دراسات و تحقيقاتفي الواجهة

هل يمكن تنفيذ التجربة الصينية لمحاربة فيروس كورونا (COVID- 19 ) في دول أخرى ؟

د فائق يونس المنصوري
ترجمة فائق يونس المنصوري

خلصت بعثة الخبراء التي أرسلتها منظمة الصحة العالمية الى الصين وبمشاركة عدد من الأطباء الصينيين إلى أن الانخفاض السريع في الحالات أمر حقيقي، لكنه جاء بتكلفة عالية. جاء هذا في المقال الذي نشرته مجلة Science العلمية في عددها المنشور يوم الجمعة الماضي 6 آذار 2020.

قبل بضعة أسابيع كانت المستشفيات الصينية تفيض بمرضى فيروس كورونا COVID-19، اما الان فقد أصبح فيها أسرة فارغة. وأمسى لا يمكن لتجارب الأدوية التجريبية العثور على عدد كافٍ من المرضى المؤهلين. وعدد الحالات الجديدة المبلغ عنها كل يوم في الصين صار ينخفض بسرعة.

هذه بعض الملاحظات المذهلة في تقرير نشره في 28 شباط 2020 فريق مكون من 12 عالمًا صينيًا و13 عالمًا أجنبيًا قاموا بجولة في خمس مدن في الصين لدراسة حالة انتشار وباء COVID-19 وفعالية استجابة البلاد لهذا الانتشار. حتى ان بعض أعضاء الفريق، الذي تم تنظيمه بالاشتراك بين منظمة الصحة العالمية والحكومة الصينية، قالوا إنهم فوجئوا بالإجراءات المتخذة. ويقول عالِم الأوبئة (تيم إكمانس) من معهد روبرت كوخ في برلين: “اعتقدت أنه من المستحيل أن تكون هذه الأرقام حقيقية”.

لكن التقرير لا لبس فيه. ويقول: “إن نهج الصين الجريء لاحتواء الانتشار السريع لمُمرض الجهاز التنفسي الجديد قد غيّر مسار الوباء المتصاعد والمميت بسرعة”. اما بالنسبة إلى (بروس أيلوارد)، عالم الأوبئة الكندي في منظمة الصحة العالمية والذي قاد البعثة وأطلع الصحفيين في بكين وجنيف الأسبوع الماضي على نتائج الجولة، فقد ذكر ان الجهد كان ناجحًا للغاية. “مئات الآلاف من الناس في الصين لم يصابوا بـ COVID-19 بسبب هذه الاستجابة الشرسة”.

ويقول (آيلورد) وأعضاء آخرون في فريق العمل إن على بقية العالم أن يتعلموا من الصين. لكن منتقدين يقولون إن التقرير فشل في الاعتراف بتكاليف حقوق الإنسان لأكثر الإجراءات قسوة والتي فرضتها الحكومة في الصين، من قبيل عمليات الإغلاق الهائلة والمراقبة الإلكترونية لملايين الأشخاص. فيقول (لورانس جوستين)، الباحث في قانون الصحة العالمي في جامعة جورج تاون: “أعتقد أن هناك أسبابًا جيدة جدًا للدول كي تتردد في استخدام هذه الأنواع من الإجراءات المتطرفة”. كما يخشى الكثيرون من ظهور المرض مرة أخرى بعد أن ترفع الدولة بعض إجراءاتها الصارمة للسيطرة وتعيد تشغيل اقتصادها، الذي تعرض لضربة كبيرة.

يأتي هذا التقرير في وقت حرج فيما يعتبره العديد من علماء الأوبئة وباءً ناشئًا. وبحسب منظمة الصحة العالمية، فإن عدد البلدان المتضررة يرتفع بسرعة، فقد بلغ 72 دولة. والأمر المثير للقلق، في العديد من هذه البلدان، ان الفيروس قد اكتسب موطئ قدم بسرعة وبدأ في الانتشار في تلك المجتمعات. لكن الحالات تراجعت في الصين.ففي 10 شباط 2020، وهو اليوم الأول للبعثة، أبلغت البلاد عن 2478 حالة جديدة. وبعد أسبوعين، عندما حزم الخبراء الأجانب حقائبهم، انخفض العدد اليومي الجديد في عدد الحالات إلى 409 حالة. (في 3 آذار 2020 انخفض بشكل أكبر إلى 129 حالة جديدة، مقارنة بـ 1848 في بقية العالم.) يبدو أن وباء الصين بلغ ذروته في أواخر كانون الثاني، وفقًا للتقرير.

سافر أعضاء الفريق إلى بكين وشنغهاي وغانغ شو وتشانغ دو والمدينة الأكثر تضررًا ووهان. حيث زاروا المستشفيات والمعامل والشركات وأسواق الحيوانات الحية ومحطات القطارات والمكاتب الحكومية المحلية. ويذكر (أيلوارد) انه “أينما ذهبت، وأي شخص تحدثت إليه، كان هناك إحساس بالمسؤولية والعمل الجماعي – ان هناك حرباً تجري لإنجاز الأمور”.

وكجزء من هذا الجهد، قام العلماء الصينيون بتجميع مجموعة بيانات ضخمة تقدم أفضل صورة متاحة للمرض. ويقول تقرير المهمة أن حوالي 80٪ من المصابين مصابون بأمراض خفيفة إلى متوسطة تتسم بالحمى وسعال جاف. وكان لدى 13.8 ٪ أعراضا شديدة، و6.1 ٪ لديهم نوبات تهدد الحياة من صدمة تنفسية أو فشل في الأعضاء. بينما كان معدل موت الحالات أعلى بالنسبة للأشخاص فوق سن 80 (21.9٪)، والأشخاص الذين يعانون من أمراض القلب أو السكري أو ارتفاع ضغط الدم، بنسبة 3.8٪ بشكل عام. وكان الأطفال يشكلون 2.4٪ فقط من الحالات، ولم يكن أي منهم تقريبًا مريضًا بشدة. واستغرق الأشخاص الذين يعانون من مرض خفيف ومعتدل أسبوعين في المتوسط للتعافي.

ويبرز التقرير كيف حققت الصين ما يعتقده العديد من خبراء الصحة العامة انه كان مستحيلا: احتواء انتشار لفيروس تنفسي منتشر على نطاق واسع. “فالصين ربما تكون الأكثر طموحًا، وسرعة استجابة في جهد احتواء هذا المرض العدواني في التاريخ، و”يلاحظ التقرير. ان الاجراء الأكثر درامية واثارة للجدل كان في إغلاق ووهان والمدن المجاورة في مقاطعة هوبي، ووضع ما لا يقل عن 50 مليون نسمة الناس تحت الحجر الصحي الإلزامي منذ 23 كانون الثاني 2020، وقد ساهم في “المنع بشكل فعال من نشر المزيد من الأفراد المصابين الى انحاء أخرى من البلاد”. ويخلص التقرير إلى ان معظم انحاء الصين لم تواجه مثل هذه الإجراءات الصارمة: فقد سُئل الناس، ولكن لم يُطلب منهم حجر أنفسهم إذا كانوا يشعرون بالمرض، وتتم مراقبة تحركاتهم من قبل قادة الحي (المختارون).

وقد قامت السلطات الصينية أيضًا ببناء مستشفيين مخصصين في ووهان في حوالي أسبوع واحد، وأرسلت العاملين في مجال الرعاية الصحية من جميع أنحاء الصين إلى هوبي، وأطلقت جهدا غير مسبوق لتتبع الاتصالات للحالات المؤكدة. وفي ووهان وحدها، تتبعت أكثر من 1800 فرقة عشرات الآلاف من الاتصالات. وشملت إجراءات “الإبعاد الاجتماعي” الشرسة البلد بأكمله بما في ذلك إلغاء الأحداث الرياضية وإغلاق المسارح والمدارس والشركات، وأي فرد يذهب الى خارج مكان العزل كان عليه ارتداء قناعٍ واقٍ.

وساعد تطبيقان للهواتف المحمولة يستخدمان على نطاق واسع في الصين هما، AliPay وWeChat – واللذين حلا في السنوات الأخيرة محل التعامل النقدي في الصين – ساعدا في فرض القيود، لأنهما سمحا للحكومة بتتبع حركات الناس بل وحتى منع الأشخاص المصابين بالعدوى المؤكدة من السفر. ويقول عضو البعثة (غابرييل ليونغ)، عميد كلية الطب لي كا شينغ في جامعة هونج كونج. “كل شخص لديه نوع من نظام إشارات المرور،” رموز الألوان على شاشات الهاتف المحمول، أخضر او أصفر أو أحمر يشير إلى حالة الفرد الصحية مما يتيح للحراس في محطات القطار ونقاط التفتيش الأخرى التعرف من تسمح له حالته بالمرور.

وجاء في التقرير “نتيجة لكل هذه الإجراءات، تراجعت نشاطات الحياة العامة بشكل كبير” لكن التدابير نجحت. وفي النهاية، نادرًا ما كان الأشخاص المصابون بالفيروس ينقلون العدوى لأي شخص باستثناء الأفراد الذين يعيشون معهم في نفس المسكن كما يقول (ليونغ). فحالما يتعرض جميع الأشخاص الذين يعيشون معا للإصابة، فسوف لن يكون هناك مكان آخر يذهب إليه الفيروس وتنتهي بذلك سلاسل الانتشار. “بهذه الطريقة حقاً أصبح الوباء تحت السيطرة”. كما يقول (ليونغ).

انه لأمر خاضع للنقاش في مقدار ما يمكن تطبيقه من هذه الإجراءات في مكان آخر، ” فالصين فريدة من نوعها في ان لديها نظاما سياسيا يمكنه الحصول على الامتثال العام لمثل هذه التدابير المتطرفة “حسبما يقول (لورانس جوستين). كما تتمتع البلاد أيضًا بقدرة استثنائية على توفير العمالة بكثافة، ويقول (جيريمي كونينديك)، وهو زميل سياسي رفيع المستوى في مركز التنمية العالمية: “لا أحد آخر في العالم يمكن أن يفعل ما فعلته الصين حقا.” ولا يجب عليهم ان يفعلوا ذلك، كما تقول المحامية (الكسندرا فيلان)، وهي متخصصة في الشؤون الصينية في مركز جورج تاون لعلوم الصحة العالمية والأمن. وتستطرد “هناك الكثير من الأشياء التي من شأنها العمل على إيقاف تفشي المرض والتي قد نعتبرها بغيضة في مجتمع عادل وحر “. ويحث التقرير الصين على “زيادة الوضوح في توصيل البيانات الدالة والتطورات الرئيسة دوليا “. ويشيد التقرير “بالالتزام العميق من جانب الشعب الصيني للعمل الجماعي في مواجهة هذا التهديد المشترك “.

وتتساءل (جنيفر نوزو) من كلية بلومبرج للصحة العامة بجامعة جونز هوبكنز عن ماهية تأثير استراتيجية الصين في علاج مرضى السرطان أو فيروس نقص المناعة البشرية، على سبيل المثال، من الذين تكون رعايتهم قد توقفت. “أعتقد انه من المهم عند تقييم تأثير مثل هذه الاستراتيجيات النظر في العواقب الثانوية والثالثية لها “.

فربما تكون الفوائد قصيرة الاجل، و”ليس هناك من شك في أنهم قمعوا تفشي المرض” حسبما يذكر يقول (مايك أوسترهولم)، رئيس مركز بحوث وسياسات الأمراض المعدية في جامعة مينيسوتا، وان الحد من ذروة عدد الحالات سيتيح الوقت للنظام الصحي للتعامل مع الحالات اللاحقة، ولكن بمجرد ان يتم رفع القيود “سوف يأتي المرض مزمجراً على الفور” كما يتوقع (أوسترهولم).

كان (آيلورد) والعلماء الزائرون الآخرون في الفريق على دراية تامة بالواقع المختلف من النظام السياسي السائد في البلاد، ولكنهم تحدثوا مع المئات من الناس في جميع انحاء البلاد وكان “الجميع متفقين مع المسلك الذي اتخذته حكومتهم.” ويأمل في ان نجاح الصين حتى الان سوف يشجع البلدان الأخرى على العمل بسرعة. ويذكر (آيلورد) أخيرا، اننا “نتلقى تقارير جديدة يوميًا عن فاشيات Outbreaks جديدة في مناطق جديدة من العالم، وشعور الناس هو التأوه وانهم لا يمكنهم فعل أي شيء”. بينما، مع الآسف، ان هناك حقا أشياء عملية يمكنهم القيام بها ليكونوا جاهزين وقادرين على الرد على انتشار الفيروس، وعليها يجب أن ينصب الاهتمام والتركيز. ”

د. فائق يونس المنصوري

مركز علوم البحار/ جامعة البصرة

………………..

المصدر:

Kai Kupferschmidt and Jon Cohen. Can China’s COVID-19 strategy work elsewhere? SCIENCE, 6 MARCH 2020 • VOL 367 ISSUE 6482, PP:

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق