أحوال عربية

“مايسترو” التطبيع سيخرج للعلن

حالة الهرولة التطبيعية العربية تصل الى مستوى الفجور،حيث وصف كاتب صهيوني يدعى الداد باك في مقال نشره في صحيفة ” اسرائيل هيوم”،التطبيع مع النظام الرسمي العربي ليس فقط بالهزة الأرضية،بل شرخ جوفي حقيقي بعد 72 عاماً من الصراع العربي- الإسرائيلي،وبأن ذلك سيؤدي الى اعادة تصميم الشرق الأوسط من جديد،ومن بعد توقيع الإتفاقيات والمعاهدات التطبيعية ما بين دولة الإحتلال ومشيختي الإمارات العربية والبحرين،والتي تشمل التمثيل الدبلوماسي وافتتاح السفارات والزيارات بدون تأشيرات الدخول،وتدشين الرحلات الجوية والتجارية،بمعدل 28 رحلة أسبوعية إماراتية و 19 رحلة اسبوعية بحرانية الى مطار اللد..يبدو بأن هناك المزيد سيخرج من صندوق التطبيع العربي الرسمي،فالنظام السوداني يقترب جداً من التوصل الى إتفاق تطبيعي مع دولة الإحتلال،مهد له بزيارة مشتركة لوفد أمريكي- اسرائيلي أمني وعسكري الى الخرطوم واتصالات حثيثة قام بها وزير الخارجية الأمريكي بومبيو مع رئيس المجلس العسكري الإنتقالي السوداني عبد الفتاح البرهان ومع رئيس الوزراء عبد الله حمدوك،والتمنع السوداني من إعلان التطبيع الكامل،قد يرتبط بالإحتجاجات الشعبية السودانية،ولكن الأرجح له علاقة بتحسين شروط التطبيع..وما سيخرجه صندوق التطبيع العربي من جعبته بعد السودان،هو الأهم حيث سيخرج مايسترو التطبيع العربي،والذي يشكل القيادة لهذا المشروع في الظل،فهو من اعطى الضوء الأخضر ولعب الدور البارز في إخراج التطبيع الإماراتي والبحراني والسوداني الى العلن، يخرج لكي ينضم الى قطار التطبيع العلني ،إنها مملكة آل سعود والتي ستهدي هذا التطبيع الى الرئيس القادم الفائز في الإنتخابات الأمريكية في شهر تشرين ثاني القادم،السعودية ستتولى قيادة دفة الحلف التطبيعي العربي مع اسرائيل،هذا الحلف الذي سيشكل تحالف استراتيجي أمني وعسكري ضد ايران ومحورها وحلفائها في المنطقة،وكذلك سيمارس الضغوط الكبيرة على روسيا والصين من اجل فرملة إندفاعاتها ووقوفها الى جانب طهران ومحورها في المنطقة،ومنع تفوقها العسكري والإقتصادي على امريكا،وسيستخدم هذا الحلف سياسة العصا والجزرة مع الدول العربية الأخرى التي تصر على البقاء خارج الصندوق التطبيعي العربي مع دولة الإحتلال ….يقول الكاتب الصهيوني إلداد باك في مقالته عن كيفية صنع جيل عربي تطبيعي من الشبان العرب أنّ «عمق التغيير في نهج الكثيرين في الشرق الأوسط تجاه «إسرائيل» مذهل، يكاد يكون لا يصدق» مستطرداً: «هنا أسمح لنفسي بأن أكتب هذا كمن شهد عن كثب أوبرا السلام في بداية التسعينيات في مؤتمر مدريد، في محادثات السلام في واشنطن وفي مسيرة أوسلو».

ونبّه الكاتب إلى أن «الحديث يدور عن جيل شاب من الإماراتيين، السعوديين، البحرينيين، الكويتيين، المصريين، الأردنيين، معظمهم ذوو تعليم عال، تمّ تأهيلهم في الولايات المتحدة وأوروبا، حيث كانوا عرضة لأول مرة لعلاقات مع يهود وإسرائيليين، يرون نظرتهم للعالم في ما يتعلق بـ «العدو».

قد يكون في مقالة هذا الكاتب الصهيوني مبالغة مقصودة،لكي يخلق حالة من الصدمة والإحباط  عند الشعوب العربية،ولكن علينا أن نتنبه جيداً بان ما يجري خطر جداً.

فالخطر في الفجور التطبيعي العربي الحالي،بخلاف اتفاقيتي ” كامب ديفيد” ايلول /1978 ووادي عربة تشرين اول 1994  واتفاقية أوسلو الإنتقالية أيلول/1994،لأن ما يجري هو نقل للتطبيع من المستوى الرسمي السياسي الى المستوى الشعبي الجماهيري،أي تثبيت التطبيع كنهج وخيار وثقافة في المجتمعات العربية،والتعامل مع دولة الإحتلال كمكون طبيعي من جغرافيا المنطقة، ووجود من ينحاز ويتبنى الرواية الصهيونية من العربان أمثال بندر بن سلمان من الحق التاريخي للشعب الفلسطيني في أرضه وطنه،وكذلك شيطنة كل من يقول بخيار ونهج وثقافة المقاومة في المنطقة عربياً وفلسطينياً،فهناك العديد من مشيخات الخليج العربية التي تصنف قوى المقاومة الفلسطينية والعربية كقوى “إرهابية”،والأخطر من ذلك أن يقود التطبيع الى صراع عربي – فلسطيني وأردني حول قضية المسجد الأقصى،حيث الوفود العربية التطبيعية القادمة للصلاة في المسجد الأقصى من البوابة الإسرائيلية،والتي يفتي رجال الدين والإفتاء الفلسطينيين بتحريمها،وبانها تشبه اقتحامات الجماعات التلمودية والتوراتية للأقصى،والخطر هنا في إطار التصدي لتلك الزيارات والصلوات من قبل المقدسيين،أن يعمد المحتل بالتنسيق مع الدول القادمة منها هذه الوفود الى تخصيص اوقات لها تقوم بها بالدخول الى الأقصى تحت حمايته وحرابه،وان يجري كذلك تجاوز الأوقاف الإسلامية والدولة الوصية ،بما ينهي إشراف إدارة الأوقاف الإسلامية إدارياً على الأقصى ونزع الوصاية الأردنية عن المقدسات الإسلامية والمسيحية وفي المقدمة منها المسجد الأقصى،تلك الوصاية التي يجري تجويفها وقضمها شيئاً فشيئاً ،ودولة الإحتلال تعلن جهراً ونهاراً أنه لا سيادة على الأقصى سوى لسيادتها،وأي وصاية هي وظيفية في إطار السيادة الإسرائيلية،وتسمية الإتفاقيات التطبيعية العربية الرسمية مع دولة الإحتلال بإتفاق ” ابراهام” يحمل دلالات خطيرة،حول حق اليهود بالأقصى وإرتباطهم التاريخي بهذه الأرض،وما ورد فيما بصفقة القرن الأمريكية يقول بحق أتباع الأديان بالوصول الى الأماكن المقدسة بحرية،وكذلك لم يرد ذكر للأقصى بل ما يسمى بالمعبد.

من هنا فإنني أدعو بشكل واضح الى ان تقوم المرجعيات الدينية  من هيئة إسلامية عليا ومجلس اوقاف  ودائرة اوقاف ودار الإفتاء ودائرة قاضي القضاة والمرجعيات الوطنية المقدسية وكذلك القيادتين الفلسطينية والأردنية بإتخاذ موقف واضح ووضع استراتيجية ورسم آليات عملية لكيفية التعامل مع ما يجري،وبما لا يتجاوز عدم التعاطي مع تلك الزيارات التطبيعية كامر واقع،ولكن  من الضروري اتباع تكتيكات معينة لا تمكن المحتل من تحقيق اهدافه ومشاريعه في الأقصى،ولا يمكن دول تلك الوفود التطبيعية من الإتفاق مع الإحتلال  لوضع وضع المسجد الأقصى تحت وصاية متعددة الأطراف منها امريكية واسرائيلية وسعودية وإماراتية وتركية بالإضافة الى الأردن والسلطة الفلسطينية.

سكوت الأردن والسلطة ومنظمة التحرير غير مبرر،وهما بالأساس المعنيتان بالأمر بشكل مباشر..فما يجري من زيارات عربية وحتى إسلامية من زيارات للأقصى  والصلاة فيه عبر البوابة الإسرائيلية والتنسيق مع شرطة الإحتلال،هو تطبيع رسمي بإمتياز،ولكن هذا يحتاج الى  موقف واستراتيجية في كيفية المجابهة،وبما لا يمس بجوهر الموقف،ولكن الطرق والأليات للمجابهة مهمة .

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق