رأي

نبش القبور والتنقيب عن الكنوز 3

 

                                                   

صلاح المختار

10-ان الانخراط في مساع عديدة ل(الغاء) القوى الوطنية ذات التاريخ العريق والانجازات التاريخية مثل حزب البعث العربي الاشتراكي عبر تلفيق تهم الفشل وارتكاب الاخطاء لها ثم اقتراح تشكيل كيان سياسي بديل يحل محلها ليس سوى  احد اهم اساليب اجتثاث القوى الوطنية، ولا تتضح خطورة مثل هذه الدعوات الا عندما نرى في نهاية سنوات طرح تلك البدائل انها كانت بالونات فارغة  لاتشكل اي بديل عملي ،والهدف من اطلاقها هو التشكيك بصلاحية القوى ذات الجذور العميقة والتجارب الغنية والكوادر القادرة على اعادة البناء بينما مشروعات البديل كلها تجريبية ولا تملك مقومات التطبيق الميداني ،وهو ما اثبتته سنوات ما بعد غزو العراق! الان وبعد اكثر من ربع قرن لم يحقق ابطال (الكتلة التاريخية )، التي طرحها المؤتمر القومي (العربي )، اي خطوة تطبيقية ومازالوا ينتظرون قدوم (جودو) الذي لن يأتي ابدا كما في مسرحية صموئيل بيكيت. واستعارة مصطلح (الكتلة التاريخية) يدل على البؤس الفكري فهو من الادب السياسي الاوربي ،حرفيا وبمضمونه، وهو يعبر عن خواء فكريا  واقتصار عملهم على الاستنساخ والنقل(  COPY AND PASTE  )!

وبعد عقود من الاجتماعات والمؤتمرات السنوية الدورية والترويج ضد القوى التاريخية المناضلة مباشرة او ضمنا فشلوا في اقامه اي بديل فلا كتلة تاريخية حلموا بها ولا حزب ولا جبهة، وكل ما توصلوا اليه هو مستنقع متعفن من الوعود والقرارات التي سخرت لدعم اسرائيل الشرقية بالكامل وبلا تردد او تمويه وتحييد عشرات المثقفين العرب الذين ظنوا ان المؤتمر فعلا وسيلة نضال قومي عربي ، وكان هذا الظن هو ابو الاثام لانه في الواقع ادا ة ايرانية صرفة تمويلا وتوجيها ونهجا. ولعل ابرز مظاهر التضليل والتحييد في وظيفته هو انه نجح في تحييد هؤلاء الاعضاء ومنعهم من المساهمة الفعلية في النضال التحرري من خلال تعليقهم الامال الكاذبة على المؤتمر،وكان بأمكانهم خدمة الامة عبر عملهم في قوى شعبية منظمة وعريقة.

وكل ذلك في النهاية وبغض النظر عن اية نية طيبة يخدم التوسع الاستعماري الايراني وتغطية حقيقته والترويج له بدعمه بلا تحفظ مقابل التشكيك بالقوى الوطنية والتحرض على تركها رغم انها تخوض معركة الامة الاشد خطر وتقدم الاف الشهداء كل عام من اجل التحرر وطرد الغزاة ! كما تبين ان الهدف الحقيقي الاخر للمؤتمر هو سرقة الوقت لعرقلة تحرير فلسطين والاحواز والعراق وسوريا واليمن وليبيا وطرد الاستعمار الايراني والغربي والصهيوني.فهل تساؤل من اتهم العراق بالعنجهية والتصلب  ونقص الحكمة وهو من الاعضاء النشطين في المؤتمر نزعة فردية  قاصرة ام ماذا ؟

11-لو ان ما كتبه هؤلاء كان ذكرا لحقيقة ثابتة وليس معاداة للنظام الوطني وحزب البعث العربي الاشتراكي لقبلنا الراي الاخر لكنه ليس رأيا  ولا اجتهادا وانما هو تزوير فاضح للحقيقة وقلب كامل لمعطياتها الاساسية، وابرز الاساليب المتبعة في تحقيق هذا الهدف هو التركيز على سلبيات طبيعية في كل تجربة انسانية مع الاهمال شبه الكامل لايجابيات وانجازات النظام الوطني والبعث ،الامر الذي يؤدي عمليا وبغض النظر عن النوايا الى الاسهام في خطة شيطنة البعث والنظام الوطني وبغض النظ عن النوايا، ففي السياسة لاتحسب النوايا فالطبيب يقتل بخطأ التشخيص شخصا او خمسة بينما المثقف والسياسي يقتلان الالاف وربما الملايين بتشويههما للحقائق وفقا لخطة الشيطنة.

12- هل تركيز البكاءون دوما على الديمقراطية هدفه نشر عدم اليقين وليس الديمقراطية؟ ان البكاء على ديمقراطية غائمة ولاتصلح اساسا للعالم الثالث يفضي الى التشرذم وحيرة الناس وهو المطلوب في المخططات الغربية والصهيونية والفارسية،حتى في غرب اوربا وامريكا تجد من يقلصها بل ان جميع النظم الديقراطية في الغرب مارست الديكتاتورية اثناء الحروب، فكيف اذا يطلب من قطر ينمو ولم يكمل نموه الاجتماعي والثقافي والاقتصادي بما يكفي لتكون دولة المؤسسات وهو مضطرب بسبب تدخلات الغرب والقوى الاقليمة والتخلف ان يقيم ديمقراطية على النمط الغربي؟ انه وعي زائف يغطي الهدف الحقيقي وهو زيادة تشرذم المجتمع والدولة بفرض مفهوم لايصلح لمجتمع ما وهو ما رأيناه في العراق حيث فرض الاحتلال الامريكي ديقراطية ليبرالية كان لها الدور الاهم في نشر الفوضى والتشرذم وهو ما اعترفت به كونداليزا رايس وزيرة خارجية امريكا عندما قالت لم نكن نريد فرض الديمقراطية وانما نشر الفوضى الخلاقة به .

13- لماذا تجاهل هؤلاء ومازالوا يتجاهلون انهم كانوا يطالبون بديمقراطية ليبرالية في العراق اثناء حكم البعث وينتقدونه بسبب غيابها رغم  ان النظم الديمقراطية الاشهر في العالم مثل النظام الامريكي تتراجع فيها الديمقراطية خصوصا في السنوات الاخيرة وتزداد مظاهر الدولة البوليسية وتتقلص الحريات تدريجيا ؟ما نراه الان في زمن كورونا وهو الحظر العام الذي طبق في امريكا وغيرها ما هو الا هو تمهيد وتدريب على ما هو اشد مركزية وبوليسية، ولعل تعاقب احداث بعينها وما تبعها من تقليص للحريات في امريكا احد اهم المؤشرات ذات الدلالات فمنذ ادارة رونالد ريجن في الثمانينات بدأ الاعلام الامريكي بتضخيم (الارهاب الليبي )! وفي التسعينات اخذت خطة التخويف من الارهاب تتعقد وتزداد خطورة بقصص تفجير بناية التوأم( البرجين) والتي اتهم فيها العراق في بداية ذلك العقد وزاد الامر خطورة بمهاجمة البرجين فيما بعد واتهمت القاعدة بها، وعندها حصلت النقلة النوعية في خطة التخويف المبرمج من الارهاب وتبعها وبقوة التخويف وسعت صلاحيات المخابرات المركزية فمنحت صلاحية المراقبة داخل امريكا بعد ان كانت حكرا على مكتب التحقيقات الفدرالية والاخير  منح صلاحيات اضافية في الاعتقال والتحقيق ، وكل ذلك تم على حساب الحقوق المدنية .

ووصلنا الان الى مرحلة التقليص المتجاوز للكثير من الحريات بظهور كورونا وفرض الحجر الشامل لاول مرة في التاريخ في العالم كله وليس في امريكا فقط ، واقترن التخويف بطرح حلول لمواجهة كورونا وغيره تتمثل بتقليص الحريات المدنية واعتماد نظام سيطرة شاملة على الدولة والمجتمع بوسائل تكنولوجية تضمن اخضاع الانسان من داخله وليس من خارجه فقط اي بالتحكم به بادوات تزرع في جسمه وهي الشرائح الالتكرونية ، وتجريده من حق الاختيار بوضعه امام مجتمع معد سلفا للانسان ! وكان  ظهور فايروس كورونا احد اهم الاسباب لتعظيم هذا التوجه التوتاليتاري وتقليص الليبرالية في امريكا لانها عجزت عن مواجهة الكوارث الطبيعية او المصنعة! ومع كل ذلك فان ابطال الليبرالية الغربية لدينا مازالوا يطالبوننا بالتمتع بديمقراطية الخمسينيات في امريكا ونسوا ان كل شيء تغير ولم تعد معطيات تلك المراحل موجودة!

ومن المفارقات الواضحة مفارقة ان من يطالبنا بتطبيق نماذج قريبة من الديمقراطية الامريكية او البريطانية لا يرى تدهورهما  وتعاظم الرفض لهما في داخل امريكا وبريطانيا وتدهور وانحدار المتناوبين على الحكم فيهما طوال عقود وازدياد محاولات انشاء احزاب اخرى تكسر حاجز الحزبين الحديدي، بل ان ينتقدون البعث لم يتساءلوا لم يسيطر حزبان فقط على الحياة السياسية الامريكية والبريطانية رغم ان ذلك نقيض الديمقراطية والتي يجب ان تسمح بنشوء احزاب متعددة وهو ما يطالب به ابطال الكتلة التاريخية لدينا لكنهم يغمضون اعينهم عن انموذجيها الامريكي والبريطاني؟ان اصرار هؤلاء على رفض الديمقراطية الشعبية ودعوتهم  لديمقراطية ليبرالية يؤكد انهم يعملون من اجل شيء اخر غير الديمقراطية.

14- ومن المؤشرات ذات الدلالة هو موقف هؤلاء من العملية السياسية في العراق فهم لم يكونوا خارجها على المستوى السياسي والفكري حتى وان لم يمارسوا دورا داخلها بدليل انهم يقدمون مقترحات لرئيس الوزراء الحالي والسابقين وهذا يعني انهم يقبلون بالاطار العام للعملية السياسية ويطمحون لاصلاحها وليس اسقاطها رغم انها من صنع الاحتلال! وهذا امر يؤكد انهم جزء من المنظومة التي تخدم الاحتلال بمرحلتيه الامريكية والايرانية وان شيطنة البعث من قبلهم هو تقديم اوراق اعتماد تؤهلهم لمنصب في المستقبل.

15-هل نقاد تجربة البعث اكثر خبرة وقدرة ممن حكموا العراق في فترة  البعث واثبتوا انهم بناة الحضارة والتقدم في حين ان دعاة الدمقراطية الليبرالية لم يبنوا الا ابراج اولاهام التي ابعدتهم عن لعب اي دور ايجابي؟ لقد اثبتت التجارب الواقعية بان هؤلاء لايملكون خبرة ولا اقتدارا بينما من حكموا العراق في زمن البعث كانوا علماء وخبراء وساسة محنكين ومن لم يكن كذلك في بداية الثورة تعلم وتقدم وصار خبيرا في مختلف المجالات فكان طبيعيا ان يبنوا ويعمروا الوطن، فيأتي الفاشلون والمعوقون نفسيا  ليمارسوا الطعن بشعبية ديمقراطية النظام ويطالبوا باشراكهم في تقرير السياسات العامة وهم ليسوا  اكثر من صناع كلام وشرذمة صفوف من اجل اقامة النظام الذي يروجون له !

16-كانت الاحزاب الثورية تتشكل بمبادرات فرد او افراد ثم تنموا ومنها البعث والاحزاب الدينية واليسارية ولكن لماذا تبدو هذه المجموعة الداعية الى البديل والرافضة لما هو موجود عاجزة عن تنظيم نفسها بصورة دائمة لتتحول الى حركة تاريخية تغير الواقع؟ لقد مر اكثر من ربع قرن على طرح مشاريعهم وفشلوا في تحقيق ولو خطوة واحدة على طريقها! وهو واقع يثير اسئلة كثيرة حولهم ومنها: اذا كانت طروحاتهم سليمه فلم فشلوا في تحقيقها؟ هل تعمدوا ان لا تكون لنشاطاتهم نتائج عملية كي يحرموا الامة عمدا من التقدم والنهوض؟ ام انهم فشلوا بسبب افتقارهم للحد الادنى من شروط النجاح؟

واخيرا لابد من التساؤل المشروع اكثر من غيره: هل المطلوب من اي وطني نبش القبور بحثا عن عظام منفّرة ام التنقيب عن الكنوز التي تخدم الناس عامة؟هؤلاء وكما رأينا سيرتهم في الواقع وهي سيرة من يصخب ويشكك بمن يعمل وينجز لكنه يترك فراغا كاملا وراءه لاتسمع فيه سوى طنين مربك! انهم لا يتقنون الا فن نبش القبور ويتجنبون التنقيب  بحثا عن الكنوز – وهي انجازات النظام الوطني- مثلما يتجنبون التضحية من اجل قضايا الشعب والامة وبنفس القدر! على ماذا يدل ذلك ؟ على نوايا سليمة؟ ام انه نتاج انانية مفرطة؟ ام انه ثمرة دافع اخر اخطر ؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق