أحوال عربية

ما هو سبب الانقلاب الفرنسي ؟

 يوصف تغير موقف فرنسا الرسمي من النزاع الداخلي  في  سوريا  بأنه إنقلاب  نتج عن التفجيرات  الإرهابية  في العاصمة الفرنسية لكن الحقيقة   هي أن الدولا لا يمكن أن تغير مواقفها المبدئية  من موقع رد الفعل  خاصة عندما يتعلق الأمر بدولة كبرى مثل فرنسا فما هي أسباب  تغير الموقف الفرنسي من نزاع   سوريا.
   نقلت الصحف الفرنسية ليكسبرس ولوفيغارو  وصحف بريطانية أبرزها ذي غارديان في الأسبوع الأول  من شهر دسمبر  تصريحات  وزير خارجية فرنسا فابيوس حيث قال انه ليس من الضروري رحيل بشار الاسد قبل تحقيق تحول سياسي في سوريا وقال إن الحرب ضد الدولة الاسلامية داعش أمر حتمي الا انها لن تكون جدية إلا اذا اتحدت جميع القوى السورية والاقليمية ضدها . وان الوصول الى سوريا موحدة ياتي عن طريق التحول السياسي المطلوب. وهذا لا يعني بالضرورة ان الاسد يجب ان يرحل قبل تحقيق التحول المطلوب مع وجود ما يضمن ذلك في المستقبل” .
ولعلنا ندرك الان سر هذا الانقلاب في تصريحات الوزير الفرنسي بعد ان إسقطت تركيا طائرة عسكرية روسية الأسبوع الماضي مما ادى إلى توتر العلاقات بين موسكو وأنقرة. اضف الى كل ذلك دخول روسيا الحرب بقوة وشجاعة ضد تنظيم الدولة داعش   وكذلك بدء سلاح الجو الفرنسي بشن غارات جوية ضد داعش في سوريا في أعقاب الهجمات الارهابية الدموية التي تبنتها داعش والتي قعت في باريس الشهر الماضي **. ومن جهة اخرى صوت مجلس العموم البريطاني بالموافقة على قيام سلاح الجو الملكي البريطاني بشن هجمات جوية على تنظيم الدولة داعش في كل من سوريا والعراق. ولا يفوتني ان اذكر دخول المانيا على الخط لتقديم ما يمكن تقديمه لحلفائها . ومن هنا نفهم الموقف المتازم المستمر على المسرحين السوري والعراقي منذ تصريحات الوزير الاولى قبل اربع سنوات وحتى اليوم والاسباب الواضحة التي دفعته ان يغير موقفة الفاشل في تحقيق المستحيل الذي صرح به سابقا ضد الرئيس بشار الاسد .                             
 ويبدو للمتتبع لتصريحات لوران فابيوس وزير خارجية فرنسا خلال مناقشات جلسة مجلس الامن حول الوضع في سوريا في سبتمبر 2012، وفي المؤتمر الصحفي الذي عقده بعد ذلك مع نظيره وليم هيغ وزير الخارجية البريطانية قبل استقالته، سيجد الغرابة في مفردات لغة هجومه على النظام السوري وشخص الرئيس بشار الأسد بالذات. فمن تصريحاته المتعددة المتشددة : بان فرنسا ستتدخل بالقوة في سوريا دون الرجوع لمجلس الأمن وان بشار سيسقط حتما وسيفتح العالم العربي عيونه على جرائمه الكبرى. وان من يسقط في الحرب الدائرة في سوريا هو بمثابة خسارة وان علينا ان نفكر بالدعم فيما يجب ان نتخذه بعد سقوط بشار…. وبناء على تردي الاوضاع على الساحة السورية قررنا رفع مساعاداتنا المالية بخمسة ملايين يورو في هذا البلد الشجاع الذي اصبح الوضع فيه لا يطاق…. وعلينا طلب انعقاد محكمة العدل الدولية لتقديم المجرمين ومحاكمتهم فالاسد مجرم ومطلوب محاكمته .. واني اقول مع هيغ وزير خارجية بريطانيا للسوريين ان الاسد سيسقط لا محالة .. ولكننا لا نسمح بسقوطكم ولقد اتخذنا موقفا واضحا وصريحا بدعم المعارضة السورية “.
علق الكاتب البريطاني روبرت فسك على كلمات فابيوس هذه في مقالة له بالانديبندنت البريطانية في 2 سبتمبر 2012 قائلا : ” عندما استمع وزير الخارجية الفرنسي فابيوس الى قصص معاناة اللاجئين السوريين وما لاقوه من اضطهاد في سوريا اعلن ان بشار الاسد لا يستحق البقاء على وجه هذه الارض . لقد كانت كلماته اشبه بثرثرة الاطفال من ان تكون لغة تهديد ووعيد وفي الحقيقة كانت تبدو سخيفة تماما كما كانت تطلق من بعض الدكتاتوريين العرب ” .
لقد ادهشتني في حينه هذه التصريحات من الوزير الاشتراكي الذي لو كان من اليمين الفرنسي لقلت والله ان الامر ممكنا . ولو جاءت من وزير خارجية اسرائيل سنفهمها ايضا . ولو كانت من قطر والسعودية او تركيا فالوضع مقبول ايضا بعد ان اعلنت هذه الدول عن مواقفها الصريحة ضد سوريا . فابيوس المولود عام 1946في باريس من عائلة يهودية انقلبت الى المسيحية الكاثوليكية ونشأ متشبعا بتعاليمها، يصبح من السهل ان نعرف كيف وصل الى اعلى المناصب في الدولة حيث تقلد رئاسة الوزراء بعد مناصب وزارية عدة في رئاسة متيران عام 1984 واختير لوزارة الخارجية بعد فوز هولاند برئاسة الجمهورية الفرنسية. ولا ادري كيف وصلت بالوزير الفرنسي الشجاعة ان يتهم رئيس دولة بالاجرام ويطالب تقديمه الى محكمة العدل الدولية ؟! وليس غريبا فقد سبقه الرئيس الامريكي بوش الابن ما قاله عن صدام حسين قبل غزو العراق عام 2003 . لقد سبق وان اشرت الى ما كتبه الصحفي روبرت فسك منتقدا هؤلاء السياسين، وبالاخص مندوبة الولايات المتحدة الامريكية متهما اياهم بالنفاق والكذب واللامصداقية حول مواقفهم المتحيزة ضد النظام السوري. بتاريخ 29 يوليو2012كتب فسك مقالة اخرى تحت عنوان : الحرب في سوريا .. حرب الاكاذيب والنفاق .. ذكر فيها : ” ان هدف الغرب الحقيقي هو ليس نظام الاسد وانما حليفته ايران واسلحتها النووية . وقال فيها …هل شهدت منطقة الشرق الاوسط حربا بمثل هذا النفاق ؟ حربا بمثل هذا الجبن والاخلاق الدنيئة وبمثل ذلك الاعلام الكاذب والاذلال المقيت . انني لا اريد الحديث عن الضحايا في الماساة السورية وانما اقصد الحديث هنا عن اكاذيب سادتنا وعن الراي العام الغربي والشرقي”.
اليوم تتكشف لنا خيوط المؤامرة   على احتلال الموصل ومؤخرا غزو القوات التركية الاراضي العراقية ، واصبح النفط والطائفية العاملان المحركان لكل الاطراف المشاركة فيها، كل هذا يؤكد لنا ان تركيا مع دول الخليج وبالذات قطر والسعودية الى جانب مسعود البرازاني والعملاء العراقيين الاخرين وحليفتهم اسرائيل جميعهم يسعون الى وقف تدخل ايران وقطع مساعداتها عن العراق وسوريا في الحرب الدائرة على داعش، بينما هم جميعا يدعمون الارهاب ويساهمون في مخطط تقسيم العراق وعزل الموصل ومدهم داعش بالمساعدات الى جانب دعمهم قوات المعارضة السورية وداعش التي تقاتل ضد سوريا. وبدون شك ان الازمة ستشتد لان دخول كل من فرنسا وبريطانيا وحتى المانيا الى جانب الولايات المتحدة الامريكية الحرب على اراضي دول اعضاء في المنظمة الدولية دون موافقة مجلس الامن من جانب ودخول روسيا من جانب اخر امر يكاد ان لا يصدق لان هذه الدول الكبرى بكل امكانياتها وقوتها لا تستطيع القضاء على عصابات تنتشر في اماكن معينة ومعروفة على الاراضي العراقية والسورية طوال تلك السنين. فهل ان داعش عصابات ام دولة عظمى ؟ ان عقد المؤتمرات هنا في العاصمة فيينا وغيرها لبحث الازمة السورية او العراقية سوف لن يجدي نفعا لان المعادلة صعبة والحرب ستطول والعراق وسوريا اصبحتا بلا “حل وربط ” والماساة مستمرة . المطلوب ان تعقد جميع تلك الاطراف مؤتمرا دوليا بطلب من مجلس الامن لوضع الحلول المناسبة والسريعة من اجل وقف المآساة التي امتدت ابعادها حتى الى المجتمعات الاوربية وتحقيق السلام الشامل في المنطقة .