رأي

ماذا حصل للأدب الكوردي بعد الإسلام الجزء الثالث

د. محمود عباس

 

 

  الفهلوية القديمة والتي يقال إنها أصل الفارسية الحالية، لم تستمر بعد انهيار الإمبراطورية الأخمينية كلغة للعلم والسلطة إلا بعدما تم إحياؤها في عهد المملكة السامانية (819م-999م) وهي التي يسميها المؤرخون الفرس أمثال الدكتور عباس العباسي صاحب البرامج التاريخية في إذاعة طهران، بالفارسية الدرية، الذي يعيد مرحلة إحيائها إلى عهد المملكة المذكورة، ومعها يدرج تاريخ الشعوب الإيرانية تحت الخيمة الفارسية حصرا وليس العكس، المعضلة التي سقط فيها معظم المؤرخون العرب عن جهالة، وتلقفها الفرس عن دراية وخباثة، بين من يقول أن الفارسية لغة من اللغات الإيرانية العديدة، وأخرين يعرضونها على أنها اللغة الإيرانية الأم، أو جعلها أول وأعرق اللغات الإيرانية!

 علما أن معظم المؤرخون يذكرون أن اليونانيين هم أول من أطلقوا اسم (بارس) على الشعب الساكن في منطقة بارسا جنوب منطقة أصفهان، وروجوا لها في كتاباتهم بعد سيطرة الإسكندر المقدوني عليها، فقدم مؤرخوهم لاحقا صورة أسطورية عن الإمبراطورية البارسية الأخمينية.

  واللغة البارسية سميت بالفارسية بعد الغزوات الإسلامية بقرون، فالكتابات التاريخية الإسلامية الأولى إلى بدايات العصر العباسي، لم تكن تذكر اللغة الفارسية كبديل عن الساسانية أو العجم التي عرضت لتمثل لغات إيران جامعة، فحتى الكلمة الفارسية، لم تورد في القرآن ولا في الأحاديث، فلماذا هذا التوسع الكبير بعد العصر العباسي، علما أنها كانت حتى القرن الثالث الهجري، أي التاسع الميلادي، كانت لغة منطقة أصفهان القديمة وجنوبها، خاصة في منطقة قوم بارت أي المنطقة الوسطى من إيران الحالية، تم تطويرها والإضافة عليها بعد الفترة المذكورة، وعلى مراحل، إلى أن استقرت على ما هي عليه في نهايات العصر الصفوي، إلى أن أصبحت تعرف بالفارسية الدرية كما ذكرنا، والتي يقول الدكتور نضير الخزرجي فيها، في مجلة (أرومة المدار، قراءة موضوعية في الموسوعة الحسينية) الصفحة (229) ” الفارسية الحديث (الدريَّة) هي حصيلة لغات عدة وهي: اللغة البهلوية الفارسية، اللغة الهندية، اللغة التركية، اللغة المغولية، اللغة الإنكليزية والفرنسية، واللغة العربية…وعلى مستوى إيران التي يتحدث أهلها باللغة الفارسية كلغة رسمية فهناك لغات متعددة تعكس طبيعة شعب من الأمة الإيرانية يعيش على بقعة من الأرض الإيرانية المترامية الأطراف وهي : الآذرية، الكوردية، العربية، البلوجية، اللورية.)

ولإحياء الفرس أمجادهم على عتبة الانتماء إلى الأخمينية، تم تحريف منابع لغة الإمبراطوريات المتلاحقة وأصولها، وعلى بنيتها تمكنوا من التعتيم على اللغات الأصلية  للأثار والكتابات الأركيولوجية وجعل اللغة الفارسية، لغنها؛ حتى دون ذكر الفهلوية القديمة أو السنسكريتية أحيانا كثيره، علما أن البارسية الأخمينية قامت على ثقافة الحضارة الميدية، والتي قبلها لم لهم يكن للفرس أي ماض، ولم تكن لهم ثقافة مميزة، والتي نهضت على أسس الثقافة والحضارة الميدية والبابلية، ونهضت فيما بعد وبعدة طرق، منها ما تم بالدمج بين اللغة الفهلوية القديمة الأخمينية، والوسطى والشرقية، واعتبار هذه الفروع الثلاث أصل اللغة الفارسية الدرية الحالية، علما وكما نوهنا إليها سابقاً، أن الفهلوية القديمة السائدة في عهد الأخمينيين، لا علاقة لها بالفهلوية التي سادت في الإمبراطورية الساسانية إلا من حيث الأصل السنسكريتي لهما، ويعتبر العديد من المؤرخين وعلماء اللغة  الساسانية على أنها أحد أصول اللغة الكردية الحالية، وهي قريبة جدا من اللهجة السورانية-اللورية، كما ونعلم أن جغرافية بابك الساساني الكردي، الذي كان يترأس معبد زرادشتي في اصطخر، وأبنه أردشير الأول، مؤسس الإمبراطورية وبسند من قبيلته والقبائل الكردية الداعمة له، هو العمق الجغرافي ذاته للقبائل الكوردية المتحدثة باللهجة السورانية-اللورية الحالية، وكما نعلم أن نسب أل ساسان الكوردي وأصول قبيلتهم والقبائل التي ساندتهم، معروفة من خلال رسالة أخر ملوك الاشكانيين (أردوان أرتبانوس الرابع) إلى أردشير بن بابك بن ساسان، الذين كانوا لايزالون يحكمون جنوب إيران، الواردة عند الطبري في الفصل الأول من كتابه (تاريخ الأمم والملوك) ص (478)، وملوك الاشكانيين أو ما يسمون أيضا بـ (البارثيين وأحيانا بالأرسكيديين، هم خلفاء قادة اليونانيين الذي كانوا يحكمون شمال شرق إيران، وكانوا زعماء قبيلة بارني الرعوية، وثقافتهم اليونانية كانت مسيطرة على الإدارة والمراكز الثقافية، حتى أن أسماء ملوكهم ظلت محافظة على نمط الأسماء اليونانية مثل السلوقيين) وللاحتماء بقبائلهم نقل أردشير عاصمتهم من (كندي شابور) في منطقة همذان الحالية، والتي أصبحت أحدى أهم المراكز الثقافية في الإمبراطورية؛ إلى ( أردشير خوارا ) حيث جغرافية قبائله، في المناطق الجبلية، شمال غرب إيران الحالية، أي منطقة كردستان، وبعد توسع الإمبراطورية نقلوا العاصمة إلى تيسفون، أو مادن، المعربة إلى المدائن، والتي كانت عاصمة للأشكانيين. كما وأن أخر ملوك الساسانيين الذي قتل على أطراف مدينة مروه، كان أسمه يزد كرد الثالث(632-651م) والذي يعرب بـ يزدجرد.  

  وما بلغنا من أسماء الكتب والقليل جدا من مضامينها، ومعها النادرة من الأثار الأدبية والعلمية لتلك الحضارة، تثبت ما نحن بصدده، من الأثار الأدبية التي نجت من الإتلاف المتعمد أو الإهمال؛ والضياع إلى قرابة القرن الثاني الهجري، والتي كانت معظمها مكتوبة باللغة الفهلوية الساسانية، وهي مستقاة من لغة أفيستا السنسكريتية، أو يقال لغة أفيستا التي ساهمت في تطوير السنسكريتية، خاصة بعدما كتب الكهنة الزرادشتيون شرح أفيستا (زند أفيستا) باللغة الساسانية في عهد الإمبراطورية، الكتاب الذي يقرأ حتى القرن الثاني الهجري قبل أن يندثر مع توسع الهيمنة الإسلامية.

ومعظم الكتب التي وردتنا أسماؤها، عن طريق ما أورده المؤرخون المسلمون، وبعض الأركيولوجيين الأوروبيين، كانت دينية، كالمذكورة سابقاً، أفيستا زند، وويينَ كورد في تسع مجلدات، إلى جانب كتب عن السياسة والإدارة والعسكر وبعضها تبحث عن سيرة ملوك ساسان، كسيرة بهرام كور وكثيرا ما يذكر معه كلمة الكوردي، وما كتب عن الأساطير والقصص، والزراعة عديدة، تم ترجمة قرابة 13 كتابا منهم، في عهد المأمون، أو ما يسمى عصر الترجمة في الإسلام، بينها عن زراعة أشجار النخيل والكرم، إلى جانب كتب في الفلك والفلسفة، وقد وردت أسماء بعضها في كتب العديد من المؤرخين المسلمين الأوائل بعد انهيار الإمبراطورية الساسانية، ومنها كتاب ويين كورد، وكارنامه أردشير بابكان، وزريران، وخسرو كوتان، ورستم نامه، وخواي نامه، وخوداي نامه، وشتره نكنامه، وداتستان دينيك، وأرده ويرانامه، والعديد من هذه الكتب ترجمت إلى الفارسية كخواي نامه والتي يقال أن الفردوسي أستقى الكثير منه لكتابة شاه نامه، وغيرها مثل كتاب شيرين ومنرهاد، وبارام نامه، وبهمن نامه، وتستاني سندباد وغيرهم…

ملاحظة:

1-      صورة العملة المرفقة هي للملك البارثي (الاشكانيين) (أرساكيس الأول 247-211 ق.م) منقوشة باللغة اليونانية.

2-      الخريطة الأولى توضح منطقة فارس أو كما كان يسمى ببارس في جنوب إيران الحالية وميديا في الشمال.

3-       الخريطة الثانية عصرية تبين أن منطقة فارس هي ذاتها منذ الإمبراطورية الأخمينية.

4-      والخريطة الثالثة للإمبراطورية السلوقية اليونانية، أقامها الإسكندر المقدوني وضباطه على أنقاض الإمبراطورية الأخمينية، ومن حينها أصبح المكون الفارسي تابعا للإمبراطوريات الثلاث اللاحقة، السلوقية، الأشكانية، الساسانية، إلى أن ظهر العرب المسلمون على الساحة، وحل أسم الفرس مكان العجم، وتمكنت ملوك المملكة السامانية وخاصة عن طريق ملحمة شاه نامه من أضفاء الفارسية على الإمبراطوريات الثلاث، والتي لم تكن لها علاقة بالفرس لا لغة ولا عرقا ولا شعبا، بل المكون الفارسي كان جزء تابع لهم.

 

يتبع…

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق