ثقافة

الفلسفة في زمن الكراهية

 

 

 اليوم العالمي للفلسفة تقليد سنوي اقرته منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) في الخميس الثالث من شهر تشرين الثاني من كل عام، وله عنوان وموضوع مختلف من عام الى آخر، والعنوان الذي تم اقراره هذا العام هو (السلام والتسامح العالمي)، وذلك بسبب التطرف والعنف والحروب والدمار والكراهية التي اصابت العالم في كل دوله وشعوبه ومجتمعاته، من قبل الحركات الارهابية التكفيرية المتطرفة التي انتشرت بصورة غير طبيعية في العالم، والتي تتغذى على افكار وايديولوجيات عنفية دموية تدميرية لا تمت للانسانية بصلة، ولا علاقة لها بأي اخلاق او اديان او فلسفات رحمانية وفاضلة، فوحشيتها وعدوانيتها وكراهيتها وعنفها واضح للعيان، وهذه الحركات الارهابية المتطرفة معادية تماماً لكل خلق فاضل ولكل حكمة وفضيلة وسلام، لانها حركات ضالة وغير متوافقة مع ذاتها وتعاني من جهل وهمجية وعدوانية في منظومتها الفكرية وخطابها مع الآخر.

منذ بدأت الحياة على هذه الارض بدأ الصراع بين الخير والشر، والحق والباطل، والفضيلة والرذيلة، ولم يكن هذا الصراع بين اناس من كوكب الارض واناس من كوكب آخر، بل كان الصراع على هذا الكوكب من قبل الانسان تجاه أخيه الانسان، ومورست اشد العدوانية والكراهية على هذه الارض منذ اول وهلة، حيث قتل قابيل اخاه هابيل، وتلطخت يد الانسان الشرير بالدماء، بينما الانسان الخير والحكيم كان منطقه السلام والتسامح، فلم يرتضي بلغة القتل والسوء والكراهية، كي لا ينشر الظلم والعدوان والدماء بين الناس، واوضح القرآن الكريم هذه الصورة بقوله تعالى : ” لئن بسطت الي يدك لتقتلني ما انا بباسط يدي اليك لاقتلك اني اخاف الله رب العالمين اني ارُيد ان تبوء باثمي واثمك فتكون من اصحاب النار وذلك جزاء الظالمين فطوعت له نفسه قتل اخيه فقتله فأصبح من الخاسرين” سورة المائدة الآية 28ـ30 .

من هنا كانت البداية القاسية والمؤلمة مع قصة الخير والشر، والتي افرزت نمطين من التفكير وصورتين من الانسان، التفكير السقيم والتفكير السليم، الانسان الشرير والانسان الخير الحكيم الذي يفكر بمنطق التسامح والمحبة والعاطفة والسلام، بينما منطق الحرب والقتل والكراهية كانت صفات الانسان العدائي المتطرف الذي تلطخ بدم اخيه الحكيم .            

ان معركة الفكر والفلسفة ضد الهمجية والتخلف معركة قديمة جداً قدم الوجود الانساني، وتحاول الفلسفة دائماً ان تقدم ادلتها وتشهر افكارها الانسانية والسليمة للانتصار على الباطل والجهل والافكار الظلامية وتحاول ان تصحح النزعة التدميرية والشريرة لدى الانسان المتطرف والجاهل الذي يجهل فضائل التفكير والفلسفة والبحث عن الحقيقة، وتحاول الفلسفة دائماً ان تحطم الاصنام، بشتى صورها واشكالها، وتزيل الادران التي تقبع على عقول وقلوب الكثيرين من البشر.

ليس هناك ادنى شك من ان للفلسفة دور كبير في بناء واحياء الشعوب والمجتمعات، فكرياً وثقافياً وتربوياً وانسانياً، فقيمة الفلسفة كبيرة جداً في حياة الانسان، ويكفي عظمتها انها نمط من انماط الوعي والتفكير مستقل بذاته وتختلف عن الانماط الفكرية الاخرى بخصائصها المعروفة من حيث النقد والتحليل والتركيب والمنطق والبرهان العقلي ومحاربة المسلمات، ومعروف في مجال الفكر الفلسفي ان الفلسفة تؤمن بالاختلاف والتنوع والتعددية في الفهم والوعي، وان هذه الحقيقة او الصفة هي التي انجحت الفلسفة ونمت مفاصلها، وحقق نجاحها وديمومتها التواصلية والمعرفية، ولا قيمة لفلسفة ما من دون وجود لهذه الحقيقة.

وتاريخ الفلسفة يؤكد لنا التعدد في الفلسفات، واختلاف الفلاسفة في طروحاتهم، وهي عرضة للاخذ والرد والنقد، ولكن من دون تكفير وطعن وتحقير، لانه عندما يشيع هذا النمط الاخير من الاساليب فكرياً تتحول الشعوب والمجتمعات الى بؤرة للتعصب والعنف والادلجة، ويشيع نمط معرفي وفكري وثقافي واحد لا يؤمن بتعددية الحقيقة بل بتفردها واستبدادها، وعندها يسود شعار الفكر الواحد والتفرد بالرأي (الفرقة الناجية) هو الشعار السائد في مجتمعات الاقصاء والتهميش.

والتفكير الفلسفي، يرفض التكفير الفلسفي والفكري والديني والثقافي رفضاً مطلقاَ، ويحد منه، عن طريق اشاعة حرية التفكير والنقد والتعمق بوعي حقائق الامور وماهياتها، وترسيخ قواعد الحوار واخلاقيات التعامل الانساني والعيش المشترك ، وتعدد الفهم والحقائق وتنوعه هدف اساسي تقصده الفلسفة وتدعو له، وهو سر كبير من اسرار بقائها ونجاحها في حياة الشعوب والامم الحيوية والحية.  

الوعي الفلسفي وعي متجدد ومتسامح ورحب لا يؤمن بالحقيقة الواحدة المطلقة، بل بتعدد وتنوع الحقائق، وهذا التنوع والاختلاف سنة الهية كونية صبغ بها الناس والمجتمعات والمخلوقات اجمع، فليس هناك عقل مطلق وواحد، بل عقول وحقائق متعددة وسيلتها المنطق والعقل والحوار.  

والفلسفة نمط من انماط التفكير ترفض النمطية، ونسق معرفي لا يؤمن بالنسقية الجامدة، وطريق حق لا يتزمت لحقيقة، وكل هذا وذاك تشكل معالم صورة الفلسفة لدى الكثيرين من المختصين وغيرهم.

ان صورة الفلسفة هذه وصفاتها العقلانية والانسانية جعلت كثير من البشر لا يطيقونها وينفرون من المشتغلين بها، لانها تقوم على النقد والكشف عن الحقائق ومحاربة الافكار الفاسدة والزائفة، وايقاظ الناس من سباتهم الدجماطيقي وتقويض افكارهم المطبوخة كما يقول وليم جيمس. ولان الفلسفة هي ايضاً ليست نوع من انواع الخطابة ولا من الجدل الكلامي وانما من عالم البرهان كما يسميها ابن رشد، ولذلك هذا الامر جعل الكثير من الناس يثيرون على الفلسفة والفلاسفة لانهم صوت الحق والحقيقة، وهم من يوقض الامة من كل غفلة وكسل معرفي او اخلاقي او سياسي او اجتماعي، ودائماً الفيلسوف يحمل راية الثورة والتغيير والتنوير والاصلاح في مجتمعه، ولذلك فكثير ما يتم مواجهته ورفضه واقصائه وتصفيته او نفيه، وتاريخ الفلسفة مليء بقصص الفلاسفة الذين اضطهدوا وعوقبوا على ايادي الحكام او الطبقات السياسية والدينية المتشددة، وهذا ما حدث مع فلاسفة ومفكرين احرار كثر بدءاُ من سقراط وابن رشد وجيوردانو برونو وغاليلو ومحمد باقر الصدر وعلي شريعتي وغيرهم من شهداء الفكر والثقافة الحرة والفلسفة.

لقد عمل الفكر الارهابي التكفيري المتطرف على الغاء دروس واقسام الفلسفة من المدارس والجامعات في الاراضي والبلدان التي سيطر عليها هؤلاء، لانهم يدركون ان عدوهم الحقيقي هو الفكر والثقافة والفلسفة والمعرفة، وانتشار ذلك يعني زيادة الوعي بين الناس بكثرة وينمي افكارهم وبالتالي يسقط سلطتهم المعرفية الهمجية ويعري زيف عقولهم السوداء وفكرهم النتن الذين يحركهم ويحدد مسارهم الاجرامي تجاه الانسان والعالم.

ولذلك علينا ان نتمسك بقوة في اشاعة الفكر الفلسفي والفكر التعددي والتعايش بين البشر، لانه الفكر الكفيل في خلاصنا من الافكار المتطرفة ومن النزعة التفردية وهيمنة خطاب الفرقة الناجية والطائفة المنصورة. ان الفلسفة هي العلاج الوحيد القادر على نشر ثقافة الحب والتعايش والتسامح والسلام بين البشر ومغادرة الافكار العدوانية المتطرفة، انها تؤمن بالاختلاف والتنوع والحرية وكرامة الانسان باختلاف صوره والوانه، لان الوجود الانساني قيمة عليا تدافع الفلسفة عنه وتسعى للحفاظ عليه وفق منطق عقلاني انساني، رافضة كل الصور والافكار التي تريد مسخه وتلقي به في منزلقات وازمات ومتاهات لا مخرج له منها، كما هو حالنا اليوم في زمن الكراهية والتطرف والارهاب، الذي جعلنا شعوباً وقبائل متناحرين متخاصمين يقتل بعضنا بعضاً ويفجر بعضنا بعضاً دون رحمة او عدل او عطف يذكر، وهذا ما نرفضه تماماً من خلال السعي لاصلاح منظومتنا الفكرية والمعرفية والاجتماعية بسيادة العقل والمنطق وتنوير الروح والوجدان.      

 

د. رائد جبار كاظم