رأي

توظيف إستراتيجي أمريكي لكتاب “نار وغضب” حول ترامب

البروفسور رابح لونيسي
ـــــــــــــــــ

يدفع الترويج المفرط والإهتمام الغير الطبيعي الذي حظي به كتاب “نار وغضب- البيت الأبيض في عهد ترامب” لمؤلفه الصحفي مايكل وولف إلى شرائه مهما كان ثمنه، لكن بعد قراءة الكتاب الذي هو في حدود 400 صفحة يخرج القاريء الجاد غاضبا من الوقت الذي ضيعه مع الكتاب، لأن الإهتمام الإعلامي الكبير به، يجعلك تبحث وتسعى لفك شيفرة سر ذلك، فلن تجد فيه إلا معلومات عامة تريد أن توحي لنا كأنها أسلوب وطريقة صناعة القرار في البيت الأبيض في عهد ترامب، بل يمكن لنا القول أنها قصة صعود وسقوط كبير إستراتيجيي البيت الأبيض ستيف بانون وصراعه الصبياني مع عائلة ترامب المتمثلة في الثنائي “جارفانكا” حسب تعبير الكاتب، وهما صهره جاريد كوشنير وزوجته إيفانكا ترامب، فتعتقد في الأخير أنك وقعت تحت تأثير خدعة دعائية، لكن بعد فترة يدفعك ذلك كله إلى طرح تساؤلات أخرى، فهل كان الترويج مجرد خدعة دعائية فعلا للكتاب كي يباع بقوة لدرجة بيع ملايين النسخ ونفاذه في الأسواق في أسبوعه الأول، كما ترجم إلى عدة لغات، بل وضعت طبعات خاصة بكل بلد؟، فهو كتاب يعرض بقوة وبشكل لافت على رفوف كل مكتبات بيع الكتب في العالم وفي كل المطارات.
لكن بعد تأمل عميق وعودة إلى المشروع الأمبرطوري الأمريكي للقرن21 بهدف الزعامة الأمريكية للعالم تبعد فكرة الخدعة التجارية، وبأن هناك هدف إستراتيجي أمريكي من خلال الترويج للكتاب، فليس صحيح بأن أمريكا تترك كل شيء للصدفة، فهو البلد الذي تصنع سياساته وإستراتيجياته مئات مراكز البحث والدراسات الإستراتيجية وآلاف الخبراء والأكاديميين، ثم ماقاله وولف عن ترامب ليس شيء كبير مقارنة بما تنقله عنه يوميا وسائل الإعلام الأمريكية كي يسعى ترامب لمنع صدور الكتاب إن لم يكن يختفي وراء ذلك الترويج له بناء على مبدأ “كل ممنوع مطلوب”، فنحن نفهم الإنتشار الواسع لكتب بريجنسكي خاصة كتابه “رقعة الشطرنج” أو كتاب فوكوياما حول “نهاية التاريخ” أو “صدام الحضارات” لهنتنغتون أو كتاب “إنتقام الجغرافيا” لروبرت كابلان، فهي تشكل ثورة في قراءة التغيرات العالمية، وتضع تفسيرات أخرى للعلاقات والإستراتيجيات والسياسات الدولية، لكن أن يحظى كتاب وولف عن ترامب بهذه الأهمية، فهو يدفعنا إلى تساؤلاءت عدة عن دوافع ذلك.
لم يقل وولف أي شيء يستدعي الإهتمام في كتابه بإستثناء بعض الفضائح والصراعات الشخصية داخل البيت الأبيض وإظهار ترامب أنه مستهتر لايفهم شيئا وضعيف المستوى والمعرفة، لكن سبقه في هذه الصفات عدة رؤساء أمريكيين مثل رونالد ريغان الذي لعب دورا رئيسيا في تحقيق الإنتصار على السوفيات أثناء الحرب الباردة، ولعل هذا ما جعل بعض الأكاديميين الصينيين الذين كلفتهم الحكومة الصينية بتتبع دقيق لترامب يبدون شكوكا فيما يروج عنه، ويرون أنها خدعة لتنويم وتخدير القوى الكبرى الأخرى إنتظارا لمفاجأتها بإستراتيجية جديدة تخص الصراع حول الزعامة العالمية في إطار الإستراتيجيات الأمريكية، فما ترامب في نظرهم إلا مرحلة في إستراتيجية المشروع الأمبرطوري الأمريكي، خاصة بعد التغييرات الأخيرة التي أحدثت في بعض المناصب الإستراتيجية ككتابة الدولة للخارجية ومجلس الأمن القومي والمخابرات.
لكن ما يثير الكتاب هو رغبة دفينة في دفن النموذج الديمقراطي الأمريكي الذي يعد أحد العوامل التي تعطي أمريكا قوة ناعمة حسب إستراتيجية جوزيف ناي، كما أن الكتاب يشجع كل مستبدي العالم، ويعطي ذريعة لهم بالإستشهاد بظاهرة ترامب لتبرير سياساتهم، خاصة في العالم الثالث ومنطقتنا، وذلك من خلال إبراز الكتاب عدة شواهد ومنها:
– سيطرة المال الفاسد وإمكانية وصوله إلى السلطة في أمريكا من خلال ترامب الذي يعد رجل العقارات، وهو أول من يصل إلى السلطة من ضمن هؤلاء، ونحن نعرف الدور الذي لعبه الإستثمار في العقار في الأزمة المالية في 2008، فوصول ترامب المفاجيء وغير المنتظر إلى السلطة، يبرر السماح لرجال مال فاسدين بالوصول إلى الحكم في بلداننا.
– تدخل أسرة ترامب في سياسات البيت الأبيض من خلال صهره جاريد كوشنر وأبنته إيفانكا، وهو ما يبرر ما يمارس في منطقتنا من التوريث وتدخل أسرة الحكام في إتخاذ القرارات، ولعل هذا ماسمح بترويج الكتاب بقوة في العالم العربي التي تعرف هذه الظاهرة منذ عقود، بل كانت أحد أسباب إندلاع ما سمي بالربيع العربي في 2011 في مصر وليبيا واليمن وسوريا وغيرها من الدول التي طرحت مسألة توريث السلطة، فبإمكان أمريكا تشجيع الإستبداد في دولنا ثم إتخاذ ذلك ذريعة للتدخل بهدف نشر الديمقراطية في وقت الملائم.
– إبراز تصرفات ترامب بأنها غير محسوبة العواقب، أي تصرفات طائشة ومجنونة، وبإمكانه القيام بفعل غير عقلاني، وهو رئيس أكبر دولة عالمية، و يمتلك مفاتيح الأسلحة النووية، ونعتقد أن هذا هو جوهر الكتاب، فهنري كسينجر الناصح لغاريد صهر ترامب هو صاحب نظرية الهف Bluff بإمكان لجوء أمريكا إلى إستخدام القنبلة الذرية أثناء الحرب الباردة، مما جعل الكثير من الدول تفكر ألف مرة خوفا من إغضابها، وعوضت نظرية كيسنجر حول إمكانية إستخدام السلاح النووي اليوم بتخويف العالم بجنون ترامب ولاعقلانيته.
– إعطاء صورة بأن لا أخلاق في السياسة، وهو ما يراد الترويج له من خلال الكتاب، وهو ما جعل الكثير ممن تطرح أمامه مسألة أخلقة العمل السياسي، يعطي لك أمريكا ترامب كنموذج متناسين أن هناك فرق كبير بين السياسة الذي هو عمل نبيل مرتبط بالأخلافق والبولتيك اللآأخلاقية الذي هو عمل مدمر للأمم والدول والشعوب، فهذه المسألة لازالت في إطار نقاش واسع، فالأخلاق عامل مهم في السياسة، وهو ما يسمى بالويلسونية في أمريكا نسبة إلى وودر ويلسون الذي وضع المباديء14 في مؤتمر فرساي في 1919، فكل محاولة لإبعاد الأخلاق عن السياسة معناه الإنهيار التام للسياسة التي ستصبح مبتذلة وفي غير صالح الشعوب، فكيف ذلك وكل الشعوب تنظر بإعجاب إلى الأنظمة الديمقراطية الأمريكية والبريطانية والفرنسية.
لكن نقول في الأخير ما قاله الإعلامي الفرنكو-أمريكي جوي سورمان Guy Sorman في حواره مع العدد الأخير لمجلة روفو Revue(مارس-أفريل2018) بأن واضعو الدستور الأمريكي في 1787 قد وضعوا حسابهم في حالة وصول مجنون إلى السلطة في أمريكا من خلال مؤسساتها الديمقراطية القوية، فترامب مجرد رئيس بصلاحياته المحددة بدقة في هذه الديمقراطية، فلن يستطيع تغيير أي شيء، بل ينتظر الكثير بأن تعطي هذه المؤسسات درسا آخر في تنحية ترامب بسبب ما يروج عن دور الروس في إنتخابه إضافة إلى الفساد المالي، والتي أخذت منعطفا آخر مع كبير المحققين روبرت مولرRobert Mueller، ولعل قضية الدور الروسي في إنتخاب ترامب هو الأمر الوحيد الذي أعطى أهمية لكتاب وولف.

البروفسور رابح لونيسي
– جامعة وهران-