ثقافة

الاسترسال في لذة شعرية الأنا السحيقة

 

 

إلى أيّ مدى يمكن إحاطة قصيدة النثر بمفهوم أكثر حيادية وشمولية؟ يرقى بها كصنف زئبقيّ وعابر للأجناس ومدان أيضا، وجب انتشاله من شرك النعوت الحاقدة والسّجالات العقيمة المثبّطة والمنتقصة من أهمية وضرورة الحراك العقلي والعاطفي ضمن دوّامة عالمية لا تعترف البتّة بخلاف الدينامكية الحضارية والتجاوز والدمغة المستقبلية والتوغل أعمق ما يكون في جيوب الغيب.

بحيث يحصل الاستغناء التام عن الأنانيات المقيّدة بكلاسيكية الرؤية وعمى الماضوية المعيقة للتطور والتجدّد.

وبحيث يستأسد ما قد يسهم في اتّفاق القناعات مع كل ما من شأنه الدفع بقوة وحكمة باتجاه تفعيل ثقافة مجابهة لعشوائية سريان التوصيفات الرامية إلى الخدش أو النيل من سمعة هذا النوع التعبيري وليد اللحظة والحاجة والمحصّن بتزايد شعبيته على مرّ الأيام، على نحو يقتضي منا تبنّيه أكثر من أي وقت مضى،  بحزم وبوازع إنساني، والتمكين له من آفاق الترعرع في همّ لغة الضاد المشترك،  وبذل الجهود المضنية سعيا إلى درء الاتهامات والمزاعم الباطلة، عنه، باعتباره من زاوية شلتها أنأى ما تكون عن المصداقية والإنصاف، ووجهة نظر سطحية مقرّة بكونه مجرد موضة أو تقليد أو دخيل ينخر الخصوصية والهوية التعبيرية العربية الرصينة.

بحيث لا يقع اللوم على النّظم الخليلية إلا في حالة هيمنة النظم العاري والجاف بدعوى الإخلاص للوزن والقافية، وأعني الحالة التي لا تشفع لها رخصة الأرشفة المقبولة للمعارف العلمية أو الفلسفية أو الموروثات الشفهية أو بعض المحطات الملحمية والتاريخية الهامة بغرض الصيانة والحفظ وتسهيل ذلك على الذاكرة بغية تخزينه.

كما أنه لا عدول على الغريمة الأبدية،  قصيدة النثر، إلاّ استثناء وإزاء النصوص الفجة والركيكة الواقعة ضحية للاستسهال و اجتراح الخواطر العابرة والخالية بالمرة من الشعرية في التقاط المعنى من الشارع والهامش في نبضهما المستمر وفق شاكلة تدغدغ الذائقة وتنمّيها.

ولعلّ عصارة التجربة الرائقة للشاعرة القطرية سعاد الكواري، تستجيب لهذا المنطلق المفذلك له سالفا، مثلما تهمس به البؤر الضمنية للمختارات التالية:

“البابُ مرسومٌ بإتقانٍ

فأخرجُ من فناءِ الدارِ

أتركُ مهجـتي في الداخلِ

الأسماكُ ستنفحُ في صخورٍ مالحة

الخنجرُ المسمومُ مربوطٌ بكفِّ الصاعقة

وأنـــــــــــا أدسُّ السمَّ للجسدِ

المريضِ لكي أنـــــام

***

قد ينتهي هذا الصراع

عينانِ غامضتانِ تأخذني بعيداً

البحرُ يقويني

فأخلعُ غربتي

أهزُّ بابَ العدمِ

أرمي في سكونِ الكونِ ذاتي

ثمَّ أصرخُ عندمـــا

تعوي شعابٌ خائفة

ويضجُّ وسط الموجِ

تمثالٌ غريق

……………..

المرأةُ الفاتحةُ بيتها للريحِ

تُعدُّ الآن وليمةً كبرى

عند باب مقبرة أثرية

توزعُ أقراصَ الخبز على المارة

فتخرجُ أشباحُها كخيول تسابقُ غيمةً

المرأةُ الزئبقيةُ تعرفُ كيف تروضُ الزهورَ البرّيةَ

وتحنطُ الطيورَ بعينين متعبتين

أراها تربضُ عند النافذة ولا تراني

اسمعُها ولا تسمعني

***

لتكن الريحُ أولَ المسافرين ،  لن أسابقها

لتكن الليلةُ آخرَ ليلةٍ تذوبُ على جسدي

أو تتلاشى بهدوءٍ

سأمسحُ على وجهي بكفٍّ باردةٍ

وسأتابعُ حركاتِها البطيئةَ

امرأةٌ من الزئبقِ ملتصقةٌ بمرآتي

أراها ولا تراني ،  أسمعها ولا تسمعني

***

وراءَ الباب عائلةٌ من القطط

بحنانٍ فتحتُ البابَ ،  فهربتِ القططُ

هذا قميصي ،  فردةُ حذائي ،  مشطي ،  ساعتي الرمليةُ

علبةُ اكسسواراتي ،  أقلامي الجائعةُ .. ماذا أيضا ..؟؟

كيف انتقلت أشيائي إلى هنا ..؟؟

أسألُ الفراغَ الممتدَّ بيننا

وأهمسُ لها لكنها لا تسمعني

أحزمُ ظِلالَ الغيومِ وأعلقها على الجدرانِ

أحاولُ أن اكشفَ لغزاً كنت أتبعهُ على الدوامٍ

أحاولُ أن اكشفَ لغزَها فاكتشفتُ ظلِّي

وظلالا أخرى لا أعرفها

***

اليومَ رأيتُها

كانت تقذفُ الكواكبَ بسهمٍ معدني

وتتمتمُ بكلماتٍ لم أفهمها

لكنني لم أر أمامها ذلك الطابورَ

الذي كان يمتدَّدُ من أولِ الشارعِ إلى آخرهِ

رأيتها وحيدةً تكنسُ عظامَ القططِ

رأيتها تنتحبُ من بعيدٍ

ولم أر وجهي المعلقَ بيننا

رأيتُ فقط عظامَ قططٍ مهشمةً

وآثارَ أقدامٍ مبتعدةٍ

…………….

امهلني دقيقةً أو نصفَ دقيقةٍ

لألملمَ أطرافي وأشيعَ جسدي

نصف دقيقةٍ فقط كي أستمعَ لخريرِ الماءِ

وهو يندفعُ من بين يدي

أستمعُ لثرثرةِ الريحِ ولضجيج العاصفةِ

***

ما إن أغلقُ الأبوابَ

الأبوابَ الصارمةَ ،  المهزوزةَ ،  المغلقةَ ،  المفتوحةَ

حتى أخرجَ مني وأثرثرَ حتى الثمالةِ

يا أصدقائي التعساءَ هاهي المدينةُ تنامُ

وعيونُ المتطفلين فانزلوا قليلا لنتسامرَ معا

لننصتَ إلى موسيقى الغجرِ ولعزفِ الماءِ

يا أصدقائي التعساءَ تعالوا لنشعلَ ناراً خفيفةً ونتسامرَ

عِمْتَ مساءً أيُّها الجرحُ

عِمْتَ مساءً

طاحونتكَ لا زالتْ تدورُ

قلوبنا معلقةٌ بخيطٍ رفيعٍ ورأسنا عارٍ

عِمْتَ مساءً أيها الألمُ

أقدامكَ مغروسةٌ بقوةٍ في قلوبِنا

فلا تُغرِ أشبالَ الوجعِ

وقطعانَ الضوءِ نحو هاويتِكَ العمياءِ

………………

يا سيد العطاء

أنا الغيوم التي تتكاثف في سمائه

أنا الحطب الذي يشتعل دون لمس

أنا دم البحيرات وعواء الليل

من النافذة أدخل إليك

من الشقوق

من الأبواب المواربة

كالغبار أتشرد بين زواياك

يا سيد العطاء والحب

آوِني لا طريق أمامي غيره

لا مدينة

لا محطة

لا قطار

لا حقيبة تحملني إلى المنفى

ولا منفى يستقبلني فآوِني

أنا النار التي تشتعل دون لمس

أنا النار وأنت الريح

أنا الريح وأنت النار

***

تأتيني من الشرق ومن الغرب

من الجنوب ومن الشمال

من الجهات الأربع

مثلما يأتي الربيع والصيف والخريف والشتاء

مثلما يتعاقب الليل والنهار

مثلما تغادر الطيور وتعود

مثلما تنام الحيوانات في بياتها الشتوي

وتقوم مع بداية الصيف

تذهب وتعود

من سفينة إلى قطار إلى شجرة

فأكبر ،  أتعلق بأقواس النجاة

وأدنو من أسوارك البعيدة

***

حين سلمتُ العواصف جسدي

أدخلتني في دوامتها اللذيذة

هي الريح تهبط على مهلها

مهووسة بصراخي وشهيقي

الريح التي تتسول بين الممرات

باحثة عن كائنات سعيدة

كائنات لم تعرف معنى للألم

كائنات مبهورة بضجيج العصافير

كلما أشرقت شمس

هي الريح التي ترصد تحركاتنا

كلما اشتدت أو هدأت أو ذابت

***

مشيتُ

كانت الطرقات الإسفنجية تجذبني للداخل

وكنت مستسلمة لها

أهدهد ذاك الوحش الذي يصرخ

أهدهده كي يرحل أو يبتعد

وحين وصلت

وصلت وحيدة وعارية.

***

هي الطعنات التي وسمتني بها الوحشة

هي العزلة..

هي الطرقات التي تذوب بين كفي وتتداخل

 

هي الطرقات الموزعة بين فراغين وفضاء

فعدت لا أميز بين ظلي وبين عباءة الأثر

حين اقتربت من متاهته لبستُ جسده المتعب

لبستُ رأسه المشطور وغطست

كأنني عروسة بحر لا تزال تجهل فنون الغطس

لكنني غطست ففتح البحر ذراعيه واحتضنني

***

أنظر إليك

علك تمنحني نظراتك الأخيرة

أنا المرأة المتوجة بقناديل السماء

أضيء كلما مسني نيزك

أو عبرتني نوافذك المفتوحة على الغابات

أشتعل أيضا كلما سقطت على فراشك الرطب

وتدثرت برائحتك

***

………………….

“يكفي أن ينتصب تمثال دكتاتوري في وسط ميدان مكتظ بالبشر

لنرى الحمامات تتساقط الواحدة تلو الأخرى

والحكمة ترتدي قبعة الطاعة

وحين ترتدي الحكمة قبعة الطاعة

لا يبقى من مبرر للتفاؤل بمستقبل وطن عربي مضرّج بدمائه ومهزوز في كرامته

وبعد ذلك وقبله هو منكوب بمجانين حقيقيّين…’

مثلما هو جليّ ، تكتسي شعرية صاحبتنا الفرادة من معجم الاتكاء المفرط على ميكانيزم الأنوية السحيقة جدا و استكناهها داخل عوالم معاناة، تجيد الذات عبرها الإصغاء إلى الصوت الداخلي للتجربة الدالة على ميتافيزيقيا اللفظ والمعنى و عزلة الفعل الإبداعي المشحون بالتفاصيل الحياتية والمتماهي مع تقنيات تقزيم  الوظيفة الوجدانية الجزافية والإسراف في درجات إقحام المتون القلبية الطافحة بها شعريات ما قبل الحداثة والمغرقة في الغزليات والمقدمات الطللية.