ثقافة

خطاب الجسد في السينما التونسية فيلم صفائح من ذهب نموذج

سناء ساسي
ـــــــــــــــ
يعدّ الخطاب من أهم وسائل الفنّ المعاصر لتأسيس التواصل و مدّ جسور التفاعل بين الفنّان و المشاهد خاصّة في المجال السينمائي بما انّ الجسد عامل اساسي من عوامل الخطاب الانساني على المستوى الفني ويعتبر المحرّك البصري الذي يملك من السيادة على مستوى التأثّر و التأثير في إثراء الخطاب السينمائي ليصبح الجسد في السينما خطاب فكري يحمل من الدلالات و القراءات ليصبح الجسد صورة العصر وخطاب الفنّ المعاصر و المتتبّع لخطاب السينما التونسية سيدرك قيمة وعي المتلقي لوجود المبدع الانسان و علاقته بمجتمعه أو بقضايا البيئة التي نشأ فيها ووعيه بدور الجسد في بناء خطابه الفيلمي أو خطابه السينمائي أضحى فيها لغة الصورة السينمائية وخطابها وفضاء تعبيري تحقق من خلال الصورة السينمائية التي ادمجتها في كل مستويات الحياة و صورة الجسد في السينما ليست إلا صورة لقضايا مجتمع الذي يعيش فيه كل فنان و إستحضار لمشاكل و واقع عصره .
إنّ خطاب الجسد أصبح بمثابة نقطة تحوّل و إرتكاز تجعل من الذات و الخيال وجودا حقيقيا يمتلك جوهر المرئيات قبل الدخول في تمظهراته الجزئية فالجسد مرآة المجتمع من خلال الرؤية السينمائية فمن خلال الجسد تعدّد الخطاب السينمائي بتعدّد صوره الذي يعتبر المحرّك الاساسي و المناخ التعبيري لبناء المعنى الفيلمي للغته البصرية الذي يشعر المتلقي بالتئام بنية الجسد الزمانية و المكانية مع الفكر باطار موحدّ ينهض بالرؤية السينمائية و تحديدها مرئيا.
فخطاب الجسد هو العلاقة الجدلية قائمة بين المرئي و الامرئي بين الشكل و المضمون هذه الجدلية جعلت منه خطاب المشهد الفنّي المعاصر بالقيم الانسانية التي تستوعب مجريات الكيان الاجتماعي الثقافي التاريخي و السياسي بكلّ جزئياته ليتصّف خطاب الصورة السينمائية القائمة على الجسد الذي يمثل القضية التي تجمع بين الانغلاق و الانفتاح يمدّ جسور التواصل بين المشاهد و الفنّان السينمائي ليتماها معا في محاكاة القضيّة المطروحة.
إن المتتبع لخطاب السينما التونسية سيدرك المشاهد وعي المبدع بقضايا مجتمعه و وطنه أضحى فيها الجسد لغة الصورة السينمائية و خطابها نأخذ على سبيل المثال خطاب الجسد في فيلم صفائح من ذهب للمخرج التونسي النوري بوزيد الذي قام بإخراجه سنة 1988 .
تشكل الخطاب في فيلم صفائح من ذهب للمخرج التونسي النوري بوزيد على التركيز في فعلين اثنين هما عقاب الجسد و الفعل الثاني آثار هذا التعذيب الذي سجلّ فيما بعد حالة واضحة من نزوع و سلب الارادة الانسانية و محو سلطته ليصبح ذلك المهمش ليكشف لنا النوري بوزيد محاولة هذا الجسد المقاومة والنضال امام ويلات العقاب و العذاب رغم معاناته .
كان الخطاب تارة قويا ( دفعت عشر سنين من عمري باش انت تتكلّم) و مرّات يكون ضعيفا من خلال الصمت أو نظرات البطل يوسف سلطان الذي دفع عشر سنوات من عمره من أجل تحرير الآخر فلا الآخر اعترف بجميله و لا الدولة سامحته هنا جعلنا خطاب الجسد نشعر بهول ما عاناه البطل و جعلنا نشعر بالشفقة على جسد ضاع لم يجد من ثمّن تضحيته من أجل حرّية الآخر .

هذا الجسد تاه بين ماض معذّب و حاضر ضاع لم يعد لهذا البطل هيبة و لا قيمة لا من عائلته و لا من المجتمع هذا العقاب الذي جعل من الانسان لا قيمة لعيشه و لا بقائه جدوى هذه المعاناة جعلت من يوسف سلطان يحّس بمدى ضعفه بما لحق به من أذى من خلال الإعتقال و التعذيب الذي قاده إلى الإنتحار.
هكذا كان الخطاب في فيلم صفائح من ذهب دلالة صورية صراع الجسد الصورة مع ذاتها بفعل التناقض بين الشكل و المضمون الشكل الجسد المعذّب و المضمون من أجل قضية هكذا كان الجسد في الفيلم خطاب دافعة للأحداث و التأسيس الفكري خبرنا بضرورة الصمود و المقاومة و ألا نستسلم للواقع ما دام الإنسان على قيد الحياة يدعو النوري بوزيد لمحاولة الفرد بناء نفسه من جديد و ألا يستسلم للموت .
مرّ خطاب الجسد بمرحلتين مرحلة الخطاب المتكرّر من خلال إستحضار لمشاهد الإعتقال و التعذيب وما عاناه البطل بشكله الثابت المدفوع بحركة الجسد لتأكيد القضية و هي مرحلة الخطاب المغلق ومرحلة الخطاب المفتوح الذي يتسم بتحرّر البطل و آثارها خارجيا.
هكذا أدان النوري بوزيد من خلال خطاب الجسد في فيلم صفائح من ذهب ظاهرة التعذيب السياسي ومخلفاته وممارسة العنف المطلق على جسد الآخر العاجز عن الدفاع عن نفسه فهذا التعذيب هو إقرار ضمني من الدولة بإقصاء الآخر بممارسة إحكام السيطرة على جسده و على كرامته هذا ما يقصي ذاتيته كانسان خطاب وضع مشكلة التعذيب تحت المجهر ليست مشكلة معاناة جسد و حسب بل مشكلة إصلاح شعور بالذات تشوّه في الأعماق تشّوه الثقة بالنفس و بالذات من خلال سلوك يوسف السلطان وعبّر عن الوضع الاجتماعي للحياة من هلال وضعية البطل يوسف سلطان و خروجه من السجن والاحساس بالرفض و الاهمال و لا المبالاة أظهر المخرج معاناة يوسف خارج التكافئ مع سبب دخوله السجن و هذا الألم هو ما جعله ينحرف عن حياته السابقة نحو الأسوأ . خطاب الجسد في صفائح من ذهب عرض تداخل بين عالمين عالم واقعي (واقع التعذيب) وواقع المتخيل هو التعبير السينمائي عن التجربة الداخلية للألم كتجربة تقوم في أساسها على إلغاء العالم الواقعي وتعويضه بآخر ينتشي فيصبح المتخيل الا واقعي (جنون يوسف في مرحلة النشوة و الاحتفال بجسده) هذا المشهد هو التعبير الغير المباشر عن فقدان العالم الواقعي لحقيقته الموضوعية نتيجة الهيمنة الصارخة للألم التي اصبحت في تلك اللحظة الواقع الوجودي الوحيد الممكن (الجسد المتّبع للرغبة الجنسية) التي غيبت الزمان و المكان تخلص جسد يوسف السلطان من كلّ التشوّهات التي مورست عليه في تلك اللحظة .
راهن النوري بوزيد في فيلم صفائح من ذهب على الصوت و الايقاع هذه الثنائية كخطاب إلى جانب اللغة و إلى جانب الصمت فبناء الاصوات عبر التواءاتها عبر تقاطعها و تشابكاتها مع المشهد البصري و الايقاعي الذي يزوّدها بالتجاذب الحادّ تحيلنا المشاهد الاولى في فيلم الى افضل طريقة لتوليد الخطاب المبطّن من خلال حركات الجسد و إيماءاته تولّد الايقاع هذا الايقاع يصبح تعبير عن كلّية السلطة التي تخترق جوانب الحياة جميعها فكلّ غرض يصبح تعبيرا عن السلطة (فمثلا منظر الحيوانات في المسلخ ومنظر الدم ازدواجية اصوات الحيوات و اصوات صفائح الخيول التي عند ذبحها اصدرت اصوات اسرعت في نمط الايقاع و اصبح تصاعدي ثم تنازلي ) و هيمنها المتصاعدة و توسعها ليست إلا تعبيرا عن عدم قدرة الجسد ان يمارس سلطته على جسده و على محيطه هذا التوليد الايقاعي يشير الى الانسحاب التدريجي للعالم و محتوياته و معانيه و الرضوخ و الخضوع أمام جبروت و هيمنة حقل السلطة المتمثلة في التعذيب السلطة التي حجبت جسد الاخر و سرقته عن طريق الاهانة و الاذلال والتعذيب و الاعتقال هذا ما اكده ادغار موران بقوله: سرقت منهم اجسادهم و اصواتهم . هكذا إستطاع النوري بوزيد من إستعمال الجسد كخطاب دلالي و رمزي يمثّل قضية التي تجمع بين الإنغلاق و الإنفتاح خطاب مباشر سعى إلى توظيفها كمادّة فنّية تحاكي الواقع من خلال تسليط الضوء على بؤر الألم ليتماها مع المشاهد في محاكاة الإعتقال و التعذيب من أجل موقف سياسي وليس لإرتكاب جرم أو ما شابه من قبل السلطة .