ثقافة

نقد الشعر الحرّ

عبد العزيز  كحيل 

أنا لست شاعرا ولا ناقدا أدبيا لكن لدي رأي كقارئ ومتابع وإنسان يحبّ العربية ويعشق جمالها وإن كان لا يملك ناصيتها، وامتلاك ناصية لغة الضاد ليس أمرا هيّنا، بل هو مرتقى عالٍ لا يقدر عليه إلا ذكران الرجال.

لستُ من أنصار ما يُسمى الشعر الحر، ولا يمكنني ذلك لأني ترعرعتُ في أحضان الشعر العربي الأصيل القوي العميق الذي لا يشنف الأسماع فحسب بل يدخل القلوب بغير استئذان.

تبرمتُ منه منذ شبابي بسبب فوضويته التي جعلته – في نظري – أقرب إلى اللغو، وقد سماه رافضوه نثرا مشعورا أو مسطورا.

ولا أخفي أني توجست منه مبكرا بعد تتبعي لنشأته ومساره، فهو من ابتكار عرب غير مسلمين، كانت بدايته من العراق على يد اليهودي داود صليوة ثم تلقفته جماعة من الأدباء المسيحيين أمثال وليام ديات نعمة وأمين الريحاني .

دشّن حملة الثورة على الشعر الأصيل أحد هؤلاء- ميخائيل نعيمة- بقوله:”لا الأوزان ولا القوافي من ضرورة الشعر”، فتلقفها نيقولا فياض وبدأ في التطبيق، ثم توالت العملية على أيدي سعيد عقل( وقد كان صريحا في رغبته هدم الثقافة الإسلامية) ويوسف الخال ( الذي دعا إلى لإلغاء الإعراب )…وكلّ هؤلاء الرواد مسيحيون.

ثم انتهى الأمر إلى أدونيس ( علي احمد سعيد، وهو ليس مسلما بل نصيري شديد البغض للدين والقيم) وآخرين يحملون أسماء مسلمة مثل محمود درويش ونزار قباني.

والملاحظ أن هذا الشعر المنثور أو المرسل أو الحرّ هو في الغالب كلام فوضوي لا  سبك فيه ولا معنى ولا جمال باستثناء شعراء قلائل فرضوا أنفسهم فيه بموهبة عالية، على رأسهم احمد مطر.

كان الشاعر الكبير مفدي زكريا- ومثلُه مولود قاسم – من الرافضين لهذا اللون من الكتابة فقال فيه:

وعابثون أرادوا الشعر مهزلة          فأزعجوا برخيص القول آذانا

تنكروا للقوافي حين أعجزهم          صوغ القوافي وضلوا عن ثنايانا

قالوا جمود على الأوضاع وزنكم     فشعرنا الحر لا يحتاج أوزانا

فأين من جرس الإيقاع خلطكم        ما الشعر إن لم يكن دوحا وأغصانا؟

وهل أعار رواة الشعر لغوكم         وزنا وهل حَشوُكم بالحفظ أغوانا؟

وبالمناسبة، فأنا أشجع الشباب على الإبداع وأحثهم على التفوق واقتحام عالم المبادرة وعدم التهيّب، كثيرا ما أقول لطلبة الأدب العربي اكتبوا روايات أو قصصا، اقرضوا شعرا عربيا أصيلا.

هذا مسعاي مع الشباب دائما، وأنا مستعدّ لمزيد من أشكال التشجيع لكن… شرط الخروج من دائرة الرتابة والرداءة، و بذل جهد معتبر في الابتكار والأداء، فأنا أقبل من المبتدئ الأخطاء وأشجعه على إعادة المحاولة مرة بعد مرة حتى يتمرّن ويرفع مستوى أدائه لكني لا أقبل الرداءة خاصة عندما يرى فيها إنجازا عظيما وعملا بطوليا، وهي ظاهرة أخذت في الانتشار في هذه الأزمنة العجاف، فترى – مثلا – دور نشر تطبع تنشر ورقات مسودة بحبر قديم لا قيمة لها من أية ناحية، ويريد صاحبُها أن نروّجها ونشهرها على المنابر ونكتب لها تقريظات ونُعلن أنه وحيد زمانه وفريد أوانه، وقد تغرّه مهرجانات محلية أو وطنية تفتقر إلى العلمية والمصداقية توزّع الألقاب والجوائز مجانا وجزافا لأنها أقرب إلى المهرجانات الفلكلورية منها إلى التظاهرات الثقافية.

يعرض عليّ بعضهم ” قصائد ” كتبوها بل ونشروها وينتظرون مني إبداء إعجابي ، وهي أولا مما يسمى الشعرالحرّ الذي لا أميل إليه ثم هي متخمة بالأخطاء الإملائية الفظيعة، نبهت واحدا منهم –بكل أدب ولباقة- إلى انه نصب مرفوعا في بداية البيت فتحجج بالضرورة الشعرية رغم انه لا ضرورة هناك إطلاقا،  كيف أمدحه أو أثني عليه ؟  الأمانة العلمية لا تجيز هذا، التشجيع شيء والكذب شيء آخر، المجاملة لها حدود حتى لا تصبح خيانة واستهتارا.

بسبب هذا الموقف الصارم الواضح هجرني بعض الصغار” الذين يرون أنفسهم كبارا وهاجمني بعضهم، ولو عقلوا لوجدوا أن نصحي أفضل من تماديهم في الرداءة.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق