أن تدخل الجيش في هذه الفترة، يعود إلى الظروف الصعبة التي كانت تعيشها الجزائر، وللدور الكبير الذي أنيط بالجيش في محاربة الإرهاب والحفاظ على كيان الدولة، ويبدو لنا أن الأمر طبيعي في ظروف كهذه، وهو نفس الأمر الذي يمكن أن يقع لأي دولة مهما كانت قوتها، فمثلا ألم يكن للجيش الفرنسي الكلمة الأخيرة أثناء حربه في الجزائر مابين 1954 و1962؟، أفلم يأت الجيش الفرنسي بديغول إلى الحكم عام 1958؟، وأصبح يتدخل في كل صغيرة وكبيرة، ويعرقل سياسات ديغول عندما أراد أن يخرج عن طوعهم وتنفيذ المهمة التي كلفوه بها، لكن ولحسن حظ فرنسا، أن ديغول كان ذكيا ومناورا، فاستطاع أن يعيد الجيش إلى الثكنات، ليتكفل فقط بوظيفته العسكرية المنوطة به.
ولايمكن لأي ملاحظ موضوعي بالنسبة لحالة الجزائر أن ينفي أنه بمجرد إنخفاض وتيرة الإرهاب في الجزائر منذ نهاية تسعينيات القرن الماضي، لم يعد الجيش يتدخل بشكل كبير في الشؤون السياسية، رغم مبالغة البعض في الحديث عن هذا التدخل، بل بدأ الجيش في الشروع في الإحترافية والإبتعاد قدر الإمكان عن السياسة، لأنه اكتوى بنار التسعينيات التي دفع فيها ثمنا باهظا في عدة مجالات، بداية من الأرواح والإشتغال بمكافحة الإرهاب، بدل تطوير قدراته القتالية على خوض الحروب الكلاسيكية، فأصبح الجيش اليوم يتدارك التأثيرات السلبية لهذه السنوات الحمراء، ولايمكن لنا فهم وقراءة ردود نائب وزير الدفاع وقائد الأركان العامة قايد صالح الأخيرة على مقري وغيره وكل مطالب من الجيش بالتدخل إلا في هذا الإطار الذي وضحناه الآن.
يتبين لنا مما سبق أنه كان للمؤسسة العسكرية في الجزائر تأثير كبير في الحقل السياسي في العقدين الأولين من عمر الدولة، ثم تراجع هذا التأثير نسبيا، ليعود بقوة أثناء فترة التسعينيات لأسباب خاصة أشرنا إليها سابقا، ليبدأ في العودة من جديد إلى مهامه الأصلية أو الدستورية، بل الدخول في الإحترافية وترك السياسة للسياسيين، ونعتقد انه بدلا من التركيز على دور الجيش فإنه يجب الإنتباه إلى قوة أوليغارشيا مالية بدأت تستولي على دواليب الدولة شيئا فشيئا، ووصلت إلى حد إقالة الوزير الأول محمد تبون، وهي المسؤولة عن قوانين الميزانية المجحفة في حق البسطاء من الشعب، ولانستبعد أن يلجأ هؤلاء البسطاء إلى المؤسسة العسكرية لإنقاذهم من براثن هذه الأوليغارشيا المالية المتطفلة والمرتبطة مصالحها بقوى رأسمالية خارجية، ومنها باريس، فلأصحاب المال اليوم التأثير الأكبر في صناعة سياسة البلاد، ولانستبعد أن تصبح القوة المالية في الجزائر هي القوة الرئيسية في صناعة الرؤساء في المستقبل، أما المؤسسة العسكرية فلم يبق لها إلا دورها الطبيعي بصفتها مؤسسة من مؤسسات الدولة، وكلما قويت المؤسسات السياسية عادت المؤسسة العسكرية إلى طبيعتها ، ويحدث العكس في حالة ضعف هذه المؤسسات .
بعد تطرقنا إلى كل هذه المراحل التي مرت بها المؤسسة العسكرية في الحقل السياسي، يجب علينا الآن أن نفسر، لماذا كان لها دور كبير في العقود الأولى من عمر الدولة ؟، ولماذا توكل إليها دائما مهمة إنقاذ الدولة والحفاظ عليها؟ .
وما دمنا قد سبق لنا أن ربطنا ذلك بالظروف التاريخية لنشأة الدولة، فما علينا إلا العودة إلى دور الجيش في هذه النشأة وعلاقته بالسياسيين، وبعبارة أخرى العودة إلى الجذور التاريخية لتفسير ظاهرة دور المؤسسة العسكرية في الحقل السياسي وصناعة القرار السياسي الجزائري .

يتبع

المقالة الثالثة: الجذور التاريخية لعلاقة الجيش بالسياسة

البروفسور رابح لونيسي