في الواجهة

مفهوم الدولة العميقة

إن اﻟﺪوﻟﺔ اﻟﻌﻤﻴﻘﺔ ﻣﻦ اﻟﻤﺼﻄﻠﺤﺎت اﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ اﻟﻘﺪﻳﻤﺔ اﻟﺠﺪﻳﺪة ، اﻟﺘﻲ ﻇﻬﺮت ﻓﻲ اﻟﺪول اﻟﺘﻲ ﺗﻌﺎﻧﻲ ﻣﻦ انقسامات وإﺧﺘﻼﻓﺎت ﻓﻲ ﻣﻨﺎﻫﺞ وأيدلوجيات ﻣﻜﻮﻧﺎﺗﻬﺎ..اﻟﺪوﻟﺔ اﻟﻌﻤﻴﻘﺔ ﺑﺄﻧﻬﺎ ﺷﺒﻜﺔ ﺳﺮﻳﺔ ﺗﺘﻜﻮن ﻣﻦ اﻟﻨﺨﺐ اﻟﺬﻳﻦ ﻳﻌﻤﻠﻮن ﻋﻠﻰ إﺟﻬﺎض ﻛﻞ ﻣﺎ ﻳﻬﺪد ﻣﺼﺎﻟﺢ ﻫﺬه اﻟﻤﺠﻤﻮﻋﺔ..وﻓﻜﺮة اﻟﺪوﻟﺔ اﻟﻌﻤﻴﻘﺔ ﺗﻌﻨﻲ (دوﻟﺔ داﺧﻞ اﻟﺪوﻟﺔ)، ﺣﻴﺚ ﻳﻮﻇﻒ اﻟﻌﻨﻒ وﺳﺎﺋﻞ اﻟﻀﻐﻂ اﻷﺧﺮى ﺑﻄﺮﻳﻘﺔ ﺧﻔﻴﺔ ﻟﻠﺘﺄﺛﻴﺮ ﻋﻠﻰ اﻟﻨﺨﺐ اﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ واﻻﻗﺘﺼﺎدﻳﺔ واﻹﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ وﺣﺘﻰ اﻟﺪﻳﻨﻴﺔ ، ﻟﻀﻤﺎن ﺗﺤﻘﻴﻖ ﻣﺼﺎﻟﺢ ﻣﻌﻴﻨﺔ ﺿﻤﻦ اﻹﻃﺎر اﻟﺪﻳﻤﻘﺮاﻃﻲ ﻇﺎﻫﺮﻳﺎ ﻟﺒﻌﺾ اﻟﻘﻮى اﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ وﻳﺮى اﻟﺒﻌﺾ أن (اﻟﺪوﻟﺔ اﻟﻌﻤﻴﻘﺔ) ﻟﻴﺴﺖ ﺗﺤﺎﻟﻔﺎ ، ﺑﻞ ﻫﻲ ﻣﺠﻤﻮﻋﺎت ﺗﻌﻤﻞ ﺿﺪ ﺑﻌﻀﻬﺎ اﻟﺒﻌﺾ ﺧﻠﻒ اﻟﻜﻮاﻟﻴﺲ ، ﻛﻞ ﻣﻨﻬﺎ ﻳﺴﻌﻰ ﻟﺘﻨﻔﻴﺬ اﻷﺟﻨﺪة اﻟﺨﺎﺻﺔ به..وﻟﻠﺪوﻟﺔ اﻟﻌﻤﻴﻘﺔ وﺟﻬﺎن: أﺣﺪﻫﻤﺎ..ﻣﻌﻠﻦ وﻇﺎﻫﺮ ﻳﺘﻤﺜﻞ ﻓﻲ رﺟﺎﻟﻬﺎ اﻟﺬﻳﻦ ﻳﺘﺒﻮأون ﻣﻮاﻗﻊ ﻣﺘﻘﺪﻣﺔ ﻓﻲ ﻣﺆﺳﺴﺎت اﻟﺪوﻟﺔ واﻟﺠﻴﺶ واﻟﺒﺮﻟﻤﺎن واﻟﻨﻘﺎﺑﺎت وﻣﺆﺳﺴﺎت اﻹﻋﻼم وﻧﺠﻮم اﻟﻔﻦ واﻟﺮﻳﺎﺿﺔ..وأﻣﺎ اﻟﻮﺟﻪ اﻵﺧﺮ..ﻓﻬﻮ ﺧﻔﻲ ﻏﻴﺮ ﻣﻌﻠﻦ ﻳﺘﻮﻟﻰ ﺗﺤﺮﻳﻚ اﻷﻃﺮاف اﻟﻤﻌﻨﻴﺔ ﻓﻲ ﻣﺆﺳﺴﺎت اﻟﺪوﻟﺔ ﻟﺘﻨﻔﻴﺬ اﻟﻤﺨطﻄﺎت اﻟﻤﺮﺳﻮﻣﺔ ﺑﺄﻳﺎدٍ ﺧﻔﻴﺔ ﺗﻈﻬﺮ وﺗﺨﺘﻔﻲ ﺣﺴﺐ اﻟﺤﺎﺟﺔ وﻣﻦ اﻟﺠﺪﻳﺮ ﺑﺎﻟﺬﻛﺮ ان (اﻟﺪوﻟﺔ اﻟﻌﻤﻴﻘﺔ) ﻓﻲ اﻟﻌﺮاق ﻫﻲ ﺧﻠﻴﻂ ﻋﺠﻴﺐ ﻣﻦ اﻻﻃﻴﺎف اﻟﻤﺨﺘﻠﻔﺔ دﻳﻨﻴﺎ وﻋﺮﻗﻴﺎ واﻗﺘﺼﺎدﻳﺎ وﺛﻘﺎﻓﻴﺎ ، ﻓﻬﻢ ﺳﻴﺎﺳﻴﻮن وﻧﻮاب وزراء ﻳﻌﻤﻠﻮن وموجودون ﻓﻲ ﺗﺸﻜﻴﻠﺔ اﻟﺤﻜﻮﻣﺔ ، وﻳﺪﻳﺮون اﻟﺪوﻟﺔ وﻳﺤﺮﻛﻮن ﻣﻔﺎﺻﻠﻬﺎ ﻟﻌﺮﻗﻠﺔ ﻋﺠﻠﺔ اﻟﺴﻴﺮ ﺑﺎﻟﺪوﻟﺔ ، وإﻓﺸﺎل ﺧﻄﻬﺎ،واﻟﺪوﻟﺔ اﻟﻌﻤﻴﻘﺔ ﻣﺜﻠﻬﺎ ﻣﺜﻞ ﺑﻌﺾ اﻟﻘﻮى اﻟﻤﻌﺎرﺿﺔ ، ﺣﻴﺚ ﻳﻌﻤﻞ اﻟﻘﺎﺋﻤﻮن ﻋﻠﻴﻬﺎ ﻋﻠﻰ ﻧﺸﺮ اﻟﺪﻋﺎﻳﺔ اﻟﺴﻠﺒﻴﺔ ﻹﺛﺎرة اﻟﺨﻮف اﻟﻌﺎم ﺑﺎﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ، وزﻋﺰﻋﺔ اﺳﺘﻘﺮار اﻟﺒﻼد وﻗﺪ ﺗﻜﺎﺛﺮت ﺷﻜﻮى ﻣﻦ ﻫﻢ ﻓﻲ اﻟﺤﻜﻮﻣﺎت ﺑﺎﻟﻌﺮاق ﻣﻦ ان اﻟﺪوﻟﺔ اﻟﻌﻤﻴﻘﺔ ﺗﻌﻴﻖ اﻟﻌﻤﻞ ﻓﻲ ﻛﻞ ﻣﻔﺎﺻﻞ اﻟﺪوﻟﺔ ، وﺗﻨﻘﺾ اﻟﻘﺮارات ، وﺗﻌﻄﻞ اﻟﺒﻌﺾ وﺗﺤﺮف اﻟﺬي ﻳﺼﺪر ﻋﻦ ﻣﻮﺿﻌﻪ ، ﻓﻜﻞ ذﻟﻚ اﻧﻬﻚ اﻟﺪوﻟﺔ اﻟﻌﺮاﻗﻴﺔ وﺿﻌﻬﺎ ﻋﻠﻰ ﺣﺎﻓﺔ اﻻﻧﻬﻴﺎر ، وأي ﻣﺘﺎﺑﻊ أو ﻣﺤﻠﻞ ﻳﺮى ان ﻣﻦ اﻟﺼﻌﺐ إﺻﻼح اﻟﺤﺎل ﺑﻌﺪ وﺿﻊ اﻟﺪوﻟﺔ اﻟﻤﺘﺮدي ﻫﺬا اﻟﺬي ﺗﻌﻴﺸﻪ ﺑﻴﻮﻣﻴﺎﺗﻬﺎ ﻣﻊ ﻫﺆﻻء اﻟﻘﺎدة.
د. ﻧﺒﻴﻞ أﺣﻤﺪ اﻷﻣﻴﺮ

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. مصطلحٌ الدولة العميقة جديد لا تصادفه في موسوعات العلوم السياسية سابقا، بدأ توظيفه أخيرا، وقد فسّره المؤرخ الأميركي، (كريك كراندن)، ”على أفضل ما يكون بوجود حكومة خفيّة تآمرية عميقة في أحشاء الدولة، تمثلها مراكز قوى، أو سلطة دينية، أو اجتماعية مخفيّة عن الأعين، تعمل ضدّ المصالح الوطنية، لتكبح تطور الدولة دوما، وتقيدها وتسلب مواردها بشتى الوسائل، فتعرقل نمو المجتمع”
    و يعبر مصطلح “الدولة العميقة” عن ذلك التحالف العميق الذي يجمع من بين ظهرانيه بنيات الدولة المختلفة، من مركب إداري وسياسي وإعلامي وقضاء ومثقفين ورجال دين.. يجمعهم جميعا حول “رابطة” واحدة منطلقها ومؤداها: الإبقاء على مصالحهم وامتيازاتهم الخاصة، واستثناؤهم من أية محاسبة أو مساءلة، ثم عدم تعرضهم لأية متابعة قضائية إن اهتز النظام القائم، أو استجدت أحداث من شأنها زعزعة المنظومة، و يعبر المصطلح أيضا عن الطبيعة الشبكية لهذه الدولة، إذ تبدو هذه الأخيرة على شاكلة بناء شبكي متراص، يتكون من العناصر الرفيعة في النظام، تجمعها مصالح اقتصادية ومشاريع تجارية ومالية، وعلاقات اجتماعية وعائلية، وطقوس احتفالية، وانتماءات طائفية وما سواها.
    والتسمية تنطبق على الدول القومية التي قامت في أوروبا بعد اتفاقية ويستفاليا للصلح، والتي أنهت حروبا طويلة في أوروبا وشكلت بداية قيام دول “قومية” مستقله ذات سيادة على حدود واضحة، وهو ذات ما نشأ عن انحسار الاستعمار الكولونيالي الأوروبي منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية وصولا لستينيات القرن الماضي. ومبدأ السيادة حفز نشوء “الدولة العميقة” مجسدة لمخاوف العودة لسيطرة خارجية على تلك الدول.
    ولهذا فإن نواة الدولة العميقة تضم أصحاب النفوذ السياسي والمصالح المالية، وتبعهم الإعلام بداهة قبل ثورة الإنترنت، وبسبب هذا التلاقي بين النفوذ والسياسي والمالي، فإن أساليب الدولة العميقة تجنح في الأغلب للعنف والقمع.. ولكن بعد تكرّس الديمقراطية، تصبح “الدولة العميقة” حامية لها باعتبارها وسيلة التغيير السلمي بدل المواجهات التي تضر أكثر من يملك أكثر ليخسره، كما يجري الآن في أميركا للتصدي لسياساتها ، ويجري في الانتخابات الأوربية التي قد تأتي بمتطرفين قوميين أو تودي بهم، أي أن “الدولة العميقة” ذاتها كائن متغير وليست هيئة مقدسة تسبغ الشرعية ببركاتها.
    منذ القدم وليس للسياسة شغل إلا بالدولة، في السبعين سنة الأخيرة وحدها ظهرت مصطلحات عديدة تعبر إما عن نوع الدولة أو عن قدراتها الوظيفية، سمعنا عن دول العالم الأول والثاني والثالث. الدولة الدينية والدولة المدنية، الدولة الرأسمالية والدولة الاشتراكية الدولة الحارسة والدولة الحابسة، الدولة المسـتقـلة والدولة التابعة، الدول المتقدمة والنامية، الدولة الديمقراطية والدولة الشمولية، ثم انفجر منذ ثمانينيات القرن الماضي حديث واسع عن الدول المزعجة في العلاقات الدولية، فظهرت تعبيرات كثيرة مثل الدولة المارقة والرخوة والهشة والفاشلة، كما راجت أحاديث تحذر من انحدار بعض الدول إلى شبه دولة.
    فقد انتكست كل ثورات الربيع العربي وعادت الدولة لتركب المجتمع من جديد وترفع أسوار الخوف مرةً أخرى، والأمر برمته خطأ، فلا المجتمع حتى وهو يثور ليستبدل نظام حكم من حقه أن يركب الدولة ويعبث بها، ولا الدولة من بين حقوقها لما تكوّنت أن تركب المجتمع وتكتم أنفاسه.
    لكن بسبب حمولة تاريخية عربية ثقيلة لم يعتد لا هذا الطرف ولا ذاك على قبول الآخر والإقرار بالتوازن معه. الدولة تعودت على خنق المجتمع، والمجتمع اعتاد على التملص من الدولة. ولم يستفد الاثنان من الربيع العربي لتصحيح هذا التوازن المختل. رفضت الدولة أن يعلو صوت الشعب، ورفض المجتمع أن يستوعب معنى الدولة. في سوريا ضربت الدولة المجتمع من البداية. أما في مصر، وإلى درجة ما في تونس، أبدت الدولة تعاطفاً مع الثورة. لكنها اتجهت بعد سكون العاصفة إلى الممارسات التاريخية التي اعتادت عليها: أن تتكلم والمجتمع يسمع، أن تأمر والمجتمع يطيع، أن تقرر والمجتمع يرضخ. وللحق، فالدولة العربية لا تقف بأكملها ضد المجتمع وإنما بالتحديد تلك القوى الغاطسة والمتحكمة أو ما يُعرف بالدولة العميقة. تلك الدولة المستترة القابضة على صناعة القرار والثروة وموارد القوة والتي لا تقبل أن يرفع المجتمع رأسه، وتناصب المشاركة الشعبية العداء ولا تريد من الديمقراطية إلا الرتوش.
    هذه الدولة العميقة عتيقة لأنها لم تظهر فجأة وإنما تكونت عبر تاريخ طويل. كما أنها معيقة لأنها لا تهتم إلا بمصالحها. تأخذ من العام لتكوّن ثرواتها الخاصة، ولا تنشغل بمشكلات العوام مثل الغلاء والصحة والبطالة. فطالما هي بخير فليذهب المجتمع إلى الجحيم. وهذا ما جعلها مراراً قمعية تظهر العين الحمراء للمجتمع حتى لا يتجرأ عليها. ومثل هذه الدولة العميقة العتيقة المعيقة لا يمكن أن تنهض بإصلاح طالما أنها تُغيّب وتنفي المجتمع الذي هو مادة وأداة الإصلاح في نفس الوقت.
    ختاما في هذا التعليق نورد مقولة أحد السياسيين البارزين ، أنه صرح لوسائل الإعلام حذر من “مجموعة تقف وراءها الدولة العميقة تريد ضرب المؤسسات الحيوية” و تر يد ركوب موجة الحرك ، ليتوارى هذا السياسي عن الأنظار بشكل نهائي، ترى ما سر هذه الدولة العميقة في فكر هذا السياسي…….؟؟؟؟؟؟؟؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق