إقتصاددراسات و تحقيقات

مفاهيم وطرق تحديث وتطوير الادارة …عصرنة الادارة

 رولا حسينات

في الكتابة الصحفية معيار قاس بأن لا تبدأ أيَّ مقال كان بحرف جر وأبدأ ملتزمًا بالفعل الماضي، غير أني رأيت أن أخالف هذا المعيار في أغلب كتاباتي بالمقال مبتدأة أياها بأحد المصادر التي تغنى بها لغتنا الأم العربية.
“رقدته الباردة فوق سرير بقضبان حديدية عند النافذة الطولية، التي يلامس بشقي عينيه منها الضباب الممتد حتى يقبضه بارتداد جفنيه… فلا يبصر شيئا إلا صور الخوف المعلق بمسامعه من أزيز الطائرات الحربية التي علقت بحبال موصلة بخيوط بين السماء والأرض…
لم يكن أحد ليبصرها وهو الذي يبقيها مزروعة في السماء السكنية…تقبض إليه ما تبقى من أمل هش في إبصار القرص الدائري الذي ينسل إلى جوف الروح فيوقظها من خوفها والسرير الحديدي يرسل غليه ما تبقى من فتور… وقد سوي جسده وفكره على لوح خشبي، تفصل نوابضه الدائرية مفاصل جسده وتشكها بمخرز الألم… وتلامس قدماه الصفيحة الحديدية لنهايتها لتصده القضبان، فيمضي ليله ثانيا ساقيه وهو ما سبب له تلك العروق الزرقاء التي انتشرت متشابكة في المنطقة الممتدة من القدم إلى ما فوق الركبة، والتي تزيده ألما كلما ازدادت ساعات وقوفه عند خط الإنتاج للألواح الإلكترونية، وتلك الخلايا الصغيرة المرتبة بدقة متناهية…
أيُّ خلل في هذه الخلايا يجعل صاحبها في مأزق حرج، سيحاسب عليه عند جهاز فحص جودة اللوح الإلكتروني…وقد يؤدي إلى حفلات طويلة من التعذيب بالكرسي الكهربائي…
الرغبة الدفينة في أعماقه قد لا تكفي وحدها لأن يتغير ما حوله، واقعه الذي يفرض عليه الدقة والالتزام يتنافى مع كل آماله في أن يخون التزامه في عمله…ليست محبة فيه أو من روح الالتزام التي تفحص يوميا بعينة من دمائهم، لكنها من خوفه من الموت الذي يقف كشوكة في حلقه ترجع إليه طعم الدماء النازفة في جوفه.
أن يتغير كل شيء وبأيّ طريقة هو أقصى ما يتمنى…لا يهم إن كانت طريقة يتصف بها الملائكة أو تتصف بها الشياطين… فالرغبة واحدة في أن ينتهي هذا الكابوس الذي لم يعرف إن كان قد ولد معه أو من دونه، ولكن تلك الصورة الملائكية التي تعن على باله تجعل له بصيصا من الأمل في أن تتقوس الجدران، وأن ينقشع الضباب، وأن يفقأ عين الخوف بدبوس…كيلا تصيب نورا مظلما من جديد.
الهاجس الذي يعمل بمعوله نبشا في تجاويف تفكيره، التي تمرن زمنا على إبقائها لا تنبض بالحياة، خلايا ميتة ثابتة تماما كما كل شيء فيه، كما كل شعرة في جسده، لا تتمدد ولا تتقلص ثابتة كما هي مزاعمهم الكاذبة… “.
كان تعييني في جامعة العلوم والتكنولوجيا قبل عام وثمانية أشهر تقريبًا، وأجدني غير مبالغة في أن تكون تلك الذبالة بنزرها اليسير تخبو شيئًا فشيئًا وتروح الذبالة مع نسائم صيفية وتجيء كسيرة مع صفعة من ريح شرقية، ولم أكن في ما اقتبسته من قصتي حلاوة اللون الأحمر إلا مدللة على الواقع الإداري الذي نعيشه والأسلوب الإداري الممارس في السياق الإداري المتبع في البيئة المصغرة من البيئة الإدارية الأردنية في جامعة العلوم والتكنولجيا الأردنية إلا امتدادًا لرتابة وعدم ممارسة النظرية المعيارية بتقليديتها ولو بحدها الأدنى، والذي انسحب على المشهد الكلي من هيكلة تنظيمية هزيلة أفضت إلى تخبط بالحالة الإدارية وتموضع بتعارض بين القيمة التعليمية المقدسة وتعظيم الربحية (حيثُّ يسلط المؤلف البرفيسور عادل رشيد في كتابه (الأردن والإدارة التحولية: نحو أردن متكامل) “إن المحركات الانسانية الطبيعية للمبادرة والمشاركة وهي جوهر الثقافة أصبحت تجرم، وينسحب ذلك على تسليع الأبحاث والمعرفة الجامعية وإخضاعها للسوق ففي الجامعات يعمل الناس معًا لتوليد المعرفة وتدير الجامعة الانسيابات المعرفية؛ كنظم حية وتوفر طرقًا لتخزين المعرفة وتحسينها وتقديمها للأجيال القادمة فالجامعة نظام أيكولوجي معقد مكون من العديد من المشترك الأقل حجمًا مثل: كليات الدرجة الجامعية الأولى والدراسات العليا والمدرسة والقسم الأكاديمي والمكتبة والأرشيف وقاعات المحاضرات وغرف السينيمار “.
وحيثُّ أنَّ الكيان الجامعي هو امتداد للمجتمع وأداة تطبيق سياسات حكومية أول حلولها الطالب كما هي الحكومات المتعاقبة في كون أول حلولها المواطن بعيدًا عن المشاريع التنموية، وما تعانيه الجامعات الأردنية بشكل عام هو في الواقع نتاج أزمات مالية متلاحقة وسياسات مالية واقتراضية عشوائة متراكمة وقد خاضت مخاضًا عسيرًا في الواقع المالية خاصتها ويعد ما تعانيه الجامعات امتدادًا لأزمة عام 2008 ومعبدة طريقًا طويلاً من الأزمات الأكثر عمقًا؛ والتي أفردت آليات جديدة للبحث عن مصادر تمويلية وشرعنتها في إطار العملية التعليمية ومساواة الفرص في الحصول على مقعد الدرس، ولعله إن كان ضمن إطار النظرة الملمة لموائمة الواقع بالحداثة والحاجة بالوسيلة لا يتعارض كثيرًا إلا إذا تطرف بالمنهج المتبع وهو النهج الربحي التجاري وحسب. ولا تتعدى التسمية التي تحمل محتوىً نهضويًا في العصر الاقتصادي الذي كانت التكنولجيا أهم سماته التنافسية في ظل التمدد لمفاهيم العولمة، وإن كان ما حققه العصر الاقتصادي الذي استند إلى قواعد نظرية عملية وفلسفية وتاريخية متراكمة جسمت الفكر والممارسة في نظام عالمي منمط ومعياري والذي اتسم بالأحادية والعقلانية ذات المنظور الأوحد والتنظيم المتسم بالإنغلاق والتشرنق ضمن تحقيق أكبر بتعميق تعظيم أطر الربحية مع إغفال العوامل الأخرى والتي تراكمت بمخزون معرفي ضيق وقد أهملت الأنسنة والتفاعلية ولو بحدودها الدنيا، وهو الذي طرح بالمجمل قضايا جوهرية وصمت العصر بالمؤزم بإبراز الأزمة البيئية بالاحتباس الحراري والتغيّر المناخي واستنزاف الموارد الطبيعية المتجددة وغير المتجددة على حد سواء وتوسيع الشق العظيم بين الدول الفقيرة والدول الغنية وفي بنيوية الدولة الواحدة، وغالت في فرض مصطلحات جديدة من البطالة والفقر والعنف والإرهاب والتوتر الديني والثقافي والعرقي والحضاري حول العالم، وقد أهملت البعد الثقافي الذي يمثل سياقًا يحقق التوازنية المتناغمة بين الاقتصاد والبيئة بين المنافسة والتعاون وبين الناس والتكنولوجيا والمحافظة على الديمومة للموارد الطبيعية والتشاركية فيها.
وفيما تمَّ نشره على الصفحة الرسمية للأمم المتحدة/ إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية (20 في تموز/يوليه 2012, نيويورك) ” ويجب التمويل الابتكاري من أجل تعزيز التنمية إلى حد كبير في مساعدة التقاط علامة التبويب من أجل التنمية. فمن الواضح أنه من أجل تحقيق الأهداف الإنمائية للألفية، سيتم أيضا المساعدة الإنمائية الرسمية بما يتماشى مع الالتزامات الدولية، ستكون هناك حاجة لتخفيف عبء الديون، والوصول إلى الأسواق، والدعم المالي والتقني وبناء القدرات “.
يرافقه الجهود المبذولة لتعبئة موارد جديدة من خلال التمويل الابتكاري، ينبغي بذل جهود لترشيد توزيع وتوصيل هذه الموارد مع هياكل الحكم المناسب، وفقا لاحتياجات التنمية في البلدان النامية وتبسيط هيكل تمويل التنمية. إعادة الانطلاق من أجل التنمية.”
“من المسائل الاجتماعية الحساسة التي لم يتمكن الوضع الاقتصادي الأردني من معالجتها عبر أكثر من عقدين من الزمن؛ هي مشكلة الفقر الذي يزيد معدله عن 14% بين المواطنين وفق الأرقام الرسمية .”
ويمكن التأكيد على ما قاله دريدا بأنَّ الطرق التي تمّ انتهاجها مسبقًا ولم تثبت نجاحها لا يمكن التعويل عليها لإصلاحات يبتغى منها نتائج ايجابية، وهو الأمر الذي تقوم به الحكومات الأردنية المتعاقبة ولكن لم تثبت نجاعة أيّ منها.
” ومما تجدر ملاحظته أنه ومع قرب انتهاء أجل الوثيقة؛ فإن الواقع جاء مغايرًا لما استشرفته وثيقة الأجندة الوطنية من أهداف وتوقعات؛ فعلى سبيل المثال: زادت نسبة البطالة والفقر، كما ازداد العجز في الموازنة، وازداد الدين العام بشكل كبير بدلاً من أن تنخفض بشكل ملموس كما استشرفت برامج الوثيقة وخططها .”
ويبقى هذا الطرح وإن كان واعيًا بالواقع الأليم الذي يعاني منه عالمنا إلا أنه يبقى قصير الرؤى ولم يتعد الأطر المعيارية في الطرح من حيث الترشيد وحصره بالتمويل الابتكاري والذي تُرك على علاته في الطرح من حيث الموارد وكيفية الاستغلال والهيكلة التمويلية والاحتياجات، فيمكن القول: بأنها تنمية عرجاء لم تأخذ بعين الاعتبار البعد الثقافي والإيكولوجي الذي يفرض سياقًا تحوليًا فكما يجمل مؤلف كتاب ثورة أم نهضة: صنع التحول من العصر الاقتصادي إلى العصر الثقافي:”الثقافة أولاً هي الجذور من حيث مجموعة اعتقادات الناس الإيدلوجية والميثولوجية والكونية والجمالية والعلمية والدينية والأخلاقية لأنها تزود البديهيات والافتراضات والأساسات التي تستند إليها الثقافة “.
واستنادًا لاعتبارات نظرية مسوغة بالأوضاع الاقتصادية المتردية والمنذرة بأزمة مالية حقيقية أشدُّ بأسًا من أزمة 2008 فكان من الأجدى على الرغم من السياسات الحكومية غير الواعية وغير المدروسة والتي أغفلت الأساليب الإدارية والتنظيمية والمنهجية التي أثبتت فشلها وعدم نجاعتها في حل المشاكل الاقتصادية المتلاحقة ببلورة القضية ببعدها الاقتصادي فقط حيث يتم النظر إلى التنمية المستدامة من خلاله بعيدًا عن تمثلها كفرصة جديدة لنوعيّة النمو الاقتصادي وكيفيّة توزيع منافعه على طبقات المجتمع كافة، وليس مجرّد عمليّة توسع اقتصادي، لا تمنع من ازدياد الفوارق بين مداخيل الأفراد والجماعات، إن بين دول الشمال والجنوب أو داخل الدول النامية نفسها. التنمية المستدامة تفرض نفسها كمفهوم عملي للمشاكل المتعدّدة التي تتحدّى البشرية؛ لقدرتها على تقييم المخاطر ونشر الوعي وتوجيه العمل السياسي على المستويات المحلّية والإقليميّة والدولية في أيّ دولة من الدول.
“وبين الرزاز أن الخطة ستنفذ على مدار الأسابيع والأشهر القادمة، فيما أعلن عزم الحكومة مكاشفة الرأي العام بأرقام الموازنة للعام 2020 وبأدق التفاصيل وإجراء حوارات “توافقية” بشأنها لردم الفجوة بين الإيرادات والنفقات.
كما برزت في الخطة حزمة قرارات لتقنين الحجز التحفظي على أموال الاستثمارات والمستثمرين، ودعم استقرار الاستثمارات الجديدة لمدة 10 سنوات وإيجاد لجان خاصة لحل القضايا العالقة والنزاعات في الاستثمار، عدا عن حزمة من القرارات المتعلقة بتوفير وحدات سكنية بأسعار تفضيلية للعائلات الناشئة من ذوات الدخل المحدود، وإعادة هيكلة رواتب القطاع العام وزيادتها وربطها بالجودة.
ومن بين القرارات التفصيلية، تخفيض رسوم التسجيل للعقارات ونقل الملكية للشقق والاراضي بواقع 50% حتى نهاية العام 2019، واستحداث نافذة تمويلية من خلال البنك المركزي لقروض الاسكان بفائدة مخفضة، وربط قيم الحجز التحفظي الصادر عن دوائر الجمارك وضريبة الدخل، ومنع الحجز على الشركاء والمفوضين في شركات المسؤولية المحدودة أو الخاصة أو المساهمة العامة المحدودة بسبب أية ديون على الشركة ذاتها .”
بينما تبدو”واشنطن ولندن مُهتمّتَان فجأةً…الوضع الاقتصادي الأردني “حرجٌ للغاية” وعلى طاولة البحث المُشترك لحُلفاء عمّان.. قرار أمريكي بريطاني بـ”العمل معًا” لإعادة تقييم ومُراجعة “تحدّيات المملكة” بعد مُقابلة الملك – جونسون ”
كما أوضح مردخاي كيدار في مقاله بموقع ميدا، وترجمته “عربي21:” أن الوضع الاقتصادي المتدهور في المملكة، وملايين اللاجئين القادمين من سوريا والعراق قد يعملون على زعزعة الاستقرار، وربما يؤدي لاندلاع سلسلة احتجاجات ضد الحكومة “.
فكان لابد في هذا البحث تسليط الضوء على فرصة جديدة أو بقعة من الضوء في طور نموها لتشخيص معالمها الرئيسية واستنطاق ظاهرة التحول الإداري فيها للتوقف عندها والنظر فيها على أمل أن تكون مدعاة لمنظمات الأعمال والمؤسسات لتكون مثال يحتذى لغايات التأمل والنظر بإمكانية الصيرورة و امكانية تبني ممارساتها.
وأن تبرز سمات الإدارة التحولية ومحاولة تمثلها وبيان أهم الميعقات التي تحول دون بروزها وصيرورتها التحولية الكليةالممّكنة من تحقيق التنمية المستدامة استنادًا لمتطلبات الطروحات الإدارية الجديدة القائمة على التحول في ظل التغيرات الجذرية التي أصابت كوكب الأرض والتغير المناخي وأزمات الطاقة ونفاذ الموار الطبيعية إن شئنا أم أبينا.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق