رأي

ما لا يقال ..في السياسة ..!

عبدالواحد حركات

حان الوقت للتشكيك في كل الافتراضات..! مضى زمن التسليم والانسياق اللامبالي خلف نظريات ورؤى وآراء وقادة ومفكرين ومغامرين وسياسيين ومحتالين لا برهان ولا دلائل على نبوغ وتفرد وتميز واستثنائية لديهم، سوى ما أسقطته جموع النخب والمتثاقفين طاعمي الموائد والعوام عليهم، وما صنعته لهم من هالات ومميزات، وما أُسطر وضخم مريدوهم في سيرهم من أحداث ومواقف لم تكن لتنال حظها من التضخيم مع سواهم..!
انتهى زمن المعجزات ووقف الإنسان على سطح القمر..! القمر الأجرد الساكن الذي ترك الأمريكي نيل آرمسترونغ آثار قدمه على رماله الصخرية منذ يوليو عام 1969 ميلادي، والتي يفترض أنها باقية للأبد إذ لا أمطار تزيلها ولا رياح تذروها، لازال ذات القمر الذي يتغنى به الشعراء والعشاق والمغنون، فالمعنى الجمالي الرومانسي الذي صنعته الأوهام لم تغيره الحقائق التي اكتشفها رواد أبولو الأمريكيون، ولم يتغير شيء ولن يتغير شيء في عالم وفكر وثقافة تتعايش فيها المتناقضات بانسجام، وتتساكن فيها الأكاذيب مع واقع يثرثر بالحقائق الواقعية..!.
كل النزاعات تدور حول المعنى وإن بدت بشكل آخر، فنزاعاتنا مذ كنا تدور حول معنى الإنسان ومعنى الإنسانية، معنى الحياة ومعنى الوجود، معنى التعايش ومعنى السياسة..!.
إن اختيار الأفكار القائمة والمبنية على الأوهام بديلاً للحقائق لم يجد نفعاً، فبرغم كل ما حدث لازالت ذات محركات الفكر تعمل بذات الوتيرة وفي نفس الاتجاه، فقواعد الغابة لازالت سارية المفعول، برغم ما رشت به من عطور وما نثر حولها من ورود وما تزينت به من إكسسوارات، ولازالت قناعات وهواجس وغرائز قوم كينيانثروبس تمد ساقيها في أدمغة الجميع بنسب متفاوتة، فلم يتغير شيء في الإنسان سوى القشور.!. نفض غبار الماضي عن النفس والفكر ليس بالأمر السهل على أحد، فما اعتاده الإنسان وتعوده وصار لصيقا به وجزءًا منه وجزءًا فيه بذات الوقت، لا يمكن بأي حال تحديده أو تقليصه أو تجاوزه أو تركه أو معاداته في الحالة الطبيعية، فإما نبوءة أو مستوى نيرفانا مرتفع جدا يخلو فيها الإنسان من معاناة كينونته فلا يشعر بتأثير المؤثرات الخارجية ويبتعد عن المشاعر السلبية، فالذاكرة الجينية تقحم الجميع بموروثات غاية في البدائية والتوحش، وتفرض على الفكر اتجاهات ملتوية للوصول بجهد ووقت مختصرين لأهداف يحيطها ضباب ويكتنفها غموض، فلا تبدو للجميع كما هي حقيقية بل تطابق الأهواء كمرآة ساحرة..!.
الإنسان كائن اجتماعي، والمنطق يحتم أن سياسات التعايش والإدارة بالمجتمعات تهدف إلى تحقيق متطلبات الإنسان وتضمن له البقاء في حقيقته ككائن اجتماعي، فالأساس الافتراضي لوجود السياسات التنظيمية هو كونها حميدة في منشأها وأسلوبها وغايتها وأهدافها بشكل كلي وصريح ومنطقي وواقعي ومساوٍ وعادل، فالفكر السياسي ينطلق من مبدأ أن النوايا حسنة لصانعي السياسات والنبالة مؤكدة بمطبقي السياسات والأهداف..! الحقيقة أن النوايا ليست حسنة والسياسات ليست حميدة ومطبقي السياسات ليسوا نبلاء والأهداف مائية ومرتبكة، فالسياسة، بعمومها، التي يفترض ضمنياً أنها لا تنفصل عن الديمقراطية والمساواة، نجدها معادية لها ومصابة بدوار براغماتي مزمن، وتبدو فيها الديمقراطية طيفا لانهائيا وانتقائيا، فقد تآكلت معادلات التعايش بالمجتمعات وصدئت، ولم يعد الهدف النهائي هو تحقيق كرامة الإنسان من الناحيتين النظرية والواقعية، بل كرست السياسات لخلق الإنسان المهدور..!.
لا ريب ولا فصال ولا شكوك ولا طعون ولا مداولة في حقيقة أن الهدر سياسة والسياسة هدر كذلك، فقد أمسى التخلي عن المنطلقات وتشويه الأسس حقيقة معاشة وأداة فائقة لهدر الإنسان، وباتت السياسات تتفنن في هدر كيان الفرد وإدامة الأسى وفرض وإقرار واقع المعاناة، وتتوالى علانية سياسات هدر الكفاءات والخبرات والتقدميين والرواد والمجددين والمفكرين في أغلب المجتمعات، بحجج شعوبية وعصبية وولائية رجعية لا ترتبط بواقع حياة العصر ومتطلباتها، وتعاود السياسة السقوط تلو السقوط كأنها عمياء حتى بات السقوط حقيقتها والعمى طبيعتها، وغدت السياسة بعمومها سقوطا أعمى..!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق