ثقافة

يوميات صعلوك، قصة من الأدب الإسباني

خالد سالم
ــــــــــــــــ

هذه القصة من أدب الصعاليك، وهو نوع قديم من الأدب المرح، ظهر في إسبانيا، ثم انتشر في مختلف أنحاء العالم. وهي مجهولة المؤلف وبطلها صعلوك شريد يعمل في خدمة نوعيات مختلفة من الناس، منهم الشحاذ الأعمى والقس وحامل ترس النبيل والسائس والشرطي والنبيل الفقير، ومهن وحرف أخرى. وعن طريق الصعلوك الصغير نستطيع أن نستشف بعض خبايا النفس البشرية ومظاهر الحياة الاجتماعية في إسبانيا في تلك الفترة.
وهذا النوع من القصص ولد في إسبانيا وبقي فيها حوالي قرن من الزمان، ويطلق عليه قصص الصعاليك، وفي العادة ينتقل بطلها “الصعلوك” بين المهن الدنيا، وقد بلغ هذا النوع أوجه على يد الكاتب ماتيو أليمان . ثم انتقل هذا اللون إلى بعض دول أوروبا وأميريكا اللاتينية.
وقد ولد في ظروف اجتماعية وسياسية واقتصادية مواتية لذلك في النصف الأول من القرن السادس عشر. ومن الملاحظ أن بطل هذه القصة “لاثاريّو” لا ينغمس في وسطه الاجتماعي من صعاليك وشحاذين وغجر ومحتالين، ولا تحركه بواعث مثالية، فتصرفاته تسيطر عليها حقيقة واحدة تتمثل في الدفاع اليومي المستميت للفكاك من براثن الجوع. ولاثاريّو لا تهمه في هذا العالم سوى مصلحته الشخصية المتمثلة في الفرار من الجوع، دون أن تفارقه روح السخرية والتهكم من النماذج البشرية التي تمثل طبقة بعينها، وعلى وجه الخصوص رجال الدين والكنيسة. ويشغل الجوع والفقر حيزًا محوريًا في هذا العمل، فهو محرك رئيسي لتصرفات الصعلوك بطل العمل، وبعض مخدوميه الذين يضاف إليهم عنصرَيْ الفقر والبخل اللذَين يكادان يسريان في عروقهم سريان دمائهم، ما يضيف للقصة وشيجة من وشائج تشويق المتلقي وتعاطفه مع الفتى الصغير.
غير أننا نجهل تاريخ تأليف هذا الكتاب واسم مؤلفه، وكل ما هنالك في هذا الصدد افتراضات اقترحها الباحثون منذ ثلاثة قرون دون أن يصل أحدهم إلى الجزم بنتيجة. ورغم هذا فإنني أقدم طبعة من هذا الكتاب تعود إلى عام 1554، وهي طبعة القلعة التي تشير إلى أنها طبعة ثانية مزيدة ومنقحة. أي أن هناك طبعة سابقة عليها، إلا أن هناك تضارب في آراء المختصين بدراسة الأدب الإسباني فيما يتعلق بتاريخ التأليف الدقيق، وكلها تقوم على أساس معلومات مستقاة من أحداث هذا الكتاب.
والأمر نفسه كان بخصوص المؤلف المجهول الهوية حتى اليوم، إلا أن العلامة الإسباني أميركو كاسترو افترض أن يكون مؤلف الكتاب يهوديًا من أولئك الذين أُجبِروا على اعتناق المسيحية فامتلأت نفسه مرارةً ضد الكنيسة والمسيحية، وهو أمر نلمسه في الكتاب. وهذه المرارة والنقد، حسب أميركو كاسترو، نجده في كتاب “غوثمان دي ألفارتشي”Guzmán de Alfarche، لليهودي المتنصر ماتيو أليمان –حسب بعض الباحثين-. إلا أن كون الأخير يهوديًا متنصرًا لا يعني أن ينسحب الشيء نفسه على مؤلف “يوميات صعلوك” فأبواق اليهود الزاعقة وأقلامهم الكثيرة تحاول أن تنسب نجاحات كثيرة إليهم؛ مستغلين في ذلك عقدة الذنب الأوروبية المتمثلة في محاكم التفتيش ومحرقة النازيين، وكأن هاتين الجريمتين لم تطالا سواهم في الأندلس وألمانيا. ومن يشكك في ذلك فليَسأل الموريسكيين عما حدث لهم عام 1609م!
ونظراً لما يتضمنه الكتاب من نقد للكنيسة والمسيحية فقد منعه الفاتيكان عام 1559م وحرَّمَ تداوله ووضعه في قائمة الكتب المحرمة؛ لما فيه من سخرية من رجال الدين ومفاسدهم ومثالبهم. ويعني تاريخ نشر هذه الطبعة أن الكتاب ظهر في العصر الذهبي للأدب الإسباني، أي القرنيَن السادس عشر والسابع عشر.
ثم صدرت منه طبعة منتقاة ظلت تصدر حتى نهاية القرن الثامن عشر، إلى أن انتهت محاكم التفتيش تماماً من إسبانيا. إلا أن النص الأصلي ظل يُطبع خارج إسبانيا، حتى في البلاد التي كانت تحت مظلة الإمبراطورية الإسبانية.
ونظراً لقيمة الكتاب الرفيعة صدرت له ترجمات إلى العديد من لغات العالم، وذلك منذ القرن السادس عشر (أي بعد ظهوره بقليل في إسبانيا) وحتى يومنا هذا. إذ تعود أول ترجمة إلى اللغة الإنجليزية إلى عام 1568م. هذا فضلاً عن صدور جزء ثانٍ منها، مجهول المؤلف أيضاً، وقلدها آخرون إلى أن ألف على منوالها فرانثيسكو دي كيبيدو، Francisco de Quevedo، كتابه “حياة البوسكون” La vida del Buscón، أي حياة الصعلوك، الذي نُشر عام 1602م. كما كانت هناك تكملات، أشهرها طبعة أمبير ببلجيكا سنة 1555م وصدرت دون اسمٍ للمؤلف، والثانية طُبعت في باريس عام 1620م وكتبها خوان دي لونا. غير أن هذه التكملات لا ترقى إلى مستوى الأصل، وهو أمر وارد في جل التكملات التي أضيفت إلى أعمال كلاسيكية.
وقد اتفق الباحثون، وعلى رأسهم منينديث بيدال، على أن هذه القصة هي أول نموذج في الأدب العالمي للقصة الواقعية الحديثة ذات المضمون الاجتماعي . وذهب بعض الباحثين العرب والإسبان إلى الاستدلال على أن هذه القصة ذات أصول عربية، من بينهم المستعرب الإسباني فرناندو دي لا غرانخا والدكتور علي البمبي . وقد أقام الإسبان أطروحاتهم في هذا الصدد على أساس أننا يمكننا أن نتلمس بعض أحداث الكتاب في مصادر عربية على غرار ما حدث بالنسبة إلى كثير من الحكايات الإسبانية في أواخر العصور الوسطى والقرنين السادس عشر والسابع عشر. ويرى بعضهم أن هناك في القصة الإسبانية تتشابه مع حكاية وردت في كتاب “المحاسن والمساوئ” للبيهقي .
ويؤكد فرناندو دي لاغرانخا أن هذه الحكاية أوردها مؤلف أندلسي هو أبو بكر محمد بن عاصم (1359-1426م) في كتابه “حدائق الأزاهر في مستحسن الأجوبة والمضحكات والحكم والأمثال والحكايات والنوادر”.
وهناك مصدر ثالث يُفترض أن مؤلف هذه القصة الإسبانية قد استقى منه بعض حكاياته ألا وهو كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني. أما المصدر العربي الرابع فهو “المستطرف في كل فن مستظرف” لشهاب الدين الأبشيهي المحلي (1388-1446م)، وهو كتاب في الأدب والأخبار.
إلا أن هذه الآراء أو الطروحات تستحق التوقف بعدها، إذ تُطرح تساؤلات عدّة حول كيفية انتقال هذه الحكايات أو الأصول العربية إلى الإسبانية. وهنا أورد الدكتور عبد الرحمن بدوي ثلاثة احتمالات في هذا الصدد حول كيفية انتقال النص العربي: فهل كان المؤلف الإسباني المجهول يعرف العربية، أم أن النصوص العربية ترجمت إلى الإسبانية، أم أن الحكاية قد وصلت إلى المؤلف شفهِيًا حيثُ يرجَّح أن يكون الناس قد تناقلوها في أواخر القرن الخامس عشر وأوائل القرن السادس عشر، ومن ثمّ استقاها مؤلف “يوميات صعلوك”. ويرى الدكتور عبد الرحمن بدوي أن الاحتمالين الأولين ضعيفان، ويعتد بالاحتمال الثالث فقط ، فالمؤسسة الرئيسة المسؤولة عن الترجمة في تلك الفترة كانت مدرسة طليطلة للمترجمين التي أنشأها الملك ألفونصو العاشر، الملقب بالحكيم، وكانت ذات توجه خاص فيما ترجمته عن العربية إلى اللاتينية والإسبانية.
والملاحظ أن كاتب القصة يتخذ ضمير المتكلم في القص، كما لو كانت ترجمةً ذاتية لنفسه. ويرى بعض الدارسين أن السبب في ذلك يرجع إلى طبيعة الحكاية التي حملت المؤلف على سردها في هذه الصيغة لكونها سيرة ذاتية. إلا أن آخرين يرون أن هذا الرأي مغاير للحقيقة فالكثير من الحكايات التي كتبت في إسبانيا في منتصف القرن السادس عشر كانت بصيغة المُخاطِب رغم اختلاف أنواعها . ومن هنا نجد أن هناك أوجه شبه بين هذه القصة وأسلوب “المقامات” لدى الهمذاني والحريري.
على أية حال لا يجب أن يكون هذا موضع غرابة في أدب كالأدب الإسباني الذي يدين بالكثير للأدب والثقافة العربية. غير أن هذا لا يمنع أيضا من أن تكون أوجه الشبه مجرد صدفة، ولا تجب المبالغة في تقدير التأثير العربي في هذا المضمار، فمن المؤكد أنه أكبر وأوضح في أعمال أخرى. هذا دون أن يُفهم من كلامنا أننا نُنكر هذا التأثير، فليس محض صدفة أن يولد هذا النوع من القصص في إسبانيا البلد الأوروبي الوحيد الذي عاش فيه العرب طوال ثمانية قرون، مخلفين وراءهم ما خلفوه من آثارٍ وتأثير في إسبانيا الماضي والحاضر، ولعل اسم العاصمة الإسبانية نفسها مدريد (مجريط في الحوليات العربية الأندلسية) وكونها العاصمة الأوروبية الوحيدة التي أسسها العرب وتحمل اسمًا عربيًا، خير دليل على هذا التأثير العربي في الذات الإسبانية.
ومن الملاحظ أن القصة تبدأ حيث تنتهي، فالجملة الأخيرة هي نواتها الأولى، إذ قال لاثاريّو في نهاية الكتاب “سأبلغكم بكل ما يحدث من الآن فصاعدًا”، الأمر الذي لا يترك مجالاً للشك في أنها تضمنت إضافات وتكملات شاركت في نسج خيوط القصة شيئًا فشيئًا .
أود أن أشير إلى أن ترجمة هذا الكتاب الذي بين أيدينا كنت قد أعددتها ونشرتها تحت عنوان “يوميات صعلوك” في جريدة “المساء” القاهرية بين عامي 1978 و1979. وكان هذا الجهد المتواضع ثمرة منحة صيفية حصلت عليها صيف 1978، للثلاثة أوائل الدفعة، عدت منها محملاً بالكتب وكان من بينها هذه القصة التي راقت لي في ذوقها فترجمتها ونشرتها على حلقات بعد أسابيع قليلة من عودتي من مدريد. وبعد قليل من ترجمتي نشر أستاذ الفلسفة الشهير الدكتور عبد الرحمن بدوي ترجمة للعمل نفسه في المعهد الإسباني العربي للثقافة في مدريد تحت عنوان حياة لاثريو دي تورمس، إلا أنها ظلت ضيقة الانتشار نظرًا لمحدودية التوزيع واختفاء هذا المعهد في الثمانينات بذوبانه في مؤسسات الوكالة الإسبانية للتعاون الدولي من أجل التنمية قبل مروره بعهد التعاون مع العالم العربي.
وقد آثرت نشرها الآن تحت هذا العنوان بدلاً من العنوان الأكثر انتشارًا “لاثاريّو دي تورميس”، نظرًا لخصوصية العنوان واستغلاقه على القارئ العادي غير الملم بآداب اللغة الإسبانية، بينما عنواني الأول، عنوان الشباب، لا أزال أراه مناسبًا، يعكس روح هذا العمل. وهناك عنوان جانبي لهذه القصة، جاء في النص الأصلي بالإسبانية، وهو: “حياة لاثاريّو دي تورمس وحظوظه السعيدة ومحنه”.
ولاثاريّوLazarillo، اسم الصبي بطل القصة، تصغير اسم العلم لاثارو Lázaro، ومقابله العربي لعازر، الاسم الإنجيلي المعروف الذي كان هو وشقيقتاه مرثا ومريم أصدقاء للمسيح. والاسم ككلمة، دون دلالتها الدينية، يعني مرشد أو دليل لشخص أو حيوان يحتاج إليه في انتقالاته، كالضرير. وقد صُغر اسم هذا البطل نظرًا لأنه صبي، واتخذ هذا الاسم صفة المرشد والدليل، فأصبح يُسمى من يضطلع بهذه الوظيفة الصيغة المصغرة من الاسم

مراجع وشروحات:
1- ماتيو آليمان إي دي إينيرو، Mateo Alemán y de Enero، ( 1547/1614م)كاتب ينتمي إلى العصر الذهبي في الأدب الإسباني وعُرف أساساً بقصته عن الصعاليك “غوثمان دي ألفراتشي) التي وضعت أُسس وخواص هذا الجنس الأدبي الإسباني المولد، وهي مشهورة بقصة الصعلوك. وقد نشرت على جزأين، وهي عبارة عن سيرة ذاتية، يحكي بطلها الأحداث على لسانه، وفيها يقوم بدور الصعلوك والتائب عن خطاياه. ومعروف أنها كانت أول قصة تحقق أكثر مبيعات “بست سيللر” في التاريخ بعد أن تُرجمت إلى لغات عدة هي: الإنجليزية، والإيطالية، واللاتينية، والألمانية، والفرنسية. وقد تركت أثرها في أدب أوروبا كلها. ويقال إنها أول رواية حديثة وهي الصفة التي تُطلق على دون كيخوتي أيضًا، بل إن ثيربانتيس نفسه تأثر بماتيو أليمان
2-José García López, Historia de la literatura española, Barcelona 1970.
P. 184
3- د. علي عبد الرؤوف علي البمبي، المقامات وباكورة قصص الشطار الإسبانية، كتاب الرياض، الرياض، السعودية، 1997.
Fernando de la Granja, “Nuevas ideas a un episodio del Lazarillo de Tormes”, en Al-Andalus, vol.XXXVI (1971), pp. 223237
4- د. عبد الرحمن بدوي (ترجمة وتقديم وتعليق)، حياة لاثريو دي تورمس، المعهد الإسباني العربي للثقافة، مدريد، 1979.
5- Francisco Rico, La novela picaresca y el punto de vista, Seix Barral, Barcelona, 1976. Pp. 25-26
5- ختامًا أود أن أشير أنني راجعت القصة في أيام معدودة نظرًا لضيق الوقت الذي يفصل بين بدء المشروع على يد “دار المعارف” ومعرض كتاب القاهرة الدولي في دورته 49، لعام 2018.