ثقافة رأي

النكتة السياسية … النكتة..وسيلة المكبوتين لقهر القهر!

 

 

تحليل سيكوسوسيولوجي

د.قاسم حسين صالح

تقديم
يمهّد القسم الأول من هذه الدراسة الى التعريف بتعدد مفاهيم النكتة واستعراض نشوئها تاريخياً عبر الحضارات واختلاف صيغها ودلالاتها بين الشعوب وتبيان وظائف النكتة وأهدافها،ويستعرض القسم الثاني تفسير الفلاسفة وعلماء النفس للنكتة واصنافها وأهداف كل صنف منها،فيما يركز القسم على النكت السياسية والجنسية في العالم العربي واستطلاع رأي العراقيين بدلالاتها..في تحليل سيكوسوسيولوجي للباحث.
*
لا يوجد تعريف محدد للنكتة،بل لعلك تستغرب من كثرة معانيها.فالاصل في فعل (نكت) أن تضرب في الأرض بقضيب فيؤثر فيها، بحسب قاموس المحيط . أو(نقطة سوداء في الشيء الأبيض أو العكس،أو كلام لطيف يؤثر في النفس انشراحاً،أومسألة دقيقة يتوصل إليها بدقة نظر وإمعان فكر ،أو حِكَايَةً مُسْتَمْلَحَةً تُضْحِكُ وَتَنْبَسِطُ لَهَا النَّفْسُ , أوالفكرةُ اللطيفة المؤثِّرَة في النفس، أو المسأَلةُ العلميَّةُ الدَّقيقةُ يُتَوصَّلُ إِليها بدقَّة وإِنعامِ فِكْر) بحسب معاجم عربية.ولا يعنينا هنا دلالاتها الاصطلاحية وان كانت تعطيك مفهوم التضاد أو المفارقة في السياق،بقدر ما نعطيها حقها السيكوسوسيولوجي في الثقافة العربية والعراقية.

شيء من التاريخ
تاريخياً، تعدّ النكتة قديمة جداً وأقدمها واحدة سومرية تعود الى عام 1900 ق.م.تم اكتشافها مدونة في موقع أثري ونعتذر عن ذكرها لأباحيتها.وكانت النكتة شائعة في الحضارات الفرعونية والإغريقية،والأوروبية لاحقاً بعد ترجمة كتاب ألف ليلة وليلة وحكايات عربية شعبية أخرى. ويعدّ كتاب بوجيو براسكيلوني( Facetiae – الفكاهة) الصادر عام 1451م ،ويحتوي على 273 نكتة تدور معظمها حول شخصيات الغبي والبخيل والمتبجح ،جمعها عبر تجواله في بلدان أوروبا..يعدّ أشهر الكتب القديمة عن النكتة، وقد طبع مع أول ظهور لحرفة الطباعة وانتشر بشكل واسع وفيها يظهر تأثر النكتة الأوروبية بالفكاهة العربية،فيما يعدّ زمن شكسبير العصر الذهبي للنكتة (المهذّبة) التي ضمّن عدداً منها في مسرحياته.
وفي الحضارة العربية،يعدّ كتاب (أخبار الحمقى والمغفلين )لأبي الفرج الجوزي،وكتاب (البخلاء) للجاحظ ونوادر جحا ،هي الأكثر شهرة في النوادر والطرف،ما يؤكد أن النكتة كانت قديمة في حضارتنا العربية والاسلامية، وإنها كانت تركز أكثر على الظواهر الاجتماعية والسياسية.وظهرت شخصيات عربية تخصصت بالنكتة مثل أشعب والبهلول وأبو العتاهية،غير أن شخصية جحا تعدّ أشهر شخصية فكاهية في التاريخ العربي،ويقال إن اسمه الحقيقي هو أبو الغصن دجين الفزاري،وأنه عاصر الدولة الأموية ومات في خلافة المهدي بعمر تسعين عاماً. وحكمة هذا الرجل انه يتظاهر بالجنون ليقول الحقيقة!،أو إنه أراد أن يقول لنا إن الجنون هو السبيل الوحيد لقول الحقيقة في عالم يبدو للآخرين معقولاً فيما هو مليء بالمفارقات غير المعقولة..مع إنها ما كانت بخبل مفارقات عالم العراقيين الذي يعيشونه الآن!

اختلاف النكت باختلاف الشعوب.
تختلف الشعوب في نوعية النكات التي تضحكهم..فالبريطانيون والإيرلنديون والأستراليون والنيوزيلنديون يفضلون النكات التي تشمل اللعب على الألفاظ،ويفضِّل الأميركيون والكنديون النكات التي يبدو أبطالها أغبياء،ويتداول الأوروبيون النكات ذات المضمون الذهني،فيما يفضل العرب والعراقيون بشكل خاص تداول النكات الجنسية والسياسية،ما يعني ان لكل شعب وجدانه الثقافي ومستوى حضارته وطريقة التعبير عما يضحكه ويبكيه.
وتختلف طبيعة النكتة باختلاف المستوى الثقافي في المجتمع الواحد ايضا ،فالمثقفون تعجبهم النكت العقلية التي تستدعي الإعجاب وتثير التبسم ،والجمهور العام تعجبه النكت الصريحة التي تثير الضحك ،فيما البائسون واليائسون..تعجبهم مرارة النكتة.وأرى أن المصريين هم أطرف شعب عربي في تبادل النكت الساخرة التي تستهدف إثارة المتعة والاضحاك،وان العراقيين هم اكثر الشعوب العربية في تبادل النكات التي تسخر من الآخر بنقد لاذع،لسبب سيكولوجي- سوسيولجي هو كثرة الحروب وقساوة الحياة وسوء ادارة انظمة الحكم لشؤون الناس.
ويرى المهتمون بالأدب الشعبي (الفولكلوريون) إن معظم النكات تعود الى مئات السنين وإنها تلبس في كل زمن ثوباً جديداً يوافق المزاج الثقافي والنفسي لكل شعب،فيما اختص علماء نفس واجتماع وباحثون بدراسة النكتة علمياً..بل إن جامعات فتحت فروعاً علمية خاصة بدراسة النكتة،مثل جامعة ولفرهامبتون التي خصصت قسماً مهمته دراسة تاريخ النكتة وعلاقتها بالطبيعة البشرية،فيما اهتمت جامعات عربية ،الجزائر بشكل خاص،باجراء دراسات عن النكتة برسائل ماجستير وأطاريح دكتوراه.
وتشير الدراسات الى أن النكت البذيئة (القذرة) تقل في شعوب البلدان المتطورة وتكثر في الشعوب المتخلفة لاسيما بين الشرائح الاجتماعية الشعبية.والتحليل السيكولوجي للنكتة البذيئة إنها عنف لفظي لعدوان مكبوت ضد آخر بهدف النيل من مكانته الاعتبارية أو التحقير.ولهذا فانها تعدّ مادة علمية لعلماء النفس والاجتماع يستطيعون الكشف من خلالها عن الأفكار والميول العدوانية لدى الطوائف والمكونات الاجتماعية داخل المجتمع الذي يعيش في وطن واحد.فضلا عن ان اختلاف النكت بين الشعوب يوفر مادة علمية للمقارنة فيما بينها من حيث طبيعة حياتها وانظمتها السياسية وقيمها الأخلاقية..ولك أن تقول :(قل لي نكات مجتمع ما أقول لك من هو وكيف يعيش) .

وظائف النكتة
الوظيفة الأولى للنكتة هي (النقد الساخر) لظاهرة اجتماعية أو سياسية أو أخلاقية او شخصية اعتبارية سواء كان رجل دين أو سياسة أو وجه اجتماعي.والهدف منها هو التقاط مفارقة (نظام سياسي يدّعي إنه اسلامي وقادته فاسدون،رجل يدّعي إنه تقي ولديه بيت دعارة..)،وتشخيص مواطن القبح والخلل في القيم والأخلاق والعلاقات الاجتماعية والأسرية..تصاغ باسلوب فكه أو لاذع ،يجتذب المتلقي بطريقة محببة تجعله يفكر في الرسالة التي تحملها النكتة ليتأمل نفسه والواقع الذي يعيشه.وسيكولوجيا يمكن اختصار وظيفة النكتة،عربياً وعراقياً، بأنها هتاف الصامتين و وسيلة المقهورين لقهر القهر!
ووظيفة سيكولوجية خفية للنكتة في العالم العربي هي اننا نتداولها لنغطي عجزنا عن حلّ أزماتنا..وأنها تغور عبر تناقلها الى ما هو أعمق سيكولوجيا بتحويل قباحة الواقع الى مألوفّ،وأبرز مثال على صدق ما نقول هو (الفساد في العراق) الذي تحول من حالة كانت تعدّ خزياً الى ظاهرة اجتماعية وسياسية شائعة ومألوفة!.
ومن بين أهم أهداف النكتة هو كشف ما خفي وفضح المستور، وأكثر من يمارس النكتة هم بسطاء الناس والعاجزون لكونها ثقافة شعبية سهلة التداول يرّوحون بها عن هموم الحياة ويضحكون على أنفسهم،ما يوفر مادة غنية لعالم النفس والاجتماع لمعرفة ما يعانيه المجتمع أو مكون اجتماعي فيه، وتحليلها وفقا لآلية الكبت ما اذا كانت تستهدف :التنفيس ،التشهير ، الفضح ،العقاب..،أو: التسلية ،الفكاهة ،التنفيس ،خفض التوتر ،الاسترخاء البدني والنفسي ،توثيق العلاقات بين الأصدقاء..واضحاك الناس،الا اذا كانوا من صنف نيوتن الذي قيل انه ضحك مرة واحدة في حياته،او ستالين الذي ما كان يضحك إلا نادراً، أورئيسة وزراء بريطانيا السابقة..المرأة الحديدية مارغريت تاتشر.
وللتنكيت أوقاته ومناسباته،ففي مجتمعنا الاسلامي لا يصح التنكيت في المساجد ومناسبات العزاء أو تشييع جنازة مع إنها متداولة في ثقافات أخرى بتبرير سيكولوجي يهدف الى مداراة أهل الفقيد نفسياً.ولكن الظرفاء بيننا يستغلون هكذا مناسبات لقول نكتة كما فعل صديق ظريف حضر مجلس عزاء وفاة زوجة أخي..فحين جلس بيننا همس الى أخي قائلاً:(شيخنا..بس كون امخليلك اسبير!).وموقف آخر إنني حضرت مجلس عزاء وفاة زوجة صديقي،فوجدته يبكي عليها فمددت يديّ الى السماء وقلت:( الهي،إنك ترى هذا الرجل كم هو مفجوع ولا يطيق فراق زوجته..فأشفق عليه وألحقه بها سريعاً، وزوجّه إياها في الجنة، وأبعد عنه الحور العين والولدان المخلدون!).
يتبع