أحوال عربية

ما وراء الاهتمام الروسي المتزايد بلبنان

فادي قدري أبو بكر
ــــــــــــــــــ
تناولت وكالات أنباء وصحف دولية مختلفة مسألة الاهتمام الروسي المتزايد بلبنان باهتمام بالغ، خاصةً بعد تناقل أخبار تتحدث عن اتفاق عسكري قريب بين لبنان وروسيا. حيث نشر الموقع الحكومي الروسي للوثائق والمعلومات بتاريخ 6/2/2018م نص قرار حكومي يمنح وزارة الدفاع الروسية صلاحيات إجراء المحادثات اللازمة مع الجهات المختصة في الجمهورية اللبنانية لبلورة الصياغة النهائية للاتفاقية.
وفقاً للقرار فإن مسودة الوثيقة التي تشكل أساساً للنقاشات بين البلدين عكست أبرز أوجه التعاون العسكري التي ستكون مدرجة في الاتفاقية، وهي تشتمل على تبادل المعلومات حول وسائل الدفاع وتعزيز القدرات في مجالات الأمن الدولي، وتنشيط التعاون في مجال مكافحة الإرهاب، وتطوير العمل المشترك في مجالات إعداد الكوادر والتدريبات العسكرية وبناء القوات المسلحة وتبادل الخبرات المعلوماتية وإرساء آليات للتعاون بين جيشي البلدين في مختلف القطاعات العسكرية .
تسعى موسكو إلى توطيد علاقتها مع بيروت، في إطار مساعيها نحو تعميق مشاركتها مع دول الشرق الأوسط ومنافسة النفوذ الأميركي في تلك العلاقات. وفي تحليل للمؤرخ العسكري الأميركي مايكل بيك حول الاهتمام الروسي الحالي المتزايد إزاء لبنان يرى بيك أن: ” روسيا أدركت منذ الحرب الباردة أهمية الشرق الأوسط، إلا أن سياساتها المتبعة داخلياً خلال الفترات الماضية، أعطت لأميركا النفوذ، وحالياً تحاول استعادته أو منافسة واشنطن عليه، خاصة في الوقت الذي أبدت فيه الإدارة الأميركية خاصة إبان ولاية أوباما، الانسحاب تدريجيا من الشرق الأوسط “.
إن كان الاهتمام الروسي بلبنان يتعلق بالمنافسة مع عدوها التقليدي (الولايات المتحدة الأميركية) في الشرق الأوسط، فإن توقيت هذا الاهتمام لا يمكن فصله عما يجري في سورية، وعليه فإن سيناريوهان متعلقان فيما وراء هذا الاهتمام الروسي يمكن الخروج بهما على النحو الآتي:-

الهجوم أفضل وسيلة للدفاع
السيناريو الأول المتعلق بدلالات توقيت الاهتمام الروسي بلبنان، يمكن ترجمته في سياق القاعدة التي تقول “الهجوم أفضل وسيلة للدفاع”، بمعنى أن موسكو تكتفي بالإنجازات التي حققتها في الأرض السورية، وتعمل على تثبيت هذه الإنجازات وتأمينها عبر التقدم نحو لبنان.
يأتي هذا السيناريو، متناغماً مع المصادر الميدانية التي تتحدث عن تقدم ميداني لجيش النظام السوري في الغوطة الشرقية .

اكتساب نقاط قوة للتفاوض المستقبلي
السيناريو الآخر يتعلق بطموح موسكو نحو اكتساب نقاط قوة للتفاوض المستقبلي بشأن الملف السوري. حيث أن استمرار تدخل واشنطن في الأزمة السورية يشكل عائقاً أمام السيطرة الروسية الكاملة في الملف السوري.
في نفس السياق، أكد مساعد سكرتير مجلس الأمن الروسي لشؤون الأمن الدولي ألكسندر فينيديكتوف أن “هناك قرابة 20 قاعدة عسكرية أمريكية في منطقة سيطرة وحدات حماية الشعب الكردية بسورية، وأن أمريكا تحتل عملياً منطقة على طول 55 كيلومتراً حول التنف على الحدود السورية الأردنية “. ومن هنا فإن النظرة الروسية إزاء لبنان، قد تتعدى كونها نابعة من منافسة النفوذ الأميركي في تلك المنطقة، إلى امتلاك موقف أكثر قوةً على طاولة المفاوضات القادمة المتعلقة بالملف السوري.

و لطالما كانت سورية بوابة برية للبنان ومتنفساً اقتصادياً، وفي ظل تركيبة لبنان الديمغرافية، فإن لبنان يعتبر البلد الأكثر تأثراً من الأزمة السورية. ومن هنا فإن تصاعد الاهتمام بهذا البلد الصغير من قبل الأطراف الممسكة بخيوط اللعبة في الحرب السورية الدائرة، شيء طبيعي للغاية.
إن توجه موسكو لترسيخ العلاقات الروسية-اللبنانية في هذه المرحلة، ينبع من منطلق استراتيجي سياسي وعسكري يهدف إلى تأمين وتثبيت النفوذ الروسي في سورية، إلى جانب اختراق النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط.