أمن وإستراتيجية

وقف التعاون وقطع الارتباط في أجهزة الأمن

بشير الوندي

تكلمنا كثيرا عن كسب وتجنيد المصادر والمخبرين والمتعاونين وكيف تحرص الاستخبارات على ديمومة العمل معهم وتنظيمهم , ورغم ان المصادر عناصر اجنبيه لكن تصرف لهم رواتب ومخصصات واجور علاج وحتى دراسة واجور سفر , ويتم دعمهم ماديا ومعنويا , الا ان هنالك ظروف حاكمة تفرض على الجهاز الاستخباري قرار بقطع العلاقة معهم , وهو جوهر مبحثنا هذا .

الاستخبارات مؤسسة مثل باقي الموسسات والوكالات الحكومية مع الفرق انها لا تقيد بقوانين التوظيف الحكومية , حيث انها تقدم خدمة ادارية لمستخدميها الاجانب من غير المواطنين خارج ضوابط العمل الحكومي.
ان العمل الاستخباري هو عمل عالي الخطورة في كل مفاصله , ولكن درجة مخاطرة العميل المجند المتواجد في كنف العدو هي بالتأكيد الاعلى على الاطلاق لانه يعد خائناً , ولانه يسعى وراء معلومات سرية , وفي اغلب الحالات فإنَّ عقوبته الموت .
ان عملية تجنيد المصادر والمخبرين والمتعاونين عملية صعبة ومعقدة وتحتاج الى موارد وجهود كبيرة (انظر مباحث في الاستخبارات (20) تجنيد العملاء), ولايوجد جهاز استخباري الا ويتمنى ان تكون له اذرع في كل مكان لاسيما في مفاصل العدو الهامة , وبرغم ذلك فإن العمل الاستخباري هو ابعد مايكون عن العواطف , وبالذات في علاقته مع العملاء مهما علا شأنهم واهميتهم , ومن هنا فإن للجهاز الاستخباري اولويات وتحديات امنية وتنظيمية وادارية وعملياتية ومالية تفرض عليه ان يتخذ قرارات لابد منها بقطع علاقته مع مجموعة من المصادر والمخبرين والمتعاونين .
ان عملية تغيير المخبرين حسب حاجه الجهاز الاستخباري و تحديد عملية التهديف للوصول الى الاهداف المطلوبة هو عمل مستمر في اجهزة الاستخبارات , فالتوظيف يجب ان يكون مقابله تسريح وقطع ارتباط وانهاء خدمات , حتى تستمر عملية تطوير الجهد الاستخباري , حيث تعتبر عملية التجنيد وقطع الارتباط عملية دورية مستمره باستمرار عمل الاستخبارات .
ان قطع الارتباط لا يتم بقرارات فردية , بل من خلال لجنة في مركز الجهاز تتشكل من مركز الجمع ومركز التحليل وامن الجهاز لدراسة وتقييم ملفات المرتبطين , فقطع الارتباط عمل ايجابي لكن بعض موارده سلبي جدا وتعتبر فشل في الجهد.
ومما يسهل قطع الارتباط من الناحية العملية هو ان المؤسسات الاستخبارية هي الاكثر سرية عالميا بعد التنظيمات الارهابيه السرية , ويعتبر تنظيم شبكات سرية هو العمل الابرز لاجهزه الاستخبارات , ويستطيع ضابط الارتباط من ادارة الخلية الاستخبارية وقيادتها لكن الخلية تكون غير متواصلة مع بعضها حتماً , ويعمل كل مصدر بشكل منفرد مع ضابط الارتباط , ومن ثمَّ فإن قطع الارتباط بالعملاء هو عمل محسوب المخاطر (انظر مباحث في الاستخبارات (78) الارتباط السري) .

انواع واسباب قطع الارتباط

ان قطع الارتباط هو قرار في منتهى الصعوبة , ولابد من توافر اسباب هامة لإتخاذه , وقد تكون اسباب قطع الارتباط بسبب تقصير من جانب العملاء او من جانب الجهاز الاستخباري , وفي بعض الاحيان لايوجد اي تقصير من الجانبين الا ان الظروف تحكم اتخاذ مثل هذا القرار , وفي بعض الاحيان ينتهي قطع الارتباط بتوابع بعضها يصل الى التصفية كما سنرى , وفيما يلي بعض اشهر انواع قطع الارتباط :
1- قطع الارتباط المنجز: هو يتم نتيجة انتفاء الحاجة بسبب انتهاء الواجب المنوط بالمتعاون , فأحياناً تكون الاستخبارات قد استهدفت عصابة او مافيا مخدرات او تجارة سلاح او غسيل اموال او تزوير او تنظيم ما , وتمتلك مخبر ضمن هذا التنظيم العصابي وهي بحاجة الى خدماته , وبعد الانقضاض على هذا التنظيم العصابي وتفكيكه من قبل اجهزة الامن والشرطة تنتفي الحاجة الى هذا المجند , وينتهى تعاونه , ويكافأ بترتيب وضعه القانوني او تخفيف الحكم عليه ومراعاة تعاونه ويوضع ملفه في الحفظ .
2-القطع الامني : ويتم هذا النوع عند الشك بالعميل او عدم الفائدة منه وفقدان الثقة به , حيث يكون المخبر غير موثوق به , فعندما تشك الاستخبارات بالمخبر او المصدر بأنه يوقع بالناس ويقدم تقارير كاذبة بقصد او بدون قصد , فحينها هنالك مساران , فإن كان مجنداً بشكل مزدوج , فيتم وضعه تحت تصرف امن الاستخبارات ومكافحة التجسس , وان كان كذّاباً ويريد ايذاء الناس , فهنا ايضا يتم قطع الارتباط معه , وفي بعض الحالات تتم تصفيته.
3- القطع التنظيمي: هو قطع يتم لغرض اعادة الهيكلة وتنظيم العمل في الجهاز , واحيانا تنقل خدمات المصدر من جهاز الى اخر حسب التخصص لمنع التضخم ومراجعة الانتشار , والسبب ان الاستخبارات تقوم بدراسة واعادة هيكلة لاذرعها , وخاصة الاستخبارات الداخلية او الجنائية , وترتيب الاصطفاف والحاجة للمخبرين وتعالج الكثافة والنقص جغرافياً , مثلاً في زمن داعش كان التركيز على تجنيد المخبرين في المناطق التي وقعت تحت تصرف داعش , لكن بعد تحريرها , يصبح لزاماً على الاستخبارات اعادة هيكلة اذرعها في تلك المناطق , لذا تقوم بتقييم للمخبرين وتبقي من تحتاج اليه وتنهي خدمات من لا تحتاج اليه مع وضع ارتباط ممكن له في اي وقت عند الضرورة.
4- القطع الموجه : ويتم عند تغير المتطلبات وعند تغيير الاهداف في الجهد الاستخباري , وقد يتحول الى القطع العنيف (كما سنورد ) , فاحياناً تتغير بوصلة العداء والحلفاء بين الانظمة السياسية والدول , كتصالح دول وتقارب دول وتنافر دول , مما يجعل المتطلبات متغيرة , وهذا التغيير يقلل او يزيد الحاجة للمتطلبات السرية التي تحتاجها الاستخبارات , مثلا في زمن طالبان زاد تجنيد المصادر من قبل الامريكان في افغانستان , بالتاكيد الان الحاجة اقل لوجود حكومة متعاونة مع واشنطن في كابول , فحين تغيير البوصلة تغيير المتطلبات.
5- القطع المالي : ويتم بسبب نقص التمويل والعجز المالي ونقص الميزانيات مما يضطر الاستخبارات الى تقليص الاعداد والجهد السري بسبب تراجع التمويل وشحة الاموال , والالتزامات الطارئة , فيصبح لزاماً ان يتم تقليص العدد.
6- القطع البديل : ويتم لعدة اسباب منها توفر مخبر ذو مدخل اقوى للمعلومات , وعند استخدام تكنلوجيا , فالتطور التكنولوجي احد اهم اسباب قطع الارتباط وخاصة في الاستخبارات المحلية والاقليمية , فامتلاك التكنلوجيا الحديثة يقلص بشكل ما من العنصر البشري.
7- القطع الجذري : عند انهيار النظام وسقوطه – لاسيما في بلدان العالم الثالث المتأرجحة – وامريكا اللاتينية وافريقيا , فحينها تتغير اجهزة الاستخبارات لارتباطها بالنظام المنهار , مما يؤدي الى قطع الارتباط بالجملة للمتعاونين .
8- قطع الفساد الاداري : او قطع الفوضى , ويتم بسبب فوضى ادارية ووصول قيادة جديدة للجهاز تعمل بمزاجيه مختلفة مما يتسبب في صراعات شخصية وفئوية ومناطقية , الامر الذي يتسبب بقطع ارتباط الجهاز مع متعاونين على حساب اخرين , ومثالها عندما يصبح شخص مديرا للجهاز (في البلدان المتخلفة )فيأتي باصدقاءه واقرباءه وعشيرته ليحلوا محل المصادر والمخبرين , وتقطع اموال المتعاونين وتعطى لهولاء , وبذلك يخسر الجهد الاستخباري المرتبطين على حساب الاقارب , وكذلك عند تصحيح الفوضى والعمل بمهنية فانه يتم تصحيح الامر بابعاد كل من جيء به بالواسطة لاسيما من العملاء الضعفاء في انتاجيتهم.
9- القطع الصامت : هو قطع مؤقت الغرض منه جعل شبكة عملاء تدخل مرحلة الصمت او ما يعرف بالخلية النائمة , احيانا لحمايتها وحماية المصدر , او للاحتفاظ بها لمهمة جديدة , فيتم قطع الارتباط بشكل مرحلي الى حين.
10- القطع الاختباري : عندما يكون المصدر مهماً , يوضع تحت مراقبة الجهاز للتاكد من صحة معلوماته وفحص درجة الثقة به واعادة التقييم والمراقبة , ويتم قطع الاتصال به لدراسة رد فعله وماذا يفعل وهل يبقى يعمل معهم او يذهب ببساطة و هل تتغير احواله , اي قطع لاجتياز اختبار
11- القطع العمري : وهو القطع الطبيعي بسبب التقاعد او تقدم العمر للمتعاون , فعندما يدخل الشخص في عمر التقاعد او يتقاعد من الدائرة التي كان يتجسس عليها سيعتبر مدخله المباشر للمعلومات قد انتهى , وقد يكون جند غيره للعمل مع مرجعيته الاستخبارية , وقد يكون اصيب بوعكه صحيحه تجعله غير قادر على الاستمرار , فتكرمه الاستخبارات وتحتفي به , وتمنحه مكافأة نهاية خدمة , وقد ينتقل للعيش في البلد الذي كان يعمل لصالحه ويمنح الجنسية , او يصبح مستشارا في مركز التحليل الخاص ببلده.
وهنالك قطع اخير ومهم وخطير فضلنا ان نفرد له عنواناً مستقلاً الا وهو القطع العنيف .
القطع الثاني عشر!!!

12- القطع الخفي او العنيف , يعتبر القطع العنيف من اسوأ حالات قطع الارتباط مع العناصر المتعاونة , وغالباً ما ينتهي بالقتل او الفضيحة وتدمير الشخص للتخلص من اية معلومة او سر قد يقوم المتعاون بتسريبه الى العلن انتقاماً , ولعل هذا النوع قد تكرر في العراق خلال السنوات الاخيرة .
ان هذا النوع من قطع الارتباط يتم مع نوع من الاشخاص المتورطين مع شبكات تجسس او تخريب دولية واقليمية للاطاحة بالنظام او لا يقاف مشروع اقتصادي او لضرب مؤسسة امنية , فعندما تقوم جهة استخبارية بتجنيد عناصر للاطاحة بنظام بالاسلوب الناعم اوالحراك الشعبي ثم تصل لمبتغاها او تفشل , ففي الحالتين تسارع لاحقا الى تنظيف ومحو آثار عملياتها , واولها قطع الارتباط مع الادوات , اي ان المشغل يقوم باطفاء العلاقة مع المستخدمين الرئيسيين المطلعين على المخطط والذين يعرفون اسرار برنامج الاطاحة واستلموا اموال ودعم , فيتم اتباع عدة اتجاهات ضدهم , مرة بالتصفية الجسدية والقتل للتخلص مما يعرفونه من اسرار , وتارة بالتصفية والاغتيال الاجتماعي والتشهير , من خلال عرض افلام فاضحه لهم , او مكالمات هاتفية , او كشف قضايا مخلة بالشرف , لغرض حذفهم من المشهد السياسي والاجتماعي وتحطيم مصداقيتهم .
واحياناً يضرب عصفورين بحجر واحد , فمن جهة يتم التخلص من العميل , ومن جهة اخرى يجعلونه شهيدا لديمومة زخم الاطاحة وتلطيخ سمعة الخصم , فهنا تعمل الاستخبارات المعادية على تنظيف ملفها لتبعد الاعترافات وكشف الاسرار لاحقا , وهذا النوع من قطع الارتباط يتم مباشرة بعد نجاح او فشل الاطاحة , وغالبا ما يكون بشكل اغتيال او بطريقة تفهم على انها انتحار , وهذا النوع تستخدمة الاستخبارات الدولية بشكل دائم .
والحقيقة ان الاستخبارات المحترفة لا تترك اصدقاءها المثقلين بالأسرار, بل تتخلص من حجم الاسرار التي يحملونها.

لاعواطف في العمل الاستخباري المحترف , فالجهاز الاستخباري يهمه الانتاج والاخلاص , وكما يسعى بدأب لكسب المتعاونين , فإنه يجد – في ظروف معينة – ان عليه تسريحهم والتخلص من تبعاتهم بالتكريم تارة , وبالإغتيال المادي والمعنوي تارة اخرى , والله الموفق.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق