ثقافةفي الواجهة

هل ارتبطت الجبهة الاسلامية للإنقاذ بالوهابية ؟ ..

صدر حديثا كتابا يوثق للحركات الإسلامية و صعودها على رأس السلطة بانتخابات حرة في كثير من البلدان الإسلامية، و هو يحمل عنوان: “دليل السياسيين الاسلاميين” تأليف صبري الفرحان، لكن ما فتئت الأوضاع تتغير و شهدت الساحة انحرافا سياسيا، نتيجة الإنقلابات و توقف المسار الإنتخابي لفخ نصبه لهم صناع السياسة العالمية أو لتقاطعهم مع العلمانيين أو بعضهم مع بعض

الكتاب صدر عن دار المحجة البيضاء للطباعة والنشر والتوزيع بيروت لبنان و يحتوى على 134 صفحة من الحجم المتوسط ، و هو يضم تسعة فصول تحدث فيه صاحبه عن جماعة الاخوان المسلمين في مصر و منظرهم المرجع سيد قطب، و تقاطعهم مع جمال عبد الناصر، ثم ظهور الوهّابية لينتقل إلى حزب الدعوة في العراق بقيادة باقر الصدر، ثم التيار الصدري و علاقته بحزب البعث ، كما ذكر الكاتب حزب التحرير في فلسطين 1953 بقيادة تقي الدين النبهاني و المواقف البطولية لأهل فلسطين و حديث عن ألأرض المباركة، الجماعة الاسلامية في باكستان 1941 بزعامة أبو العلاء المودودي، منظمة العمل الاسلامي العراق 1964 باشراف المرجع محمد مهدي الشيرازي، حركة أمل لبنان 1975 التي تزعمها السيد موسى الصدر.

و على مستوى الحكم والدولة، تطرق الكاتب إلى تجربة السودان الاسلامية عام 1983 م ، وتجربة ايران الاسلامية 1979م ، وتجربة طلبان الاسلامية 1996م ، و ما بين الحزب وتجربة الدولة، سجّل الكاتب صبري الفرحان اسم الجبهة الاسلامية للانقاذ FIS في الجزائر و مسيرتها ما بين 1989 و 1992م، و رغم أن اسم الفيس المحظور كان من بين الأحزاب التي لقيت اهتمام الكاتب، إلا أن اسم زعيمه الشيخ عباسي مدني الذي ما يزال يعيش في المنفى و يعاني من المرض، لم يأت ذكره ضمن الشخصيات الإسلامية البارزة التي ذكرها الكاتب على غرارالدكتور ابراهيم الجعفري، ابراهيم يزدي، حسن نصر الله، الداعية فتحي يكن ، الدكتور محمد سعد الكتاتتي، الدكتور محمد مرسي، الدكتور محمود أحمدي نجادي ، محمود المشهداني ، نوري المالكي، و هذه الأسماء تأتي بعد نبيه بري الذي يعتبر أول شخصية إسلامية برزت في المعترك السياسي كما قال الكاتب، حتى أن صورة الشيخ عباسي مدني لم تكن ضمن صور الشخصيات التي نراها في غلاف الكتاب، حيث اكتفت دار النشر السالفة الذكر بنشر شعار الفيس فقط.

و هنا نتساءل هل كان ذلك من باب التحفظ ؟ أم أن اسم عباسي مدني سقط سهوا، أم مازال هناك من يعتقد أن الجبهة الإسلامية للإنقاذ FIS كحزب إسلامي انتهى دورها و لم يعد لها وجود في الساحة السياسية ؟ رغم أن قادتها ما زالوا ينشطون بالبيانات و يعبرون عن مواقفهم إزاء ما يحدث، و يقدمون الحلول لإنقاذ الجزائر، و بخاصة في هذا المرحلة التي تستعد لفيها الجزائر للإنتختبات الرئاسية لسنة 2019 ، و الجدير بالذكر فإن الجبهة الإسلامية للإنقاذ مذ خروجها من السرية إلى العلن و ظهورها في الساحة السياسية ، لاقت أحداثها رواجا إعلاميا على كل المستويات، و كانت الصحف العربية قد أسالت الكثير من حبرها، لاسيما صحيفة الشرق الأوسط، و القدس العربي، مجلة المستقبل العربي و غيرها التي كانت تحلل ما يقع من أحداث في الجزائر، و كيف عرفت مرحلة من المراحل اتساع دوائر العنف في مجتمعات الدول العربية على غرار تونس، المغرب، السودان، مصر، الأردن و بالخصوص الجزائر التي عاشت مرحلة جد مكهربة و مشحونة بالتوتر و الخوف، قبل مجيئ الربيع العربي، و كانت دوما تتابع تحركات الجبهة الإسلامية للإنقاذ ( الفيس) و كيف صنعت الحدث السياسي بفوزها في انتخابات 1991 ، قبل أن يتوقف المسار الإنتخابي بسبب الإنقلاب عليها من طرف النظام الجزائري، حيث عاشت الجزائر مأساة دموية طيلة 10 سنوات أو أكثر، عرفت بالحرب الأهلية المسلحة، و سجلت خسائر مادية و بشرية، حيث خسرت أرواح المئات من أبنائها، جلهم إطارات يحملون شهادات عليا، و هي إلى الآن ترمم ما خربته العشرية السوداء، بعدما واجهت الإرهاب بمفردها، لكننا في الأخير نقرأ أن الكتاب ضم صور مراجع الشيعة فقط وعلماء بيت الحكيم ، إن قلنا أن حسن البنا، و سيد قطب و محمد مرسي الرئيس المصري المخلوع ليسوا شيعة؟

ما يهم في هذه الورقة هو أن الكتاب وثّق لحزب الفيس المحظور في الجزائر، بكل ما يحمله من حسنات و عيوب، رغم المصالحة الوطنية التي صوت عليها الشعب الجزائري، و اصبح بفضلها ينعم في الأمن و الإستقرار عكس ما كان عليه بالأمس، فمسيرة الفيس ما تزال إلى اليوم عالقة بأذهان الجزائريين و حتى المحللين، أو خصومه من اللائكيين و الديمقراطيين، و لا أحد بإمكانه أن ينسى مسيرة السّلام التي قادها عناصر الفيس نحو الرئاسة في رمضان 1990 من أجل تحقيق دولة الإسلام في الجزائر، فكان بويعلي أول من يقود الحركة الإسلامية المسلحة و يقف ندا للند أمام النظام، و لا أحد ينسى معركة بن طلحة، كان الفيس أول حزب إسلامي في الجزائر تكون له قاعدة جماهيرية و فرض وجوده في الساحة السياسية ، بعد فوزه في انتخابات 12 جوان 1990 ، بعدما منح له قاصدي مرباح الترخيص القانوني لدخول الإنتخابات بمساعدة مولود حمروش الذي كانت رغبته الوحيدة هي الوصول إلى الحكم، لكن هذا الأخير تغيرت مواقفه تجاه الفيس، البداية كانت باستفزاز عناصره و قادته، ثم اعتقال منتخبيه في البلديات و الزج بهم في السجون، رغم وجود مطالب بإنشاء حكومة انتقالية من طرف المعارضة، أما الحزب الشيوعي أو كما يسمى بالطليعة الإشتراكية بقيادة الهاشمي شريف فكان مطلبه الوحيد حل حزب الفيس و سمّاه بالظلامي، و دعا إلى تدخل الجيش لحله.

لم يكن حزب الفيس وحده المعارض للسلطة بل كانت أحزاب أخرى تريد تغيير النظام، و أكثرها الأحزاب الديمقراطية و اللائكية و التي شكلت فيما سُمِّيَ بمجموعة الـ: 7+1 ، و هي الأرسيدي، حركة “مجد” التي أسسها قاصدي مرباح، الحزب الوطني للتضامن و التنمية PNSD ، حزب التجديد الجزائري PRA الذي كان نورالدين بوكروح ناطقه الرسمي، بالإضافة إلى الإتحادات و منها الحركة من أجل الديمقراطية في الجزائر و غيرها ، و يذكر أن بداية الإختلاف بين حزب عباسي و مجموعة 7+1 هو أن هذه الأخيرة رفضت فكرة الإضراب السياسي الذي دعا إليه الفيس، حسب التقارير، لم تكن بداية القطيعة بين الفيس و الشاذلي بن جديد، و إنما في قضية تمويل الفيس من طرف السعودية، كانت الأمور هادئة نوعا ما ، إلى أن ظهر إلى الساحة كتاب “العصيان المدني” لسعيد مخلوفي رئيس تحرير أسبوعية الهداية كان الفتيل الذي اشعل النار بين الفيس و السلطة الذي اتهمته بالتبعية المالية للسعودية، خاصة و أن مدعمي الفيس كاتنوا تجار يربطهم نشاط تجاري بآل سعود، و هنا يتبادر إلى الذهن السؤال التالي: هل كانت هناك علاقة متينة تربط الفيس بالوهابية؟ ، و اتفاق بينهما لإحياء العصر الذهبي للنبيّ و الخلفاء الراشدين، و هل كان الشيخ عباسي مدني متأثرا بالسلفية الجهادية؟، علما أن هذه الأخيرة كانت نتاج التطور الفكري الجديد الحاصل في تاريخ الإيديولوجية التكفيرية المعاصرة.

الملاحظون طبعا يستبعدون وجود علاقة بينهما، لأن لكلّ استراتيجيته في علاج المشكلات و له رؤية تختلف عن الآخر، إلا أنهم يحملون الرجل الثاني في الحزب علي بن حاج المسؤولية فيما آل إليه وضع الجزائر ، عندما نادى بالجهاد، ما يجهله البعض أن الفيس و رغم أنه محظور ، فهو يتابع الأحداث عن بعد، و لم يتوقف أبدا في مطالبة السلطات العليا بتكريس المبادئ والأسس التي بُني عليها العمل السياسي المؤسِّس للتيّارات الوطنية الأصيلة المتنافسة على خدمة الشعب و الوطن و الملتزمة بالعمل على تثبيت المقومات الوجودية لهذه الأمة، هذا ما جاء في بيان لهم صادر بتاريخ 18 نوفمبر 2018 خلال إحياء الذكرى الـ:19 لإغتيال الشهيد عبد القادر حشاني ، حيث طالبوا بإعادة ملف اغتياله و إخوانة في سركاجي و البرواقية، و كذلك الذين ماتوا داخل حاوية الشاحنة اثناء تحويلهم من سجن تيزي وزو إلى سجن بلعسل بغليزان، و دعوا إلى تعزيز قيم الدفاع عن الوطن و مقوماته بالحسم في الهوية الوطنية و مواجهة سياسة الاستئصال والانفصال، العمل على ضمان تواصل الأجيال و مواجهة القيم التي تزيد من تكريس التنافر وتعميق الصراع بين شرائح المجتمع و ذلك ببناء الشخصية الجزائرية.

علجية عيش

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق