الصحافة الجديدةثقافة

مواقع الانترنيت الالكترونية وتشويه وعي المتلقين

مصطفى محمد غريب

الدخول والبحث في هذا العالم الطلسمي بعض الأحيان مغامرة قد تكون نتائجها غير حميدة بالنسبة للذين يستخدمونها ويتعلمون منها السلب بكل جوانبه الأخلاقية والاجتماعية والسياسية فهي إلى جانبها الايجابي في عدم حكر حرية النشر وفتح صدرها وتقديمها الخبر السريع وثرائها الفكري والثقافي إلا أنها تحمل مخاطر حقيقية إذا ما استغلت بطريقة تجعلها أداة فتنة وتفرقة وتشويه وفق آليات منظمة وجهات مموهة تدفع في الخفاء لخدمة أغراض أكثر شريرة مما نتصور وهذا الجنب المخيف الذي يتبنى الموبقة وهنا نتحدث عن الموبقة بجميع أشكالها وليس كما هو محدد وفي هذا الصدد يقال إذا لم تستحي فافعل ما تشاء وهو مبدأ يسير عليه البعض في هذا العالم الرحيب أما الذي يستحي لا يأتي الموبقة، والموبقة الموثقة تختلف في الشكل أحياناً لكنها في واقع الحال تتوحد في المضمون ولا يعتري أحداً منكم الظنون المقولة صحيحة 100% ” أن تقرا للأعداء حتى تعرف موقع قدميك” لان الأعداء لن يرحموك وبخاصة أعداء الفكر فهم أشرس الأعداء وأكثرهم حقداً وأتعسهم موبقات ولهذا عندما تجد محاكمة لقضية عادلة ووفق ” كلمة حق يراد منها الباطل ” فسوف تُقلب الأمر على جوانبه وتركز في كلمة ” الحق” التي أصبحت شعاراً يرفعه حتى التابعين للباطل، في الماضي غير البعيد كانت الجرائد والمجلات محدودة الطبع والتوزيع وكان المبدع الكاتب والشاعر والسياسي وحده يلجها ويكتب فيها ويقبل ككاتب أو مثقف أو شاعر وحتى سياسي وكان من الصعب بمكان أن يخترقها من كل هب ودب لوجود آليات وضوابط ويكون وفق معايير ثقافية وأدبية وسياسية مرهون بالكلمة حتى وان اختلف مع الآخرين وقد يظلم مبدعين وكتاب وشعراء لأسباب عديدة في مقدمتها العلاقة المعرفية والشخصية لكن أن تكون مساحة هذه الجرائد والمجلات عموماً ساحة اللمز والقذف والتزوير وتزيف الارادات والشتم وترويج الباطل فذلك صعب لكنه في الوقت نفسه ليس بمستحيل، وان تجمع هذه المساحة المئات الذين لا يلمون بالاصول المعرفية ولا الثقافة والأدب ولا حتى اللغة فذلك شبه مستحيل بسبب الترويج والادعاء المفضوحين ثم ضعف القدرة المعرفية في تقديم النص المبدع، ولقد تغير الحال بعدما بدأت المواقع الالكترونية بالانتشار وهذا شيء ليس بالسلبي المطلق لكن القضية بهذا الشكل وبهذه الطريقة ( أي شخص يستطيع أن ينشأ موقع ويقول عنه مستقل وليس مسؤولاً عما تنشر من آراء.. الخ من الشعارات ) فقد جلبت أكثرية هذه المواقع إلى ساحتها العجيب والأعاجيب وراح كل من يريد أن يشتم أو يسب ، يخدع ويكذب ويغش أو يفلسف ما يريد أن يفلسفه يستطيع الدخول إلى هذه المواقع بدون حسيب أو رقيب فقط المهم أن يجلس على الحاسوب ويضع أمامه لوحة الكتابة ولا باس أن يسرق من هنا كلمة أو من هناك جملة فإذا به فطحول زمانه مرحبٌ به وقد يلقب بالحكيم المنظر والأستاذ ويوضع في مراتب المبدعين ويصبح مشهوراً على الانترنيت بدون التدقيق في ماضيه وإمكانياته وانتاجاته أو باسمه الصحيح والمزور والحامل الألقاب فيما يكتب إذا كان سياسياً أو ثقافياً أو شعراً المهم كسب رضا البعض ممن يجلسون وراء هذه المواقع أو الممولين الحقيقيين والأهم قَلْبُ الحقائق وممارسة تجارة الكذب والتلفيق ومعرفة من أين يأكل لحم الكتف، فهو ديني وطائفي متطرف، ويساري قح وماركسي يجاهر بشيوعيته لكنه يسب الماركسيين والشيوعيين وديمقراطي لا يستطيع أن يضاهيه احد فيكتب مضاداً كل الديمقراطيين ولو دنى منه أحداً وحاول مناقشته ومحاورته اتهمه بشتى التهم وفي مقدمتها بعدم احترام الرأي الآخر ولا ديمقراطية الحوار ولكي لا نتجنى ونخلط الجميع فإن العديد من هذه المواقع الالكترونية تعيش على أجساد الآخرين وتقتات بالتشويه والتفرقة وحجب الحقائق، والحديث عن المثالب والسلبيات التي رافقت انتشار المواقع الالكترونية لا يمكن أن يكون إلا مدخلاً لرؤية الحقيقة المرة من خلال معايشتها والتطلع فيما ترمي إليه ومتابعة ما يجري فيها والإطلاع على الأسماء التي تبدو أكثرها أسماء وهمية أو مجيرة بالألقاب وأسماء عشائر وسادة من الذين يحق لهم أخذ الخمس!! فيتفاخرون بالأنساب والأفخاذ وبنضالاتهم الدنكوشوتية وكنا وكان في ذلك الزمان.. وباعتقادي إن أكثرية أصحاب المواقع أو المسؤولين عنها يعرفون مصادرهم من الأسماء ويعرفون الصحيح من المزور لكنهم يتباهون بالكمية متجاوزين مهنة الصحافة الشريفة وبالمعنى الشريفة التي تركز على نشر المفاهيم الأخلاقية والتربوية وتهتم بتطوير الثقافة المعرفية من اجل رفع مستوى الوعي عند المتلقين من القراء إلا أن ما يضحك ويبكي في الوقت نفسه أن هؤلاء المدعين بالمعرفة والثقافة يخبرونك منذ البداية أنهم ليسوا معنيين بالثقافة ولم يكونوا يوماً ما لا صحافيين ولا كتاب ولا شعراء لكنك تراهم في كل عزاء يلطمون فهم يكتبون الشعر ويرجمون العروض ويعتبرونها من مخلفات الماضي ويكتبون القصص البهلوانية والذكريات الأسطورية ويحللون الأوضاع السياسية على طريقتهم البهلوانية ووفق رغباتهم دون الرجوع للتاريخ وقوانينه وينتقدون الأحزاب ويشوهون صور الأشخاص لأنهم على حد تعبيرهم ” المخلصون الوطنيون ” الذين تهمهم قضايا البلاد والعباد أما الادعاءات الثقافية على الرغم من تواضعهم الذي اشرنا له فلهم باع لا يضاهيهم أحداً .
إن الكثير مع شديد الأسف من مواقع الانترنيت الالكترونية ومساحتها أصبحت في بؤس أخلاقي شديد وبخاصة تلك التي تعتمد على التشهير والقذف، تعتمد النزعة المعادية لكل ما هو جميل ومفيد بلا هزة ضمير صغيرة ومن هنا نستطيع القول أنها لم تستطع أن تقدم الشيء الكثير للملتقين من القراء بل العكس فقد شوهت وعيهم وأزاحت الحقائق من أمامهم وهزت قناعتهم وبهذا نجحت في تحقيق رسالة التخريب الفكري إلى حد ما ومن باب الحرص نستثنى العديد من المواقع الجيدة التي أخذت تساهم في المعركة الدائرة بين التقدم والتخلف ووضعت شروطاً لا نعتبرها دكتاتورية أو بالضد من حرية النقد أو حرية الصحافة بل بالعكس هي تخدم هذا الاتجاه وتعري بالوقت نفسه أولئك المدعين الكذبة!! مشددة على المعايير الحقيقية التي يجب اتخاذها والتقييد بها من اجل حرية الكلمة وحرية الرأي وحرية النقد الموضوعي البعيد عن الدسيسة وإشاعة الفرقة وبهذا استطاعت أن تحتل مكاناً متميزاً لدى الأواسط الثقافية والملتقين من القراء وهي تساهم أيضاً في تحرير العقل من الترهات والتخلف والرجعية والظلامية الذي رابَطَةْ سنين طويلة في العقول.
قد يفهم بأننا ضد انتشار مواقع الانترنيت الالكترونية ونطالب بحجبها أو وضع رقابة سلطوية عليها بل العكس فإننا من دعاة التوسع الإعلامي وتوصيل الثقافة الوطنية والصحيحة لكل الملتقين وفق المعايير الإنسانية والإخاء الإنساني المبني على الاعتراف غير المنقوص بحقوق جميع التجمعات البشرية من أعراق وقوميات واديان وطوائف وحقهم في المساواة والحرية والتقدم والعدالة الاجتماعية والخلاص من آفات الحروب والتدخل في شؤون الآخرين، إننا مع آليات التقدم الحديث لإيصال المعلومة والخبر والمقال وكل ما يتعلق بقضايا المعرفة الفكرية من ثقافة وسياسة وأدب لكننا لسنا مع مواقع أقيمت من أجل الرذيلة ونشر الموبقات الفكرية والثقافة الرجعية والسياسة التسلطية إننا مع تلك المواقع الالكترونية التي قدمت وما زالت تقدم المعرفة والرؤيا التقدمية ومناصرة الحق ضد الموبقة الفكرية وباطلها المشحون بالرجعية الفكرية وبالحقد والنميمة والعداء لكل ما هو إنساني رائع …

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق