دراسات و تحقيقات

مَّن يفسر الحكم القضائي؟

سالم روضان الموسوي

إن الحكم القضائي كما عرفه شراح قانون المرافعات المدنية بأنه (القرار الصادر من المحكمة المشكلة تشكيلاً صحيحاً ومختصة في خصومة رفعت إليها وفق قواعد المرافعات سواء كان صادر في موضوع الخصومة او في شق منها أو في مسألة متفرعة عنها) وعلى وفق ما ذكره الدكتور احمد أبو الوفا في كتابه الموسوم (نظرية الأحكام في قانون المرافعات ـ دار المطبوعات الجامعية في الإسكندرية ـ طبعة عام 2007 ـ ص37) وطالما الحكم القضائي هو الحكم النهائي الذي يفصل في النزاع وهو الذي يعول عليه في حماية الحقوق، ويعتبر خاتمة المطاف في الخصومة، ونقطة النهاية في سباق تصارع وناضل فيه ذوو الشأن بأساليب وأدوات وحجج قانونية، وهو تتويج لجهود كبيرة وإجراءات طويلة قام بها الخصوم وممثلوهم والقاضي وأعوانه، لذلك لابد وان يحوز الحجية، وان يكون عنوان الحقيقة القضائية، والمشرع العراقي قد اعتبره حجة على الناس كافة بما فصل فيه وعلى وفق ما جاء في المادة (105) من قانون الإثبات رقم 107 لسنة 1979 المعدل التي جاء فيها الآتي (للأحكام الصادرة من المحاكم العراقية التي حازت درجة البتات تكون حجة بما فصلت فيه من الحقوق إذا اتحد أطراف الدعوى ولم تتغير صفاتهم وتعلق النزاع بذات الحق محلا وسببا.) ثم أضفى الحماية القانونية على تلك الحجية بعدم جواز نقضها أو إثبات عكس ما ورد في الحكم القضائي إذا ما اكتسب درجة البتات أي أصبح باتاً ونهائياً وعلى وفق ما جاء في المادة (106) من قانون الإثبات التي جاء فيها الآتي (لا يجوز قبول دليل بنقض حجية الأحكام الباتة)، ومن هذا الاهتمام التشريعي بالحكم القضائي فان عملية تنفيذه لابد وان تكون على وفق ما قضى به وإخراج مضمون الحكم الذي ورد فيه إلى الواقع العملي وتنفيذ ما ورد فيه بإلزام الطرف المحكوم بتنفيذ الفقرة الحكمية، ولهذا الغرض افرد المشرع العراقي قانون خاص يسمى قانون التنفيذ رقم 45 لسنة 1980 المعدل، حيث تتولى دائرة التنفيذ التابعة إلى وزارة العدل تنفيذ الأحكام القضائية على وفق أحكام المادة (9) من قانون التنفيذ، بما يضمن تحقيق التوازن بين مصلحة الدائن في الحصول على حقه المشروع، وبين مصلحة المدين في ألا يؤخذ من أمواله، أو يعتدى على حريته دون وجه حق، ومراعاة الاعتبارات الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية للمدين، لذلك فان الحكم القضائي بعد صدوره من المحكمة التي أصدرته سواءً محكمة البداءة أو محكمة الاحوال الشخصية او محكمة الاستئناف أو أي محكمة أخرى، فانه يصبح ذو كيان مستقل ليس لآي جهة ان تتلاعب في مضمونه، إلا إذا تم تعديله أو إبطاله بحكم قضائي بإتباع طرق الطعن القانونية التي نص عليها قانون المرافعات المدنية رقم 83 لسنة 1969 المعدل أو أي قانون آخر ذو صلة بالموضوع، وحيث إن احد أطراف الدعوى لابد وان يكون قد خسر ما توجهت به الدعوى، فلابد وان يثير الشكوك نحو الحكم القضائي، وأحيانا الرأي العام له دور في التشكيك بالحكم القضائي، والأمثلة كثيرة على ذلك وآخرها قرار محكمة استئناف الكرخ الاتحادية العدد 880/882/884/886/س/2020 في 23/12/2020 الذي قضى بتأييد قرار محكمة البداءة في الكرخ العدد 1918/ب/2020 في 15/11/2020 الذي قضى بإبطال قرار مجلس الأمناء في هيئة الأعلام والاتصالات، واثار ضجة إعلامية حول ما ورد فيه من نصٍ يفيد بعدم وجود مانع قانوني من التعاقد مع تلك الشركات وعلى وفق التفصيل الوارد فيه، وانعكست هذه الضجة على الرأي العام فمنهم من اعتبره صحيح وموافق للقانون ومنهم اعترض على تلك الإضافة لأنها خالفت مسار الدعوى وأراء متعددة ضجت بها وسائل الإعلام المرئية والسمعية والمقروءة ومواقع التواصل الاجتماعي، ولتوضيح الأمور اصدر المركز الإعلامي في مجلس القضاء الأعلى بيان أوضح فيه بعض تفاصيل القرار وغايات المحكمة من إصداره وجاء في نهاية التصريح الآتي (لذا فأن محكمة الاستئناف (الهيئة الاستئنافية) بينت في القرار الصادر هذا اليوم ان القرار الثاني بالامكان تنفيذه طالما تم تجاوز الاشكاليات القانونية التي استوجبت إبطال القرار الأول، وهذه مسألة تنفيذية تعاقدية تخص مجلس الأمناء.) والغاية واضحة من التوضيح هو خلق الاطمئنان لدى الشارع بسبب ما اثير حوله من شكوك، لكن لابد لنا إن نمعن النظر في قيمة هذا التوضيح حتى يطمئن الشارع العراقي بشكل يقيني وتتضح الصورة للرأي العام، لان هذا التوضيح لا يمكن أن يكون تفسيراً للحكم القضائي فأي حكم قضائي لا يفسر وإنما لمن يرى فيه خلل أو نقص في التسبيب ان يطعن فيه أمام جهات الطعن وعلى وفق الطرق التي رسمها القانون، لكن قد يكون في الحكم القضائي غموض في النص يوجب توضيحه وتفسيره حتى يتم تنفيذه على وفق ما سعى إليه ذلك الحكم، فان القانون العراقي لم يتطرق الى تلك الحالة ولم يؤيد فكرة تفسير الحكم القضائي بقرار تفسيري لاحق مثلما معمول به في بعض البلدان مثل المغرب ولبنان، فلا يجوز تقديم أي تفسير او توضيح لأي حكم قضائي، من اي جهة كانت باستثناء ما ورد في المادة (10) من قانون التنفيذ التي أجازت للمنفذ العدل أن يستوضح من المحكمة التي أصدرت الحكم القضائي عن أي غموض ورد فيه، أو أن يقوم المنفذ العدل بإفهام أطراف العلاقة بمراجعة المحكمة التي أصدرته لإصدار قرار يزيل التناقض إن كان له مقتضى في القانون وعلى وفق النص الآتي (للمنفذ العدل، أن يستوضح من المحكمة التي أصدرت الحكم عما ورد فيه من غموض، وإذا اقتضى الأمر صدور قرار منها افهم ذوو العلاقة بمراجعتها دون الإخلال بتنفيذ ما هو واضح من الحكم الواجب التنفيذ)، ومن خلال ما تقدم فان الحكم القضائي يبقى نافذاً على ما هو عليه، إلا إذا تم نقضه أو فسخه او إبطاله من المحكمة المختصة بالنظر في الطعن فيه، أما ما يرد من توضيح سواء من الإدارة القضائية العليا أو إدارة رئاسة الاستئناف او الدوائر ذات العلاقة بالدعوى، فانه لا يكون سوى رأي غير ملزم لأي جهة، ولا يؤثر على الحكم القضائي، وقيمة هذه التصريحات او التوضيح مثل القيمة التي تنطوي عليها الآراء العامة او التعليق على الأحكام التي يكتبها شراح القانون او المختصين في القانون من المحامين والحقوقيين واساتذة الجامعات، وكذلك ما يبديه عامة الناس في الأحكام القضائية التي يتشكل منها الرأي العام.
قاضٍ متقاعد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق