أحوال عربية

يوم سحب جمال عبد الناصر إستقالته بضغط من الجماهير المصرية والعربية ٥٤ عاماً على تسعة وعشرة يونيو ؟!

محمد النوباني

بداية لا بد من الإشارة إلى حقيقة مهمة وهي أن حرب الخامس من حزيران عام ١٩٦٧،التي مرت ذكراها الرابعة والخمسين قبل ايام،لم تكن نكسة بل كارثة كبرى لا زالت الامة العربية تعاني من نتائجها حتى يومنا هذا ولذلك فإن الكتابة المتجددة عنها وعن زعيم الامة الراحل جمال عبد الناصر ليس إجتراراً للماضي كما يعتقد بعض السذج بقدر ما هي مسألة لها اهمية راهنة.
وغني عن القول ايضاً بإن تلك الحرب التوسعية كان واحداً من ضمن اهم اهدافها، بعد إحتلال الارض هو الإطاحة بقائد عظيم مثل الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.
فقد كان بقاؤه في الحكم يشعر إسرائيل وعملائها العرب وحماتها في امريكا والغرب بخطر شديد على مصالحهم.
وحتى نحدد اكثر فقد كان هناك تحالف دولي عابر للحدود والقارات متضرر جداً من سياسات عبد الناصر التحررية المعادية للإمبريالية والصهيونية والرجعية العربية والعالمية ويرى بإطاحته وحتى بالتخلص منه جسدياضرورة لامن وإستقرار المنطقة بمفهومهم.
عود على بدء فقد بات معروفاً بهذا الصدد أيضاً ان ملك السعودية الراحل فيصل بن عبد العزيز طلب من الرئيس الامريكي لوندون جونسون قبل نكسة العام ١٩٦٧ بفترة وجيزة الايعاز لحكام إسرائيل بتوجيه ضربة عسكرية لعبد الناصر معتبراً بأن ذلك هو السبيل الوحي لإجباره على سحب قواته من اليمن وتركها للسعودية لكي تسيطر عليها وتنهب خيراتها ولوضع حد لتهديده الوجودي لإسرائيل. ورغم أن اسباب هزيمة الخامس من حزيران ١٩٦٧ تعود لجملة من العوامل والاسباب التي لا علاقة مباشرة لعبد الناصر بها ومنها ضخامة وتعدد القوى الإقليمية والدولية ألمشاركة في المؤامرة، و وخيانة وتقصير بعض القادة العسكريين، وجملة من الأسباب والعوامل الموضوعية والذانية الاخرى التي لا مجال للتوسع في الحديث عنها في هذه المقالة إلا ان الزعيم الخالد أصر بشجاعتة المعهودة على تحمل المسؤولية كاملة عن حدوثها بصفته المسؤول الاول في البلد.
واعلن في ألخطاب التاريخي الذي القاه عبر محطات الإذاعة والتلفزة المصرية مساء التاسع من حزيران عام 1967 عن قراره تقديم إستقالته من منصبه رئيسا للجمهورية والعودة إلى صفوف الشعب بصفته مواطناً عادياً ليواصل الكفاح مع الناس وإلى جانبهم من أجل تحرير الأرض المحتلة وإزالة آثار العدوان.
ولا أبالغ بصفتي احد الاشخاص الذين عاصروا حقبة جمال عبد الناصر ان قلت بأن وقع خبر تنحي عبد الناصر من منصبه وتقديم إستقالته الى نائبه السيد زكريا محيي الدين كان وقعها على الجماهير المصرية والعربية اشد ايلاماً من وقع الهزيمة نفسها لأنها كانت تدرك بأن أحد اهم أهداف حرب حزيران عام 1967 هو التخلص من عبد الناصر حتى لو ادى الامر إلى تصفيته جسدياً.
ولهذا السبب ففور إنتهاء عبد الناصر من إلقاء خطابه خرجت الجماهير المصرية والعربية إلى شوارع القاهرة وغيرها من المدن المصرية بمسيرات مليونية عفوية على مدار يومي التاسع والعاشر من حزيران مطالبة الزعيم بالعودة عن قراره ومؤكدة إصرارها على بقائه في منصبه ليتسنى العمل تحت قيادته على إزالة آثار عدوان الخامس من حزيران وتحرير ما إغتصب من أرض عربية.
ولم تبرح تلك الجماهير الشوارع إلا بعد أن تراجع عبد الناصر عن إستقالته معلناً أن جهوده في المرحلة المقبلة ستنصب على إعادة بناء الجيش المصري وتزويده بالسلاح الحديث لكي ينجز مسيرة التحرير.
وفي هذا الإطار لا بد من الإشارة إلى حقيقة مهمة وهي أن اعداء عبد الناصر،ومن ضمنهم، المرتد عمرو موسى امين عام الجامعة العربية ووزير خارجية مصر الاسبق كانوا يكذبون حينما ،زعموا بأن استقالة الزعيم الخالد من منصبه كانت مسرحية مفبركة و بان المظاهرات المليونية العفوية التي خرجت ألى شوارع القاهرة وغيرها من المدن المصرية يومي التاسع والعاشر من حزيران يونيو 1967 كانت بتنظيم وإشراف من المخابرات العامة المصرية.
فكل الحقائق تؤكد بان شعبية الرجل كانت جارفة وكذلك محبة الناس له وثقته به.
فمسيرات 9 و10 حزيران يونيو والتي خرج بها ملايين الاشخاص في وقت واحد وفور انتهاء الخطاب الشهير كانت عفوية.
وحتى لو سلمنا جدلاً بان تلك المسيرات كانت بترتيب من المخابرات المصرية فكيف يفسرون لنا بأن ملايين المواطنين العرب في شوارع غالبية العواصم والمدن العربية بما فيها تلك التي كان زعماؤها على خلاف مع عبد الناصر خرجوا ايضاً في مسيرات مليونية متزامنة مع مظاهرات مصر؟
وحتى لو تجاهلنا كل ذلك فكيف يفسرون لنا أيضاً أن اكثر من خمسة ملايين مواطن مصري خرجوا في جنازة جمال عبد الناصر الذي توفي في الثامن والعشرين من ايلول سبتمبر عام 1970 وهي الجنازة الاكبر في تاريخ مصر حتى يومنا هذا ؟ ناهيك عن مظاهر الحزن والجنازات الرمزية ومواكب العزاء التي خرجت في مختلف انحاء الوطن العربي حداداً على وفاته.
بقي القول ان الكتابة عن عبد الناصر ليست ترفاً فكرياً بقدر ما هي ضرورة راهنة لأن الصراع في الوطن العربي لا زال ورغم مرور اكثر من نصف قرن على رحيل الرجل هو صراع بين مواصلي نهجه وحملة رسالته التحررية من جهة ومنهم قوى محور المقاومة في فلسطين ولبنان وسوريا والعراق واليمن وإيران والمحور الصهيو-امريكي-الغربي -الرجعي العربي ومنهم امريكا وإسرائيل والسعودية والغرب من جهة اخرى.
ولمن يريد الإستزادة يكفي ان نذكره بما قاله قبل عامين ونصف ولي العهد السعودي محمد بن سلمان لوفد إنجيلي صهيو-مسيحي امريكي مؤيد لإسرائيل زار السعودية من ان جمال عبد الناصر والإمام الخميني هما السبب عن حالة عدم الإستقرار التي تعم الشرق الاوسط

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق