أحوال عربية

لو لم يغزى العراق

صلاح المختار

اريد التذكير بما يجب ان لاينساه كل عراقي وعربي وهو نتائج غزو العراق الكارثية عليه وعلى الامة العربية ولفت الانظار الى حقائق بارزة اهمها تأكيد انه لو كان (العراق القوي باق لما اغرقنا بالكوارث)، التذكير بهذه الحقيقة له اهمية كبيرة اليوم في ذكرى غزو العراق ،وهي تتصل بعدة حقائق اخرى لابد من التطرق اليها. فما الذي يجب تذكره في يوم غزو حثالات الارض للعراق العظيم المتقدم الناهض بقوة شعبه؟

1-لو ان العراق القوي كان موجودا هل كانت اسرائيل الشرقية ستستكلب وتصاب بسعار العنجهية الفارسية وتفاخر بانها تغزو الان اربعة اقطار عربية؟ اذكر فقط بان نفس النظام الحالي وبعد اجبر خميني على تجرع السم الزعاف انقلبت عنجهيته الى تقية يهودية تمثلت في التظاهر بالود ووصل حد انه عندما كان رؤوساء اسرائيل الشرقية مثل رفسنجاني ومحمد خاتمي يستقبلون قادة ووزراء عراقيين بالاحضان والتقبيل وابداء عواطف غريبة تجاه العراق يخيل للمشاهد كأن حربا دامت ثمانية اعوام بين البلدين وسقط فيها من اسرائيل الشرقية اكثر من نصف مليون انسان بينما استشهد من العراق اكثر من ربع مليون لم تقع ! كان قادة اسرائيل الشرقية بعد ان أدبهم العراق القوي يظهرون منتهى الود والاحترام! وانا شخصيا لي تجربة مع الفرس ففي عام 1995 عندما دعيت من وزراة الخارجية الايرانية لالقاء محاضرة عن (سياسة الاحتواء المزدوج) استقبلت بحفاوة كبيرة فقد جاء الى الحدود في المنذرية نائب محافظ كرمنشاه بسيارة لاخذي الى كرمنشاه ولم اعرف انه نائب المحافظ الا عندما ودعني بالاحضان والتقبيل وانا في طريقي الى طهران! وفي طهران احطت بعدد كبير من المسؤولين الايرانيين وكان اول من التقى بي هو أية الله محمود دعائي اول سفير لخميني في العراق ومرافقه اثناء وجوده في العراق،عندما جاء فاستقبله من كان يتجمع حولي بالاحترام الشديد قبل الدخول في قاعة المحاضرة وقبلني ووضع يده تحت يدي كأننا اصدقاء قدماء وقال لي بالعربية وباللهجة العراقية: دعنا نتمشى قليلا ، وعندما تمشينا كان اول سؤال هو : كيف حال الاستاذ سعدون ؟ وعندما سألته اي سعدون تقصد ؟ رد : سعدون شاكر؟ قلت له انه بخير ويعاني من المرض، فقال : سلم عليه كثيرا، وعاد ليسأل وكيف حال الدكتور سعدون حمادي ؟ وهكذا اخذ يسأل عن اشخاص تتصور انهم احباءه رغم انه من الطغمة الحاكمة الحاقدة على العراق وقيادته التي هزمتهم شر هزيمة ! واصر على اقامة دعوة غداء لي في مكتبه وحضرتها انا والقائم بالاعمال العراقي هناك وكان يقدم لي الطعام بيده قطعة قطعة، وعندما قلت له :شكرا جزيلا انا استطيع ان اتناول طعامي بيدي قال لي حرفيا : انا خادمكم ، فقلت له خادم القوم سيدهم ! وعندما كررت سؤالي عليه لم لا يأكل ؟ اجاب انه صائم! هذه هي التقية اليهودية!

وبعد ذلك طلب وزير الخارجية وقتها علي اكبر ولاياتي، وهو الان المستشار الاعلى لعلي خامنئي، اللقاء بي والتقيت به، واظهر ودا كبيرا وحاول ان يبدو حريصا على مصالحة العراق وطلب مني عرض شروطنا لتحقيقها وقدمت له مقترحاتنا، وعندما عدت وسلمت تقريري للشهيد عزيز العراق وسيد الدبلوماسية العراقية طارق عزيز،ضحك وقال لي :هؤلاء كذابون، واخرج من مكتبه ملفا وقال لي اقرأ ما اتفق عليه بين مدير مخابراتنا ومدير مخابراتهم وهو نفس ما اتفقت انت عليه معهم. والتقيت وبطلب منه مع من مات مؤخرا بكورونا وهو مستشار وزير الخارجية والسفير في لبنان سابقا حسين شيخ الارض والذي كان احد قادة الحرس الثوري وطلب الجلوس معي منفردين ومعنا مترجم مصري وكان اول تصرف معي هو تقبيلي ومعاتبتي على رفض المصالحة مع ايران! هذه الامثلة تؤكد بان العراق القوي لم يردع اسرائيل الشرقية ويؤدب حكامها فقط بل اجبرهم على التحول من العنجهية الى الاستخداء بالتقية، والان لو استعرضتم استكلاب النظام الايراني هل تستيطعون نسيان انه لولا غزو العراق لما تفرعن خامنئي؟

2-في عام 1997 دعتنا منظمة الصداقة الرومانية العراقية لزيارة رومانيا بصفتي رئيس منظمة الصداقة والسلم والتضامن وعندما كنت في صبح احد الايام انتظر مع الوفد ومرافقيه الرومان كانت هناك مجموعة امريكية تجلس بجوارنا وانتبهوا لحديثنا بالانكليزية، فسالني احدهم وهو اشقر ضخم الجثة: من اين انتم ؟ قلت: من العراق، فرفع اصبعه الى الاعلى في اشارة للنصر وقال :انتم شجعان، واضاف انه رئيس شركة امريكية كبرى ، وعندما حان وقت مغادرتنا صادف نهوضنا سوية وكانت البوابة دوراة فاصر على ان اخرج قبله وحاولت اقناعه بالخروج قبلي وقلت له :انت اكبر سنا مني ،فقال :كلا انت عراقي والعراقيون شجعان ويجب ان تخرج قبلي، وبسبب اصراره خرجت قبله ولم يكتفي بذلك بل اصر على خروج كل الوفد العراقي ومرافقيه الرومان قبلهم. هكذا كان العراق يكسر انوف اكثر حكام الارض عنجهية وغطرسة !

3-في عام 2003 وبعد مغادرتي فيتنام الى اليمن بعد ان قبلت ضيفا فيها زارني الدكتور عبدالكريم الايرياني،رئيس وزراء اليمن ومستشار الرئيس الشهيد علي عبدالله صالح رحمهما الله ،في الفندق في اليوم التالي لوصولي ، ودار بيننا حديث طويل ومما قاله لي بعد ان كرر زياراته لي ان اليمن وبعد قمع محاولة فصل الشمال عن الجنوب تحطمت عشرات الدبابات وكان يجب اصلاحها فطلبت روسيا اكثر من 400 مليون دولار ، هكذا اتذكر الرقم، لاصلاحها وكانت اليمن لاتملك المبلغ ، فطلب مني الرئيس صالح زيارة بغداد وعرض الامر على الرئيس صدام حسين، يقول الايرياني انه :في اليوم التالي لوصولي للعراق استقبلني الرئيس وعرضت عليه مشكلتنا وقلت له :اننا لانملك المال لاصلاح دباباتنا العاطلة وروسيا طلبت منا مبلغ 400 مليون دولار ، فصمت ولم يرد بل اتصل هاتفيا وطلب حضور ضباط ومهندسين وعاد يتحدث معي عن احوال اليمن وبعد فترة قصيرة حضروا فقال لهم :لدى اخوتنا في اليمن عشرات الدبابات العاطلة وهم بحاجة اليها فكم تستغرق عملية اصلاحها؟ وبعد اعطاء التفاصيل لهم رد الخبير: نحتاج لثلاثة اشهر ، فقال الرئيس : لا بل شهر واحد فقط، يقول الايرياني ذهلت لهذا الموقف الحاسم والسريع جدا،وعندما تحدثت مع الرئيس عن التكاليف قال لي : هذا ابسط واجباتنا تجاه اشقاءنا،ويكمل الايرياني بان فريقا عراقيا وصل بطائرة عسكرية بعد فترة قصيرة جدا واصلح كل الدبابات في شهر بالضبط وعادت للعمل ولم ندفع دولارا واحدا ، هكذا كان العراق يعزز قوة اشقاءه كي يقوموا هم بحماية امنهم ، وبهذه القوة كان الحوثي مختبأ خلف التقية اليهودية .

4-في عام 1989 تعرضت موريتانيا لمحاولة غزو سنغالي وكانت متفوقة عسكريا على موريتانيا ولم يكن هناك شك في انها ستحتل اراض موريتانية فاتصل الرئيس الموريتاني معاوية ولد الطايع بالملوك والرؤوساء العرب طلبا للنجدة ولكن احدا منهم لم يرد عليه الا الرئيس صدام حسين الذي ارسل فورا دبابات ومدفعية متطورة يتجاوز مداها العاصمة السنغالية دكار واجهزة رؤية ليلية متطورة ومعها اكثر من 20 عسكريا عراقيا لتدريب القوات الموريتانية عليها، واطلقت موريتانيا قذيفة الى مكان مهجور في السنغال لتحذيره فاستلمت الرسالة وعرفت ان موريتانيا لم تعد ضعيفة عسكريا فتوقفت محاولات الغزو السنغالي وبكى الرئيس الموريتاني فرحا ،وتدخلت فرنسا لمعرفة من اين حصلت موريتانيا على هذه الاسلحة المتقدمة؟ بالدعم العراقي تمكن الاشقاء في موريتانيا من حماية قطرهم وبقي عزيزا قويا ، ولو لم يقدم العراق ذلك الدعم لتعرضت موريتانيا لمشاكل خطيرة .

5-تمرد جنوب السودان لعبة غربية وصهيونية هدفها المعروف تقسيم السودان وضرب عروبته، وفي مرحلة من الصراع تمكنت القوات الانفصالية من تحقيق تقدم وكانت على وشك احتلال مناطق كثيرة فاستنجد السودان بالعراق فما كان منه الا ان ارسل طائراته وطياريه وضباطه لدعم الاخوة في السودان فهزمت قوات الانفصاليين، رغم ان رئيس السودان كان وقتها يعدم البعثيين السودانيين. غياب العراق كان احد اسباب فصل جنوب السودان ، فلو كان العراق مازال مستقلا هل كان يمكن تحقيق ذلك؟

6-في الثمانينيات قررت تركيا اقامة سدود في الاراضي التركية وكانت ستؤدي الى افقار العراق وسوريا مائيا بطريقة كارثية فحاولت الدبلوماسية العراقية التفاهم مع تركيا لكن حكومتها في ذلك الوقت رفضت باصرار الاصغاء للمطالب العراقية المشروعة، فأمر الرئيس صدام حسين بتحريك الصواريخ الى مناطق الحدود مع تركيا ووصلت للمخابرات التركية رسالة التهديد العراقية وتأكدت بان العراق سيدمر سدودها كلها فما كان من الرئيس التركي الا ان يطلب زيارة العراق فورا ووصل وابلغ العراق بالتوقف عن تنفيذ ذلك المشروع حصل هذا عندما كان العراق عراقا وقويا وعظيما. والان تركيا تنشر قواتها في قطرين عربيين مثلما تنشر اسرائيل الشرقية قواتها ونغولها في اقطار عربية والسبب هو ان الرادع العراقي غيبته امريكا.

7-عندما قامت مخابرات اسرائيل الشرقية بمحاولة اغتيال امير الكويت في الثمانينات رد العراق بيوم الصواريخ العراقية عقابا على محاولة اغتيال امير الكويت التي فانهمرت كالمطر على طهران لدرجة ان سكانها غادروها الى الجبال والقرى المحيطة بها، فزاد يقين الفرس بان العراق هو دواء عدوانيتهم ومطامعهم .

اكتفي بهذه الامثلة واقول : لو كان العراق بقيادته الوطنية القوية موجودا الان هل كانت دول العالم والاقليم ستتجرأ على التجاوز على حرمة وحدود وشعب الامة العربية؟ هل كنا سنرى خمسة ملايين لاجئ عراقي و12 مليون لاجئ سوري؟ وهل كنا سنرى العراق يذبح كما سوريا واليمن وليبيا ولبنان؟ هل كان حسن نصرالله وعبدالملك الحوثي سيتجرأن على التطاول على كرامة عرب اليمن ولبنان وبقية الامة؟ وهل كانت بعض دول الخليج العربي ستجد نفسها مرغمة على التطبيع مع اسرائيل الغربية بسبب التهديد الايراني الذي تدعمه امريكا كي تكمل تجريد العرب من ثرواتهم وتخضعهم للوصاية الصهيونية ؟

ايها العراقيون والعرب: كل ما نعيشه من كوارث ماكان ليحدث لو بقي العراق القوي وغزوه وتدميره لم يكن قرار بوش بل كان قرار المؤسسة الامريكية وكان هدفه الاول ازاحة العقبة الرئيسة من امام المخططات الفارسية والغربية والصهيونية كي تنفذ خطواتها اللاحقة بلا عوائق .ان الدرس الاعظم الان هو ان عودة العراق محررا وواحدا هو المقدمة الحتمية لانهاء كل تهديد يواجه الاقطار العربية،فالعراق القوي الواحد هو الذي يعيد التحسب الدقيق للقوى الاقليمية، وهو من ينبه القوى الدولية الى ان مصالحها مهددة اذا استهدف العرب. انه الدرس رقم واحد وهو كذلك البيان رقم واحد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق