ثقافةدراسات و تحقيقات

هل شكلوا ثقافة العالم في هوليود

محمد حسين يونس

قد يظن البعض أنني أعرض هذا الكتاب بمناسبة صدور ترجمته عن دار الطناني .. كدعاية لعمل ثقافي قام به صديق .. و هو الأمر الذى لم أرتكبه أبدا طول حياتي .. أن اصبح بوق دعاية …. و الحق أنني أعرض هذا الكتاب في إطار الإجابة علي تساؤلات مستمرة لدينا .. عن الجذور المسببة لأن يصبح البيت الابيض بكل جبروته و قوته .. أداة طيعة .. لفرض وجهة النظر الإسرائيلية علي المواطن الامريكي من جهه و علي التابعين له في منطقتنا من جهة أخرى ..إننا نشهد لحظة تغيير مأساوى في تاريخ هذا الوطن .. و لا ندرى ..ما هي القوى التي توجه وتأمر و تقود … فكل الامور تتم في الخفاء .. و في الحجرات المغلقةالمحاطة بالسرية .. فيما يشبه التأمر ..فيصبح الفهم عمل شاق للغاية .
بصراحة .. لا يهمني أن يوزع مصطفي الف كتاب أو عشرة فهذه مهنته التي يفهما أفضل مني .. و إن كنت أعتقد أن ما ترجمه يعتبر (تكست بوك).. سيرحب به الدارسون في معهد السينما أو اكاديمية الفنون .. و من علي شاكلتهم … و ليس القاريء العادى .
يبدو أن الأمر كان شديد السوء .. بحيث يصعب علي ابناء القرن الحادى و العشرين إستيعابه .. لقد كان فقراء اليهود في أوروبا الشرقية و روسيا القيصرية والمانيا مع بداية القرن الماضي يعانون من الإضطهاد و سوء الحالة الإقتصادية.. التي جعلت أعداد كبيرة منهم تهاجر إلي بلاد الفرص السانحة كما كانوا يطلقون علي امريكا
و لكن هناك .. لم يعيشوا في جنة عدن .. لقد كان عليهم الكفاح و الصراع ليجدوا موقع قدم بغابة لا تحترم إلا الاقوياء ..منذ لحظة وصولهم للمهجر .. حتي مغادرتهم للحياة .
في كتابه (إمبراطورية هوليوود ) قدم المؤلف (نيل جابلر ) ( في 290 صفحة ).. هذا العالم المنسي عن بدايات السينما الامريكية حين كانت تعرض أفلام قصيرة لا تزيد عن ثلاثين ثانية في صالات صغيرة بجوار أنشطة أخرى فتحظي بإقبال شديد بين ابناء الطبقة العاملة .. ويشرح لنا بالتفصيل كيف وجد اليهود أنها مجال عمل مربح لا يطرقه القادرون من الأمريكان لتفاهته ..فإستحوذوا – من البداية – علي كل ما يتصل بإنتاج هذه الصناعة و تسويقها و عرضها ..ثم تولوا تطويرها حتي أصبحوا سادتها دون منازع.. ..ثم كيف إنهارت العروش بعد الحرب العالمية الثانية ..حين أصبحت السينما و الأفلام صناعة تخضع لتسلط و قوة الرأسمال البنكي و لكل قواعد اللعب بالسوق الأمريكي.
(( لكننا كي نفهم ماهية العامل الرئيسي في جذب هؤلاء اليهود لعالم السينما فإن علينا أن ندرك مدى تعطشهم البالغ للإندماج في المجتمع الأمريكي ولهفتهم لأن يتم قبولهم به … و كانت صناعة السينما المجال الذى يمكن أن يشبع هذا الإحتياج بشكل متفرد ….فاليهود الذين أحتجزوا خارج ردهات الأرستقراطية و النبالة .. ومنعوا من إختراق طبقة الصفوة قدمت لهم الأفلام داخل الإستديوهات عالما خياليا مكنهم من خلق وطن مواز وترسية أسس إمبراطورية تخصهم )) .
كل شركات السينما العملاقة أنشأها و تولي إنتاجها يهود مهاجرون في بداية القرن الماضي لأمريكا من أوروبا الشرقية ((أدولف زوكور (بارامونت) ، لويس ماير(مترو جولدوين ماير ) ويليام فوكس (فوكس للقرن العشرين )، بينيامين وارنر(أخوان وارنر ) ..)) و اخرون سوف يفاجئك المؤلف بأسمائهم و يقص بالتفصيل المدعم بالمراجع عن أصولهم القادمة من أفقر عائلات اليهود الذين عانوا من الإضطهاد و العوز وإفتقار التعليم في بداية حياتهم سواء في موطنهم الأصلي أو علي أرض المهجر .. و يتابع تطور حياتهم .. و صعودهم و كبواتهم .. و لا يتركهم إلا وهم في القبور واصفا شكل جنازاتهم.. و من القي خطاب التأبين و من رتل أو غني في الكورال .. وماذا قالت المجلات و الجرائد عن الجناز.
وجبة مشبعة لفضول البعض .. و لمن يعتبرونه تاريخا .. لهذا فهو كتاب لا يقرأ في السرير .. و إنما و الإنسان منتبه جالس أمام المكتب ..كما حدث لي في الفترة التي قضيتها أقرأ النص الأولي للترجمة …تلبية لطلب الصديق المترجم ( مصطفي الطناني ).
ما جعلني أحتمل رغي المؤلف عن تفاصيل التفاصيل لحياة يهود هوليوود و أستمر في القراءة بإنتباه.. هو تصورى أنني حللت لغزا عاش معي لمدة نصف قرن:. دون جواب ففي حديث لي مع المستجوب الإسرائيلي .. أثناء أسرى سألته ما إذا كان يؤمن بالله .. فكان ردة ..((لا )) و أضاف أن معظم سكان إسرائيل مثله … و عندما إندهشت مشيرا إلي الأرض .. إذن لماذا أنتم هنا (اى في فلسطين ) ..رد دون تردد: إن ما يجمعنا هو الروح اليهودية .
في ذلك الوقت لم أفهم .. و تصورت أنه يتخلص من سؤالي .. فإبتسمت و سكت ..و لكنني خلال قراءة الكتاب الذى سأستعرض محتوياته علي مدى الأسبوع القادم .. فهمت المعني الذى أراد توصيله لي .. فالإضطهاد المستمر الذى عانوا منه .. و حياة الجيتو الخطرة .. و الشعور بعذابات الأقلية ..بالإضافة إلي عدم تعليمهم أوقدرتهم علي الإنضمام للطبقات الحاكمة جعلهم إما أن يلجأوا للسكون و الإلتفاف حول رجال دين(( يتسمون بالجمود و الكآبة .. أهلكهم الإيمان بدلا من أن يمنحهم الحيوية )) فيمارسون طقوسهم في صمت وخوف كيهود.
أو للتفوق العلمي و المالي و الفكرى و الإدارى.. والحفر في الصخر بإرتياد المجالات الصعبة .. التي لا يرتادها الكثيرون … ليكسبوا لأنفسهم صك مواطنه البلد المضيف .
هذا الكتاب An empire of their ownالذى بذل فيه كل من المؤلف و المترجم جهدا غير قليل .. قد يكون كنزا لمن يؤرخ للسينما أو لقدرة يهود هوليوود علي توجية الفكر و الثقافة الامريكية و نشرها بين شعوب العالم ..
و قد يعتبره البعض حكيا مملا بتفاصيل سخيفة لا قيمة لها ..
و لكنه بالنسبة لي كشفا لأعماق مكوناتنا الثقافية .. و الفكرية .. المعاصرة .. و مدى وحجم إمكانيات الإعلام علي التسلل الهاديء لفرض قيم و أفكار جديدة .. و إزاحة الثقافات القديمة .
البدايات .. و التفكير خارج الصندوق
وهكذا تراكمت عبر الاف السنين من الشتات و القهر و التنافر صفات لليهود في جميع بلاد الدنيا تجعل لهم منظومة تضمهم وسمات تخصهم رغم إختلافاتهم الحادة كأفراد من أقصي اليمين المتعصب دينيا إلي اقصي اليسار التروتسكي المناضل ضد الرأسمالية و سيطرة رجال الدين …كما ذكر المؤلف بألأدلة أن هؤلاء الذين عاشوا في نيويورك و هوليوود لم يكونوا في كل موقف من المتناغمين .

أنا لا أؤمن بتفوق جنس علي باقي الأجناس .. ولا أن البعض لهم جينات تجعلهم يتميزون .. و لكن ما حدث لليهود عبر تاريخهم و إختلافهم المستمر مع مجتمعاتهم .. عودهم علي التفكير خارج الصندوق .. و التمرد علي الجميع ..خصوصا علي رجال الدين الذين أفرد لهم المؤلف الباب الثامن ( حاخام النجوم ) ليقص علينا كيف ضغط مجتمع هوليوود اليهودى علي (حاخاماته ) كي يطوروا في خطابهم و أساليب إقتراباتهم الروحية و الفكرية .
الحاخام (ماجنن) كان دائما ما يضمن موعظته في لوس أنجلوس..((أن هناك فارق بين مفهوم الورع و التباهي بالتدين)) و كان يقول ((علي الشعب اليهودى أن يتغير كثيرا )) و الحاخام هذا الذى حدثنا المؤلف بالتفصيل عن حياته و تطوره ..((لم يكن يشعر بالراحة أبدا بين أخوانه و اساتذته )) …وكان يحاجيهم ((ترى ماذا كان جميلا في بلدانهم اليهودية في شرق اوروبا … كانوا يعيشون كالخنازير ويعاملون زوجاتهم كألكلاب و كان أطفالهم يتعرضون للضرب علي أيدى المعلمين في المدارس العبرية .. لسنا الأن في أوروبا بل نحن في أمريكا )).
هذا التغيير في الخطاب ..و البحث في تليين الجمود العقائدى .. و صل في النهاية لافاق لم يكن أى من الرواد يتصور حدوثها .. و التي قد نراها في كتب (إريك فروم) المتخصص في علوم التوراة و النفس أبحاثا لا يجروء أى متدين علي قراءة عناوينها .
لا أستطيع أن أنتقل إلي النقطة التالية بدون أن أنوه للجهد الفائق الذى أظهره المؤلف لما قام به الحاخام (ماجنن ) ليوحد طبقتين متنافرتين .. من اغنياء يهود هوليود المتعجرفين و هؤلاء الذين كانوا يطلقون عليهم ((الأغبياء الجهلة من اليهود المهاجرين من أوروبا الشرقية )) بحيث أصبح يجمعهم مكان واحد للصلاة و أداء الطقوس .
السياسيون أيضا و النقابات و الأحزاب نالوا نصيبهم من التمرد و الإختلاف .. جاء هذا بالتفصيل ..في الباب التاسع ..ليشرح المؤلف كيف روضوا السياسة لتصبح وسيلتهم لتحقيق أهداف و أمان الشعب اليهودى هناك …لقد إنضموا لجميع الاحزاب و الجماعات و التيارات .. وكانوا فاعلين في خدمة الفريق الذى إنضموا له … فلنستمع لحوار دار بين نجمين من نجوم يهود هوليوود
((لقد كانت خدعة قذرة ..كانت ألعن و أظلم فعل سمعت به في حياتي .. رد (ثالبرج) بلهجة محايدة ..لا شيء في السياسة إسمه ظلم يمكننا أن نجلس طول الليل و نكشف العديد من الأشياء القذرة و لكن كل منها قد يكون مقبولا في السياسة)).
(( إن النزاهه في الإنتخابات إنما هي تناقض في المصطلحات فهي ببساطة لا وجود لها )) …كان الحديث يدور حول دعم يهود هوليوود خصما جمهوريا لحاكم كاليفورنيا (سنكلير ) الديموقراطي بنصف مليون دولار و مجموعة من الأفلام الدعائية المغرضة و المزورة التي تشوه سمعة الحاكم …و أدت لفوزساحق للخصم.
التمرد السياسي الذى أفرد له المؤلف صفحات عديدة من هذا الفصل كان يدور داخل ثلاث مساحات..علاقة يهود هوليوود بالأفكار الليبرالية و تشجيعها .. و مقاومة الفاشية مع ظهور هتلر .. ونشر أو مطاردة الأفكار الشيوعية خصوصا (التروتسكية ) علي اساس ان تروتسكي يهودى .
كيف دارت المعركة بين الاطراف المؤيدة التي كانت تتعمد التعاقد مع الكتاب التقدميين ((لأن هؤلاء الأولاد يعرفون تماما ما معني المجتمع بشكل عام والفاشية و الحرب بشكل خاص ))..
وبين الجهات المضادة .. التي كانت ترى أن (( اليهود الشيوعيون سوف يجلبون غضب العالم علي باقي اليهود ))

هذا الصراع فصله الكاتب وشرح ما وجده هاما من التطورات الفكرية و السياسية و العقائدية التي تمت من نهاية الثلاثينيات حتي منتصف الأربعينيات في حديث ممتع شمل أغلب الفصل التاسع .
بمعني أن المؤلف إهتم بوقار المؤرخ المحايد أن يظهر مدى التنوع الواسع بين أقصي اليمين المحافظ .. و أقصي اليسار التروتسكي و أكد علي حيوية صراع هذه القوى المختلفة والذى أدى لتخطيهم .. كل العقبات التي وضعت أمام تقدمهم .
فهو يحدثنا عن تطور الميل للشيوعية بينهم و نقد المجتمع الرأسمالي في هوليود بواسطة الكتاب اليهود أنفسهم (( فيما يشبه جلد الذات )) و يحكي عن الجماعات التي تكونت لمناهضة النازية أو فضح الاعيب المعاديين للسامية ..أو إحباط خطط مطاردة الراديكاليين و الليبراليين داخل هوليوود .
وفي نفس الوقت يقص بالتفصيل ما فعله ماير ((العدو اليقظ لأدعياء الليبرالية من الحمر و القرمزيين )).. من بداية بزوغ نجمة حتي رحيلة .بما في ذلك دعمة المادى و السياسي للسيناتور((جوزيف مكارثي ))حين أطلق حملته لتطهير الحكومة من الشيوعيين عام 1950 .(( إنه يؤدى مهمة عظيمة للتخلص من النمل الابيض الذى يأكل في ديموقراطيتنا )) .
ثم أنه(أى المؤلف ) يمنحنا معلومة غير شائعه بأن بعد (بيرل هاربر ) 1943 و دخول أمريكا الحرب فإن عدد 400 يهودى من التنفيذيين بهوليود و الفنيين عملوا كضباط لإنتاج أفلام تدريبية و دعائية للقوات المسلحة الامريكية .
و يحكي أنه في سنة 1948 زارت جولدامائير هوليوود و لم يعجبها البرود الذى قوبلت به هناك .. و إنتقدت قلة حجم التبرعات التي قدمها اليهود ..و لكن بعد دعوة البعض لزيارة بلدها كان من الممكن أن تسمع نعيبا و نواحا في أماكن تجمع اليهود مثل (( أغلبنا لديه شعور باننا بلا وطن .. شعب ضال شريد ..نعامل دائما بعنف ولا يقبلنا أحد .. وفجأة صارت إسرائيل تمثل حتي بالنسبة لأقلنا إلتزاما بالدين مكانه من نوع ما .. مكانه تعني أننا صار لنا وطن .. وصارت لنا هوية و تنبيء بأننا لم نعد بعد الصورة النمطية لليهودى المرابي أو رجل الأعمال .. لكن أصبح منا مقاتلون ، مزارعون ،أحيوا الأرض هناك .. كل هذا يبعث السعادة و الأمل في نفوسنا )) … نفس الموال الذى أتحفنا به بعد عشرين سنة في عتليت محاضر مسن أعمي .. ظل يبكي حاله و حال شعبة .. امام ضباط أسرى لا حول لهم و لا قوة …ليبررما يحدث في فلسطين .

الصراع بين اليمين اليهودى .. و اليسار اليهودى في هوليوود .. تدخلت فيه جهات عديدة منها الكونجرس .. الذى أرسل لجنة تحقيق كانت قراراتها قاسية ومحبطة بحيث كتب المؤلف (( وهكذا نزل الوباء وتم فصل العشرة و نكب عشرات أخرين شيوعيين كانوا أو ليبراليين أم معادين للفاشية و إعتبروا آفة مفسدة وهددت جماعة الفيلق الأمريكي بمقاطعة الأفلام التي يشارك فيها هؤلاء الذين إعتبروا مخربين ))…ومع ذلك (( أنشأت بعض الأستوديوهات مكاتب تصاريح لاولئك الذين شعروا أنهم إتهموا غبنا )).
الرحلة من التخفي .. إلي الجهر
ولدت في حي السكاكيني .. حيث مجمع لأديان وثقافات بدايات القرن العشرين.. و تعلمت في مدارس كان الطلاب فيها خليطا من هذا المجتمع .. فلم نشعر بأن بيننا فروقا ذهنية نتيجة لدين أى منا .. بمعني لم يكن اليهود هم المتفوقون .. فمن خلال تجربتي الخاصة كنت أجد أن المتفوق هو الذى يبذل جهدا بغض النظر عن دينه
ومع ذلك فرغم قناعتي بأن ضلالات التفوق لجنس علي باقي الأجناس مجرد مقولة غير صحيحة صدقها البعض… إلا أن الواقع يشي بأن نسبة الذين تفوقوا (في العلم و الفن و الإدارة ) كانت الأعلي من بين اليهود في شتي أنحاء العالم خلال القرن الماضي ..
بل إن مناورات و ترتيبات إحتلال اليهود لفسلطين .. ثم تكوينهم كيانا يستطيع الصمود أمام موجات الكره و العداء المحيطة به من كل جانب .. و إنشاء دولة عصرية ديموقراطية بالنسبة للبعض و في نفس الوقت فاشية السلوك في مواقف أخرى .. يدعو للتساؤل ..و البحث .. و ليس الإستسهال بأن نقول لقد تلقت مساعدة من قوى الإستعمار القديم (إنجلترا و فرنسا ) وأن ألإتحاد السوفيتي كان أول من إعترف بها كدولة و سلاحة كان السلاح الذى إمتلكته وحاربت عصاباتها بواسطته …. ثم نستدير يأسا لان كل رؤساء أمريكا منذ أيزنهاورحتي ترمب ساندوها و دعموها
قد يكون صمود بعض يهود الجيل الأول من المهاجرين و نجاحهم راجع إلي تعودهم علي بذل الجهد و العمل تحت ضغط و التفكير غير النمطي ..أو يكون نتيجة لإختلافاتهم العقائدية و الفكرية فيما بينهم مما منح قراراتهم السياسية تنوعا وحيوية خاصة ..لا أعرف فالموضوع يستحق أن يناقش بتوسع ..و لا يعامل بتجاهل .

((إخترع اليهود هوليود -إذا – مجموعة من الصور و الافكار بلغت من القوة و النفوذ ما جعلهم يستحوذون علي الخيال الأمريكي و لم يعد ممكنا للإنسان في أى بلد آخر أن يفكر في بلدنا هذه دون أن ترد إلي ذهنه الافلام الأمريكية و نتيجة لذلك تضاعف حجم التناقض فالأفلام كانت أمريكية المحتوى بينما لم يكن الرجال الذين صنعوها كذلك .. في نهاية المطاف صارت الافلام التي أنتجها اليهود هي التي تؤطر لدرجة ما للقيم الأمريكية )).
و المؤلف أصر بكل الطرق الممكنه علي أن يلفت نظرنا إلي ان يهود هوليود ( مثلهم مثل باقي يهود أمريكا المنتسبين لمهن أخرى ) كانوا في حاله من التمزق الحاد .. بين هويتهم الدينية (كيهود يعيشون في جيتو ) و بين حتمية إندماجهم في المجتمع الأمريكي (كمواطنين أمريكان ).. حتي أن الكثيرين منهم .. غيروا أسماؤهم بحيث لا توشي بأصولهم اليهودية حتي لا يحسبوا عليهم .

من اقوال (ماير ) (( كن ذكيا و لا تفصح عن ذلك أبدا )) ..ولقد كانوا أذكياء و لم يفصحوا خلال رحلة كفاح طويلة قدمها الكاتب كسير ذاتية من البداية حتي الوفاة للعديد منهم سواء في مجال الإنتاج .. أو التوزيع أو إنشاء دور العرض أو التمثيل ..أو تطوير الصناعة…ملقيا الضوء علي مدى إصرارهم و رغبتهم في النجاح دون أن يلفتوا النظر لهم .. و دون أن يقصيهم و يواجههم المجتمع كأقلية مطروده من أنديته و مؤسساته و جمعياته الخيرية و باقي أنشطته الإنسانية .
و مع ذلك كان بمقدورهم أن يتسللوا ببطء و حذر لتشكيل منظومة قيمية مستجدة للمجتمع الأمريكي .. و مثل عليا (علي شاكلتهم ).. ونمط حياة ..علي صورتهم .. إنتشر من خلال بكرات الأفلام و دور العرض ليعم بين المشاهدين في كل ركن من أركان المعمورة ناشرين حلمهم .. و فكرهم .. ليكونوا في النهاية وبعد أن تبني العالم خطابهم قادرين علي الجهر بيهوديتهم .. دون أن يمثل هذا ضررا علي أعمالهم ….إنها الإستراتيجية و التكتيكات التي وضحها المؤلف في الباب السادس من الكتاب(( لقد جعل أقطاب السينما إستديوهاتهم علي صورتهم ليحولوا أحلامهم الشخصية إلي واقع ملموس )).
الرحلة .. من التخفي و التسرب ..إلي الجهر .. و تشكيل ثقافة عالمية تقبل الأخر سنجدها واضحة في فصول الكتاب العشرة تقتفي و ترصد ..و تؤرخ لحياة الكبار الذين سيطروا علي العالم .. و فرضوا عليه ..ثقافته ..((فتاة فقيرة و لكنها محترمة تضحي بنفسها من أجل هدف نبيل .. وتقاوم دائما الإغراءات و الإعتداءات العنيفة عليها .. و تحصل علي ثواب فضيلتها في النهاية السعيدة )) كم فيلم رأيته يدور حول هذه المفاهيم في كل سينمات العالم بما في ذلك الهندية أو المصرية.
ومع ذلك فلم يستمر الحال ..بعد الحرب العالمية الثانية .. فشتان بين هوليود اليوم و هوليود البداية .. لقد أصبحت هناك هوة واسعة بينهما .. بدأت معالمها مع تحول الإنتاج من سيطرة فرد بيده كل الخيوط إلي جهد جماعي له قوانينه و برامجه و أهدافة التي يحاسب عليها أمام المساهمين مجلس إدارة عصرى لا يعرف إلا النجاح ..
حقيقي اليهود بدأوا العرض و لكن في النهاية أصبحت صناعه أمريكية قلبا و قالبا .
((أتذكر بوضوح أنني إستدعيت لمكاتب الإدارة العليا و قيل لنا أننا لا نستطيع المنافسة مع (مترو ) برصيدها الهائل من النجوم .. لذا علينا أن نسعي وراء قصص موضوعها غير نمطي .. فقد صارت القصة هي البطل و إعتدنا أن نقول (قصة في وقتها المناسب و موضوعها ليس نمطيا)).
اليهود خلال رحلتهم ( المعاصرة ) لم يمثلوا أبدا فصيلا واحدا حتي في هوليود فمثلا آل وارنر كانوا يدعون لليبرالية و بأن (( الأفلام قد تلعب – بل تلعب بالفعل – دور شديد الأهمية في التطور التعليمي و الثقافي للعالم ))..و كانت أفلامهم تضم ((فئات مختلفة من المهمشين الضائعين الإنعزاليين و الملاكمين و الذين يعملون في تعبئة اللحوم و سائقي الشاحنات و عمال المناجم و المقامرين الغشاشين و الفنانين الجوالين …))
في حين أسس زوكر في إستديوهات بارامونت (( مدرسة لتعليم ممثلي المستقبل أصول اللياقة و الكياسة و هو تعليم إشتمل علي دروس في الأدب و علم الإجتماع و الرصانة و الإعتدال في الشراب و الطعام و أنشأ صندوقا لمكافأة الكتاب الذين ساهموا في النهوض بصناعة السينما و مستواها ))

بينما كان ماير (( يعلم أنه ينشيء نموذجا من العدم لا يعكس اصلا قائما ..و كيف يمكن أن يسخروا الفن في تشكيل ذوق المجتمع..كان يريد أن يغرس القيم في البلاد و يعرف مدى تأثير الأفلام و يرغب في أن يستثمر هذا التأثير )).
نفس ماير هذا واجه يهود النقابات اليسارية للعاملين .. و خفض نصف راتب موظفية بعد مسرحية مسلية تجدها في الباب التاسع من الكتاب .
لقد كان هناك صراعا خفيا بين الطبقة الراقية من اليهود .. ويهود أوروبا الشرقية الذين (( نعتتهم المؤسسة الالمانية الخيرية باصحاب القبعات العالية و أقصتهم عن مشاريعها و مجالس إدارةهيئاتها الخيرية و عاملتهم كوباء ينشر عدوى اليهودية العلنية )) لانهم ينادون بالذوبان في المجتمع و الخروج من الجيتو ..
لقد كان بينهم شيوعيون .. و كان بينهم من يقول أن الشيوعيون اليهود سوف يجلبون غضب العالم علي باقي اليهود .. و كان منهم من ينضم للحزب الديموقراطي .. و من يقود حملات لإسقاط مرشح الحزب الجمهورى .. و في نفس الوقت تجد العكس .. أو من يقول لهم (( كن راديكاليا .. فكر في أى شيء يحلو لك أيها الملعون لكن لا تفصح عنه أمام الناس )) .
لا تفصح عنة ولكن يجب أن تمهد له من خلال الافلام .. حتي يتقبل المجتمع رئيسا كان من الممثلين في هوليوود (ريجان ).. و اخر من سلالة إفريقية .. و زوجة رئيس كانت فتاة غلاف و عارضة أزياء و مهاجرة من أوروبا الشرقية… وقريبا بنجاح باهر مثلي الجنس.
يهود مصر (ايضا ).. مثلوا ثقلا ..كوزموبليتانيا
عموما لكي يصبح حديثنا عن تأثير أفلام هوليوود في تعديل مفاهيم شعوب العالم ذو مصداقية .. قد يكون من المفيد .. فحص ما حدث من تغييرات في مصر عشرينيات و ثلاثينيات القرن الماضي حين بدأ العمل بها في توزيع و عرض و انتاج و إخراج الأفلام
رواد هذه الصناعة في مصر كانوا من يهودها مثل توجو مزراحي ، اخوان فرنكل ، روبرت و ريموند حكيم …
و كان كبار ممثلينا من اليهود الذين غيروا أسماؤهم مثل ليلي مراد و منير مراد ونجوى سالم و راقية إبراهيم ..ونجمة إبراهيم و كيتي ..وستيفان روستي وإلياس مؤدب وسلامة إلياس .
وفي التوزيع كان زكي بونان و بهنا فيلم و يعقوب كوهين و إليا إسرائيل هذا بالإضافة إلي صاحب أول مسارح مصر يعقوب صنوع (أبو نضارة) .. والملحن داود حسني .
أفلام البداية مثل أمير الإنتقام أو لعبة الست أو يوم من عمرى جاءت منقولة عن أفلام أمريكية ناجحة الأمر الذى قد يحتاج لدراسة متأنية عنوانها لماذا نعيش عالة علي هوليود …نقلد ممثليها .. و مخرجيها .. و مواضيع أفلامها.
مرت فترة حول ستينيات القر ن الماضي كنا ننتج أفلاما تدور حول روايات كتابنا ..مثل طه حسين و نجيب محفوظ و يوسف أدريس و عبد الرحمن الشرقاوى .. ثم .. توقف هذا المد ورجعنا بعد كامب دافيد إلي نقل و تقليد أفلام هوليوود (( سلام يا صاحبي ، شمس الزناتي ، حنفي الأبهه ، أمير الظلام ، أسف للإزعاج ، الف مبروك ، الإمبراطور ،تيمور و شفيقة … الخ ))… لنسأل أنفسنا هل لهذه الدرجة فقدنا القدرة علي الإبداع.. وأصبحنا تابعين .
لقد إندهشت عندما عرفت أن سينما ريفولي ، مترو ،ريالتو ، كابيتول ، ميامي ،روكسي .. كلها كانت تقليدا لدور عرض أمريكية بنفس الأسماء .
بل (روكسي ) هذا .. كان إسم التدليل لإبن أحد المهاجرين الألمان (صامويل روثابفيل ) ناله أثناء ممارسته للعبة البيسبول ثم أصبح من الرواد في إنشاء صالات العرض الفاخرة و التي كانت أكبرها سينما روكسي ..الإسم الذى إستعاره ملاك السينما المعروفة في مصر الجديدة .. بل أصبح إسم الميدان الذى حولها دون أن نعرف من هو روكسي .
لست بصدد كتابة تاريخ اليهود بمصر .. و لكن بالتأكيد قبل أن يتم التضييق عليهم بعد 56 و إجبارهم علي الرحيل .. لم يعانوا في بلدهم مصر من الإضطهاد و العنف الذى لاقاة يهود أوروبا الشرقية…في مثل هذا الوقت .
فالعائلات اليهودية المصرية كانت كثيرة، ((أشهرها قطاوي وموصيري ومنشة وسوارس ورولو وعدس وسموحة ونادلر، والأخيرة تزوج من إحدى بناتها بطرس غالي، أمين عام الأمم المتحدة السابق)) .
أنهم لم يعيشوا بمصر في جيتو منعزلين علي سبيل المثال (( نسيم موصيري، هاجر لمصر عام 1749، واستوطنها وكانت عائلتة من أكبر عائلات اليهود وأكثرها ثراءً، ساهمت في بناء وإدارة عدة دور للسينما والفنادق مثل مينا هاوس وسان ستيفانو بالإسكندرية، كما أسسوا صحيفة (إسرائيل)التي كانت تصدر بالعبرية والعربية والفرنسية))
لقد كانوا مواطنين مصريين يرحب جيرانهم بقيمهم و أساليب حياتهم علي تنوعها و جموحها (من أقصي اليمين الرأسمالي .. حتي أقصي اليسار الشيوعي مثل هنرى كوريل وزملاء له ) بل ظلوا يتعاملون بحب مع من نجح منهم بالخارج و أصبح من المشاهير مثل ديمسي روسس أو داليدا علي أساس أنه مصرى المولد .
بحيث بالتأكيد بعد رحيلهم تحولت ( القاهرة و الأسكندرية ) من مدن كوزموبوليتانية مثل باريس أو نيويورك، يتم بها الاندماج بين الثقافات والجنسيات .. ويجرى داخلها تعايش سلمى بين أفكار مختلفة تنتهي إلي تطوير أساليب الحياة والتقاليد والابتكارات ..لتصبح قرى كبيرة .. و في أفضل الأحوال مدن ريفية تشبه طنطا أو دمنهور خصوصا منطقة وسط البلد و أحياء مثل السكاكيني و مصر الجديدة .. و الزمالك …التي إفترستها القيم الريفية .. و تداعيات التعصب العرقي و الديني .
لقد إنهارت محلات البيع الضخمة وتغير نوع البضائع المعروضة و إسلوب التعامل مع الزبائن ليتناسب مع ذوق القادمين من الريف و الصعيد ..بعد تمصيرها أو تأميمها .
كذلك تعدلت تقاليد العمل المبنية علي الثقة و الكلمة الواحدة في أسواق الجملة بالأزهرأو الخضار أوالصاغة .

وتدهورت الملاهي و المسارح و حفلات الأوبرا .. و أماكن مثل جروبي أو الأمريكين .. ثم لحقت بها دور العرض السينمائي التي كانت مزدهرة .. ليتحول الإنتاج السينمائي من (غزل البنات ) و(( نفسي أعرف بدى أعرف إحنا رايحين فين )) إلي ((إنت من الأحرار يا علي)) و خطبة البرنس في نهاية فيلم الأيدى الناعمة .. و أصبحت القاهرة دمها تقيل .
نمط الحياة في مدينتي القاهرة و الاسكندرية أثناء الحرب العالمية الثانية و بعدها مباشرة .. هو النمط الذى كان ليهود هوليود في الثلاثينيات و بداية الأربعينيات .. كما وصفه المؤلف بالتفصيل مع ذكر الأسماء والتواريخ و سلوكيات الأفراد المشتركين .. حفلات فاخرة بأحدث أزياء السهرة .. و علاقات عاطفية أقرب لفضائح النجوم .. و صالات قماريخسر فيها كبار القوم ثروات .. و حلقات سبق خيل يرتادها صفوة المجتمع .. و مسارح .. و ليبرالية في الشارع و المدرسة و البيت .. إنها الروح اليهودية الكوزموبوليتانية التي تطل من كل مكان يتواجدون فيه تستطيع أن تراه الأن في مدن فلسطين التي إحتلها قوم بني إسرائيل .
السيرة الذاتية لرواد السينما الأمريكية اليهود توضح أنهم علي إختلاف توجهاتهم كانوا لهم إهتمامين أساسيين (( العمل المستمر الذى غطي كل ساعات يومهم .. و بناء المنظومة الاخلاقية الأمريكية علي النمط اليهودى )) أو (( دمج فنيات الفيلم الجيد مع قيم المواطنة المسئولة ))
و هكذا أثناء فترة الكساد الكبير في ثلاثينيات القرن الماضي عملت هوليود .. علي إصدار الافلام التي تمنح الجماهير القلقة المحبطة.. الطمأنينة وذلك بخلق فانتازبا تصور حلم وطني وردى جامع للمواطنين ..نابعا .. من أساسيات معتقداتهم .
لقد كان عليهم صنع أمريكا في السينما علي صورة ملاذ آمن محصن ثم يبشر الأمريكان بهذا العالم المثالي ..لينتقل النموذج إلي بلاد أخرى عابرا للمحيطات مع بكرات الأفلام .. فنجد صداه في فيلم مثل (العزيمة )…وأفلام نجيب الريحاني و أنور وجدى التالية .
((كان الجيل الأول من المهاجرين اليهود إما تجار فراء أو بلطجية يحمون ملاهي و بارات (بالسيدز بارك ) تحولوا إلي صناع سينما و كونوا بداية هوليوود ..أما الجيل التالي فكانوا رجالا متعلمين و هادئين و مثقفين)) .
الكاتب خلال شرحة التفصيلي لحياة اليهود في مجتمع ثلاثينيات القرن الماضي التي قام برصدها و تتبعها أعطانا نماذجا متعددة لما كان علية أبناء الجيلين و الصراع الذى دار بينهم ..جيل الرواد المتمسكين بقيم حملوها معهم و يصارعون بعنف و قوة للإبقاء عليها .. ثم جيل من ولدوا في المهجر و زاولوا حياة امريكية خارج إطار التعصب الإثني .
من السيرة الخاصة بأفراد كل من النموذجين يمكن فهم أن الروح اليهودية ..هي خليط بين محاولة الإندماج في المجتمع و خدمته .. و في نفس الوقت الإحتفاظ بمجموعة من السلوكيات الإيجابية التي من أهمها المغامرة ..و المبادرة و إرتياد دروب لم تطرق بعد.. مع كسر التابوة .

أكثر هذه الدروب تشويقا بالطبع هوتاريخ تحول السينما الصامته إلي سينما يصاحبها موسيقي تصويرية ثم إلي ناطقة بواسطة شركة وارنر عام 1927 بفيلم (مغني الجاز ).. ثم توالت الأفلام لتصبح كما عرفها جيلي و الأجيال التالية.
اليهودية بشكل أو اخر نفثت في بزينس الترفية الفني الذى كان يعتمد من قبل علي المسرحيات الغنائية و حفلات الفودفيل ..روح خاصة بحيث أصبح من الممكن للأفلام ((أن تعيد التعريف بنا .. الأفلام يمكنها أن تخلقنا من جديد .. ألافلام يمكنها أن تغيرنا كليا )) .. و غيرت الأفلام نظرة العالم لهم .. و اخرجتهم من الجيتو .
يقول المؤلف ((عاش يهود هوليود علي غرار أفلامهم .. إذ كانت ثرواتهم تمنحهم سبيلا للتشبه بالأرستقراطية الأمريكية و الخروج من دائرة يهود أوروبا الشرقية و الولوج إلي قلب أمريكا و يمكننا القول أنهم فيما كانوا يعيشون حياة مترفة و يستعرضون ثراءهم بشكل لافت .. كان بذخهم مقصودا منه أن يلعب دورا محددا أبعد من مجرد الإستعراض لقد تم توظيفة لمحاكاة الأرستقراطية غيراليهودية أملا في أن يصبحوا منهم )).
كان الأزواج (( مخلوقات يحركها دافع حماسي للنجاح لم يترك لهم أى وقت لكي يكونوا أزواجا أو أباء صالحين )) .

((و كانت تلك الفترة تمثل ذروة إنتشار العلاقات الغرامية غير الشرعية و غالبيتها كانت بنسبة 75% إستعراضية )).

(( إعتاد كوهين أن يصحب الكثير من الفتايات إلي منزله و بعضهن فتيات غلاف )).. يقيم معهن علاقات غرام سرية ..

((كتب أحد المراقبين من هوليود يقول .. هناك سؤالان يترددان كل صباح هناك هل ضاجعت إمرأة أمس ..و كم خسرت في القمار ؟ ))……. ومع ذلك فلقد
((أمن اليهود بالتعليم إيمانا شديدا و إعتبروه علامة للمجتمع يستدل بها علي إستنارة أولادهم )) ..
(( لم يكن الإحترام فقط هو دافعهم.. فقد كان أغلبهم يشعرون أنهم بتربية أبناؤهم كأرستقراطية فإنهم يجعلون من عريكتهم أكثر ليونه)) ومدنية.

وهكذا تنفصل علاقة الأبناء بأخلاق الجيتو التي إحتاجها الرعيل الأول كي يصارع في عالم السينما لتتغيرقوانين العمل و تصبح السينما صناعة أمريكية تحمل كل ملامح السوق الأمريكي .

((و سواء كان هذا نتيجة إحساس طاغ بالدونية أو نتيجة الشعور بنقص الثقافة .. فقد كان آل وارنر فيما بعد متحمسين بشدة لشيء أخر .. وهي ليست الرغبة في إرضاء مؤسسات النخبة و الإنضمام إليها .. بل إلي الشيء الذى فرق بينهم كعائلة إنه الصراع بين القديم و الجديد بين اليهودية و أمريكا .. فبالنسبة لهم كان الصراع يمثل ضغوطا تجعل الإدراك أكثر حدة مثل حك المحارة في الرمال لجلوها … صراع يسبب المعاناة التي تفرز اللأليء الاصلية .. ولم يكن هناك حل وسط ولم يكن ثمة جسر ما بين الإثنين بين العالم القروى اليهودى و العالم الجديد)).
اليهود في كل بقاع الدنيا بما في ذلك إسرائيل ..أو نيويورك .. ستجد بينهم الأغنياء لدرجة فاجرة ..و الفقراء بصورة محزنه .. لقد كنا نرى بجوار يعقوب باشا قطاوى في مصر .. بائع الطعمية المشططة الصغيرة ذلك المسن الذى يسكن في بدروم في شارع بين الجناين بالسكاكيني .. و يقضي الليل يتحرك في شوارع المنطقة يحمل سلة نظيفة .. و ينادى علي الطعمية…
في هوليود أيضا كان يوجد من يشبه قطاوى ..و من يشبه بائع طعمية تحيطه الجمعيات اليهودية بالرعاية .. و تلح علي الأغنياء للتبرع له ..حتي أن هارى كوهين صاح في احدهم (( إغاثة اليهود ..و ماذا عن إلإغاثة من اليهود .. كل مشاكل هذا العالم سببها اليهود و الإيرلنديين ))…
لقد كان هارى يرى أن ((الحقيقة المقدسة الوحيدة في عالم تحكمه المصالح الشخصية و السلطة هي أن علي المرء أن يكون الأكثر نفوذا و قوة)) .

(( في عالم يفتقد فيه الشخص النفوذ الطبقي و التعليم الراقي عليه أن يعوض ذلك بالصلابة)) .

(( في عالم الخداع و الرياء علي الإنسان أن يخادع و ينافق بصورة أفضل أو أن يكون أمينا بصورة قاسية))

((في عالم العاهرات عليك أن تكون قوادهم )) ..((وأى شيء أقل من هذا يحمل في طياته الهزيمة في المعركة الشخصية ))

ياللرعب ..و الوحدة القاسية .. و الصراع الذى لا يتوقف …هذه هي … الروح اليهودية ..التي جمعت أبناء بني إسرائيل في فلسطين .. اخيرا فهمت

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق