أمن وإستراتيجيةفي الواجهة

لماذا نفذ صبر موسكو

 

كريم المظفر

المفاوضات مع الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي بشأن الضمانات الأمنية ، والتي انتهت مؤخرا في جنيف وبروكسل و فيينا ، كانت المحور الرئيسي للمؤتمر الصحفي التقليدي السنوي لوزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف حول نتائج عمل الدبلوماسية الروسية ، واستمر ما يقرب من ثلاث ساعات ، بالإضافة إلى قضايا العلاقات مع الغرب وحده هذه المرة ، رغم أنه في كل إجاباته تقريبًا ذكر الأميركيين ، بالاتجاهات التي ستطور بها روسيا سياستها الخارجية في عام 2022 .
وكجزء من الحوار الروسي الأمريكي حول قابلية الاستقرار ، وفي بروكسل وعلى هامش مجلس روسيا والناتو ، وفي فيينا كجزء من منظمة الأمن والتعاون في أوروبا ، المجلس الدائم ، وموسكو لديها ثلاثة مطالب رئيسية: عدم توسيع الناتو ، وإعادة أسلحة الحلف إلى مواقع عام 1997 ، وعدم نشر قواتها الضاربة بالقرب من حدود الاتحاد الروسي ، ورفض التحالف المطلبين الأولين رفضا قاطعا ، معلنا استعداده لمناقشة النقطة الثالثة ، وأوضح سيرغي لافروف أن هذا الخيار لا يناسب موسكو ، وأكد مرة أخرى أن المقترحات الروسية “ليست قائمة ، بل حزمة” ، في الوقت نفسه ، أشار الوزير الروسي إلى أن موسكو تعول على استمرار المفاوضات ، وإذا تلقت روسيا رفضًا ، فقد يكون رد فعلها مختلفًا تمامًا ، وقال ” الأمر يعتمد على المقترحات التي سيقدمها للرئيس الروسي له خبراؤنا العسكريون “.
وفي معرض تعليقه على احتمال انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أشار إلى وجود “خطين أحمرين” بالنسبة لموسكو فيما يتعلق بأوكرانيا، محذرا في الوقت نفسه من مغبة تدخل عسكريين من الناتو بالنزاع الدائر في دونباس ، وإن روسيا ترفض رفضا قاطعا اقتراب الحلف من حدودها وتعتبر ذلك “خطا أحمر حقيقيا” ، وحتى لو بقيت أوكرانيا خارج الناتو، فإنه قد تكون هناك اتفاقيات ثنائية محتملة مع الأمريكيين والبريطانيين والدول الغربية الأخرى التي تقيم منشآت وقواعد عسكرية على ضفاف بحر آزوف ، وشدد الوزير لافروف “هذا أيضا غير مقبول بالنسبة لنا، لأن نشر أسلحة هجومية على أراضي جيراننا مثل أوكرانيا، يشكل تهديدا لروسيا، هو خط أحمر آخر”.
وزير الخارجية الروسي لفت إلى أن “المئات” من العسكريين الأمريكيين والبريطانيين موجودون في أوكرانيا، في حين يمثل قيام الغرب بتزويد أوكرانيا بالأسلحة “إغراء إضافيا” لكييف للجوء إلى استخدام القوة لحل النزاع في دونباس ، وحذر لافروف في الوقت نفسه من أن مشاركة المدربين الغربيين في الصراع في دونباس غير مقبولة إطلاقا، وستكون “تجاوزا للخطوط الحمراء”، كما أنها ستعني “صداما مباشرا بين الروس من أصحاب الجنسية الأوكرانية من جهة، وعسكريي الناتو، من جهة أخرى”.
وحمل لافروف أيضا الناتو المسؤولية عن محاولة جر أعضاء جدد منهم أوكرانيا إلى صفوفه بشكل اصطناعي، مؤكدا أن موسكو ستواصل العمل كي تكون مستعدة لأي سيناريو ، محذرا في الوقت نفسه من أن الغرب يعمل على تقويض قواعد العلاقات الدولية المبنية على ميثاق الأمم المتحدة ويحاول إملاء نهجه على الآخرين، مشددا على رفض روسيا لهذا النهج ، وقال إن دول الغرب تسهم في تطور الأمور بطريقة سلبية، مشيرا إلى أن مخاطر اندلاع المواجهة في العالم تتصاعد.
وتنتظر روسيا من الغرب ردا خطيا مفصلا على اقتراحاتها بخصوص الضمانات الأمنية، لأن “الشركاء ” الغربيين برأي وزير الخارجية الروسية سبق أن خالفوا وعودهم السابقة إزاء موسكو ، وقال “بودي الإشارة خاصة إلى أننا نحتاج إلى ضمانات قانونية ملزمة “، لأن الشركاء الغربيين لم يفوا أبدا بالاتفاقات السياسية التي تم إبرامها في التسعينيات، ناهيك عن تعهداتهم الشفهية.
ورجح الوزير الروسي أن الغرب يحاول تنحية الولايات المتحدة عن المسؤولية عن اتخاذ قرار بخصوص الرد على المبادرة الروسية وإطلاق مشاورات مبهمة بخصوص هذه المسألة بدعوى ضرورة التشاور مع الشركاء الغربيين، مبديا قناعة موسكو بأن رد الغرب على مبادرتها يتوقف غالبا على موقف واشنطن ، وأوضح: “بصراحة، يدرك الجميع طبعا أن أفق التوصل إلى اتفاق تتوقف على الولايات المتحدة، ومهما قالوا لنا عن ضرورة التشاور مع الحلفاء، إن ذلك مجرد حجج واهية ومحاولات لعرقلة العملية ، وإن الغرب أقدم على تصعيد الأمور في تجاوز لكل الحدود والمنطق السليم”، مشددا على أن “صبر موسكو استنفذ”.
ودعا الوزير لافروف الغرب إلى تقديم اقتراحاته ردا على المبادرة الروسية على وجه السرعة، مضيفا: “في الوقت نفسه سنواصل العمل كي نكون مستعدين لأي سيناريو ، ونحن بشكل عام مقتنعون بأنه يمكن دائما التوصل إلى حلول مقبولة للجميع في حال وجود حسن نية واستعداد لحلول وسط ” ، وتابع أن التنبؤ بكيفية رد روسيا في حال رفض الغرب اقتراحاتها الأمنية يمثل أسلوبا غير بناء، وشدد على انه “إذا تم رفض مقترحاتنا، فإننا بطبيعة الحال سنقيم الوضع وسنبلغ الرئيس به، وسنتخذ قرارا مع أخذ جميع العوامل في عين الاعتبار، بالدرجة الأولى بغية ضمان أمننا بشكل موثوق به” ، وإن روسيا ستنطلق من مصالح الاستقرار العالمي في دراسة إمكانية توسيع تواجدها العسكري في دول أخرى.
تصريحات الوزير لافروف جاءت متزامنة مع ما أعلنه البيت الأبيض من أنه يتوقع “اجتياح” روسيا لأوكرانيا خلال الفترة ما بين منتصف يناير الجاري ومنتصف فبراير المقبل ، وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض جين بساكي “نحن قلقون لأن الحكومة الروسية تستعد للاجتياح” ، وأعادت الى الأذهان ما جرى عام 2014 ، بما في ذلك ” التخريب وحملات الإعلام لاتهام أوكرانيا بالتحضير لهجوم حتمي على القوات الروسية في شرق أوكرانيا، والخطط العسكرية الروسية لإطلاق مثل هذه الأنشطة قبل عدة أسابيع من بدء الاجتياح الذي قد يتم ما بين منتصف يناير ومنتصف فبراير” وادعت بساكي أن روسيا قد “تفبرك الذريعة” لشن هجوم على أوكرانيا.
تصريحات بساكي و ما نشرته مصادر إعلامية غربية مجددا حول “استفزاز روسي وشيك في دونباس” جنوب شرق أوكرانيا ، وصفها الكريملين بأنها “ادعاءات باطلة لا أساس لها ” ، وقال المتحدث بأسمه ديميتري بيسكوف تعليقا على ما نشرته شبكة “سي إن إن” نقلا عن مصدر في الإدارة الأمريكية: “حتى الآن، كل هذه التصريحات لا أساس لها من الصحة ولم يؤكدها أي شيء”.
ونقلت الشبكة عن مصدر في الإدارة الأمريكية أن الولايات المتحدة لديها معلومات تفيد بأن روسيا كانت تستعد لاستفزاز في شرق أوكرانيا، وأنها نشرت مجموعة من النشطاء لتنفيذ عملية سرية في شرق أوكرانيا ، وصدرت منشورات مماثلة من قبل “واشنطن بوست” و”رويترز” و”وكالة الأنباء الفرنسية” و”بلومبيرغ” ، وصفها ديميتري بيسكوف بأنها “تصعيد للتوتر لا أساس له من الصحة”، مؤكدا أن “روسيا لا تشكل أي خطر على أحد” ، ولم يستبعد بيسكوف احتمال وقوع استفزازات لتبرير مثل هذه التصريحات، محذرا من أن “محاولات حل الأزمة في جنوب شرق أوكرانيا بالقوة سيكون لها عواقب وخيمة.
الخارجية الروسية بدورها حذرت من وجود مؤشرات على أن الحكومة الأوكرانية تستعد لشن هجوم عسكري جديد على منطقة دونباس ، ومن أن الوضع في أوكرانيا لا يزال في طور التدهور المستمر، لا سيما عند خط التماس في منطقة دونباس بجنوب شرقي هذا البلد ، ولفتت المتحدثة باسم الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، ولفتت زاخاروفا إلى أن بعثة المراقبة الخاصة التابعة لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا رصدت خلال الأسبوعين الماضيين قرابة سبعة آلاف خرق لنظام وقف إطلاق النار في دونباس، ما يتجاوز بخمسة أضعاف ما تم تسجيله في الفترة المماثلة من العام الماضي ، موضحة في الوقت نفسه إن انفجارا أو إطلاق نار يحصل في دونباس في كل ثلاث دقائق تقريبا، مضيفة “بدلا عن وضع حد للحرب الأهلية التي دخلت عامها الثامن، تستعد كييف على ما يبدو لحسم قضية دونباس بالقوة”.
دعوات وزير الدفاع الأوكراني، أليكسي ريزنيكوف، دول الغرب إلى إمداد كييف ليس بأسلحة دفاعية فقط، بل وهجومية، استقبلتها موسكو بأسف شديد إزاء وقوف دول حلف الناتو بالكامل إلى جانب السلطات الأوكرانية في “مخططاتها المجنونة عموما ، لإطلاق حملة صليبية ضد مواطنيها” ، كما حذرت من رفع مستوى التواجد العسكري الأجنبي في أوكرانيا من سنة إلى أخرى، وإن نحو 10 آلاف مستشار عسكري من حلف الناتو يتواجدون في هذا البلد حاليا، أربعة آلاف منهم أمريكيون ، وبرأي موسكو أن تواجد هؤلاء المستشارين لا يسهم على ما يبدو في تحسين الظروف على الأرض .
تواجد المستشارين في أوكرانيا بمهام مساعدة حكومة كييف في ضمان الأمن القومي و”ردع العدوان الروسي”، ووصف موسكو هذه التبريرات بأنها “مجرد كذب”، تؤكد إن الغرب يمارس التحريض ويقود بشكل مباشر الأحداث التي تتطور في دونباس على مرأى روسيا ، وإعلان الأمين العام لحلف الناتو ينس ستولتنبيرغ أن حلف شمال الأطلسي وافق مبدئيا على انضمام أوكرانيا وجورجيا إليه، غير أنه لم يحدد موعدا زمنيا بعد لذلك ، ما يبشر بجولة جديدة من ” الإستفزازت ” الغربية تجاه روسيا ، ولكن بأيدي أوكرانية ، لأن الغرب حسم أمره بعدم التدخل عسكريا في أوكرانيا لأي سبب كان .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق