الصحافة الجديدة ثقافة

الفضائية المصرية “النّاس” كما يراها جزائري – معمر حبار  

في حوار  لي مع الأستاذة الإعلامية المصرية ولاء عبد الله يوم الأربعاء 8 شعبان 1439 هـ الموافق لـ 25 أفريل 2017، قدّمت لها مجموعة ملاحظات حول فضائية “النّاس” المصرية، فأجابت: “بالنسبة لقناة الناس وملاحظاتك ما رأيك أن تكتب مقالا وننشره كجزائري متابع للقناة”، فكان ردّي: “رائع، سأفعل خلال هذا الأسبوع، ويبدو أنّي كنت بحاجة لهذه الدفعة”. وسيتم التركيز على بعض البرامج التي يتابعها صاحب الأسطر دون البرامج الأخرى التي لا يتابعها مع ترك النقد في آخر المقال، ومن هذه النقاط:

امتاز الفقهاء والعلماء الخمسة عبر حصّة “فتاوى النّاس” وعلى رأسهم العالم مجدي عاشور بكونهم تكفّلوا بالفتوى بحلاوة لسان، وحسن بيان، وهدوء يريح السّامع، وثقّة تزيد الثبات، وعلم واسع، ومعرفة جيّدة للواقع، واحترام للمجتمعات أخرى. فقد سمعتهم وهم يوصون الجزائريين الذين يتّصلون بهم أن يتمسّكوا بما هو معمول به لدى علماء وفقهاء الجزائر فذلك أضمن لهم وأفضل. والبارحة وأنا أتابع عالما وهو يسأله أحد المتّصلين أنّه قال لزوجته أنت طالق إن فعلت كذا وكذا، فأجابه العالم الأزهري: لا أستطيع أن أجيبك الآن لأنّي مطالب أن أعرف الألفاظ التي قلتها بالضّبط لزوجك وأطلب منك الآن أن تتّصل بدار الفتوى أو بالرقم الأخضر الفلاني وعلى إثرها تكون الإجابة. وهذا السلوك العالي يدل على أنّ الفتوى لها حرمة وعظيم الشأن ولا تكون تحت تأثير المباشر خاصّة فيما يتعلّق بالطلاق والعائلات والأبناء والميراث. وبقدر ما يعجبني احترامهم لمرجعيتهم الأزهرية يعجبني أيضا احترامهم للمرجعيات الأخرى وعدم التدخل فيها وهذه من عراقة الأزهر  ونبل أخلاق علمائه. وبقي أن أشير أنّي لا آخذ المواقف السّياسية من فقهاء الأزهر كما لا آخذها من فقهاء الجزائر وفقهاء السّعودية وفقهاء إيران وفقهاء تركيا، لأنّ المواقف السّياسية لا تأخذ من فقيه.

و حصّة “قراءات في كتب السّنة” للأستاذ محمّد إبراهيم عبد الباعث، فهو العالم المتمكّن بأصول اللّغة العربية، والفطرة السّليمة، والإجابة الشافية، والمقارنة بين مختلف الآيات الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة بما هو متعارف عليه لدى عامّة المسلمين دون تعصّب ولا تشدّد ولا شتم ولا سباب وفي جوّ كلّه محبّة وسلامة صدر، وقد تابعته وهو يتحدّث عن فضائل الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، وعن التوسّل، وأمور فقهية أحسن في تقديمها وهو يربط بين الأثر الشريف والفهم السّديد.

وتنحصر روعة حصّة الرسوم المتحرّكة الخاصة بقصص القرآن الكريم في كون كبار الممثّلين يؤدون الأدوار بصوت جذّاب، وأداء خلاّب، ولغة عربية فصيحة سليمة بسيطة تشدّ الألباب، وتحبّب اللّغة العربية للكبير والصّغير. وأتابع الحصّة وأدعو دوما أبنائي لمتابعتها برفقتي لتعلّم حسن أداء اللّغة العربية من خلال الأداء الجيّد للممثّلين والصوت الحسن والقصّة الخالدة ذات الحكم والعبر الخالدة.

وحصّة “مع التلاوة” حيث البساطة في الإلقاء، والصّبر على المستعمين، والتعليم بهدوء، وتصحيح الأخطاء برفق، وغرس الثّقة في المبتدئ، وتشجيع أصحاب المحاولات والدّفع بهم نحو الأحسن والأفضل.

و حصّة “اعرف نبيّك ” للأستاذ يسري جبر وهو يشرح السّيرة النبوية عبر كتاب “نور اليقين” وهو من أعظم الكتب في السّيرة النبوية وقد سبق وأن قرأته في شبابي. وامتاز العرض ببساطة يفهمها السّامع، وهدوء يرتاح له الجميع، وسلامة الشرح من الخرافات، وعدم المبالغة في بعض المحطات، والترويح عن المتتبعين بما يزيل التعب ويبقى الذهن متابعا.

من ميزات الأذان الذي يبثّ عبر فضائية “النّاس” أنّ المؤذن يكون أحيانا من كبار المؤذّنين ويعلن عن اسمه، ودعاء الأذان يكون من كبار العلماء والفقهاء كالعالم محمّد متولي الشعراوي رحمة الله عليه، وهذه سنّة حسنة تستحق التشجيع و التعميم، أي كلّ دولة عربية واسلامية تختار للمؤذن صوتا من أبنائها الكبار من حيث أداء الأذان والدعاء الخاص بالأذان.

وأحسنت الفضائية حين أعادت ولعدّة مرّات مسلسل “عمر بن عبد العزيز” و “الظاهر بيبرس”، حيث روعة الأداء، والفصاحة البسيطة، والاعتدال في تقديم التاريخ، والحرص على إظهار  حقيقة الوقائع قدر الإمكان بوسائل بسيطة غير مكلّفة، ما يعني أنّه يمكن الوصول إلى القمّة مع قليل من الوسائل إذا حضر الإخلاص و الإتقان ودون تجاهل بعض الأخطاء الفنية.

ولا يمكن التحدّث عن فضائية “النّاس” دون تقديم بالغ الشكر للقائمين عليها على تقديمهم لدروس الحكم العطائية للعالم محمّد سعيد رمضان البوطي رحمة الله عليه، وقد سبق لي أن قلت لزملائي: عظمة البوطي وهو يشرح الحكم العطائية بصفائه ونور بصيرته وعمق نظرته تجعل المتتبّع يقول: الحكم العطائية تُسمع قبل أن تُقرأ لروعة الأداء الذي قدّمه العالم البوطي.

ومن العيوب التي وقف عليها المتتبّع لفضائية “النّاس” هو الإفراط في استعمال العامية بشكل غير مبرّر، وأظلّ أستنكر استعمال العامية بشكل مفرط في جميع الفضائيات العربية ودون استثناء – أقول دون استثناء – بما فيها العامية الجزائرية، لأنّه لا يليق للأزهر وعلماء وفقهاء الأزهر التّساهل في شأن استعمال العامية بدعوى تقريب الفهم للنّاس والنزول إلى النّاس، وقد سبق أن كتبت في الموضوع مقالات وعبر صفحتي واستنكرت على أصحاب هذا الرأي وعلى رأسهم العالم المفسّر اللّغوي محمّد متولي الشعراوي رحمة الله عليه وهو آية من آيات اللّه في الفهم والعمق والفصاحة والبلاغة.

أفرطت الفضائية في استعمال الومضات الإشهارية حتّى أنّها أفسدت على المشاهد متابعته للبرامج التي يركّز عليها ويتابعها باهتمام واستمرار، والمطلوب هو التّخفيف قدر الإمكان من الكم والوقت المخصّص للومضات الإشهارية بما يناسب روح العصر وحاجة الفضائية للإشهار لأنّه أمسى من ركائز الإعلام وضرورة من الضرورات التي قد لا يمكن الاستغناء عنها حاليا.