إقتصاددراسات و تحقيقاتفي الواجهة

لعبة أسعار النفط في السوق الدولية ، سوق النفط و الهندسة المالية و المشتقات المالية

هندسة مالية أم ضرب من ضروب الميسر حول أكذوبة المشتقات المالية وتهاوي أسعار النفط في زمن الكورونا

الهادي هبَّاني

يتكرر اليوم وللمرة الثالثة صدق مقولة تروتسكى بأن (البرجوازية تنحدر نحو الكارثة بعيون مغلقة)، مرة في الكساد العظيم عام 1929م عندما انهارت وولستريت وغيرها من البورصات الأمريكية في أكتوبر 1929م. ومرة أخري في الأزمة المالية العالمية 2007/2008م عندما عجز عملاء عقود الرهن العقاري عن سداد الأقساط في يناير 2007م نتيجة لارتفاع أسعار الفائدة، وانهيار الصنم الإمبريالي وولستريت تبعا لذلك، إلي أن إنفجرت الفقاعة بإنهيار بنك ليمان براذرز في سبتمبر 2008م وما تبعه من إنهيار العشرات من المصارف الاستثمارية الكبري، ومن ثم توالت الإنهيارات المتتالية والمتسارعة لأسواق الأوراق المالية في كل دول العالم دون استثناء. وتعيد الأزمة نفسها اليوم للمرة الثالثة في أزمة إنهيار أسعار النفط الحالية لمستويات غير مسبوقة في تاريخ صناعة وتجارة النفط العالمية عندما استيقظ عامة الناس في يوم الإثنين الموافق 20 أبريل 2020م ليجدوا أن أسعار البترول (هذه السلعة التي تتحول حياتهم اليومية بدونها لنوع من أنواع الشلل التام) قد تهاوت إلي ما دون الصفر في وولستريت وغيرها من البورصات الأمريكية وغير الأمريكية خاصة الخام الأمريكي، وهو أمر بالنسبة لهم غير قابل للفهم والإستيعاب. وأصبح مرة أخري ينطبق علي تلك الأسواق ما جاء فى منظورات آلان وودز بأن (الاقتصاد الأمريكي كان يتحدى قانون الجاذبية مثل شخصية الرسوم المتحركة رود رانر الذي يتجاوز حافة الجرف ويواصل الجري في الهواء ثم ينظر تحت قدميه ويحك رأسه وبعد ذلك يسقط في الهاوية عندما يدرك أنه لا يوجد أي شيء تحت قدميه). إنها نفس حالة حاملي عقود البيع الآجل للنفط وغيرها من المشتقات المالية في ذلك اليوم المشئوم. لا يوجد أي شيء حقيقي تحت أقدامهم، مجرد أوراق صفرية معدومة لا تستطيع أن تُعَوِّض حتي قيمة الحبر الذي كُتِبَت به. صحيح هنالك أزمات مالية أخري مرت بها أمريكا بين تلك الأزمات الثلاث كأزمة إنهيار إتفاقية بريتون وودز عام 1971م وغيرها. ولكننا نشير إلي الأزمات الثلاثة المذكورة ونركز عليها لأنها أولا: أزمات متشابهة وثانيا: وهذا هو الأهم لأن مسرحها كان في الحالات الثلاثة وولستريت (هذا الصنم الإمبريالي المقدس) وغيرها من مسارح بورصات وأسواق الأوراق المالية الأمريكية والمسارح المشابهة لبعض بلدان العالم الرأسمالي الحر باعتبارها أحد ابتكاراته وإبداعاته المتفردة التي يفاخر بها الأمم وثالثا: لأن وَهَم فقاعة المشتقات المالية ومنتجات الهندسة المالية المبتكرة يتكرر اليوم للمرة الثالثة ليري العالم أجمع من جديد مدي هشاشة هذه المنظومة الرأسمالية الربحية الوهمية التي لا تستند إلي إقتصاد حقيقي أو أصول حقيقية علي أرض الواقع.
دهشة العامة أو المستهلكون العاديون للبترول لا تكمن فقط في أن البترول (هذه السلعة التي من دونها تتحول حياتهم الطبيعية لشبه جحيم) وأنها بالتالي لا يمكن أن تكون بلا قيمة ولا يمكن أن تباع لهم دون مقابل أو أن يدفع لهم البائع حافزا إضافيا من الدولارات مقابل كل لتر بترول يسحبونه من خزانات محطات البترول خاصته، بل يكمن في أنهم برغم هذا الإنخفاض الذي وصل إلي 37.6 دولار ما دون الصفر في البورصات الأمريكية في يوم الإثنين المشئوم إلا أنهم لا يزالون حتي تاريخ اليوم يدفعون قيمة اللترات التي يسحبونها من تلك الخزانات علي أرض الواقع، بل وأنهم لن يتمكنوا من الحصول عليه البتة ما لم يدفعوا قيمته مقدما. صحيح أنهم يحصلون عليه اليوم بأقل من أسعاره السابقة ولكن بالتأكيد ليس بالمجاني أو للدرجة التي يدفع لهم صاحب الخزَّان مبلغا إضافيا من الدولارات ليسحبوا ما يحلوا لهم من خزَّناته، فهذا هو اللُغز أو الأحجية الحقيقية التي تجعلهم في حيرة من أمرهم. نحاول في هذا المقال تفسير هذه الأحجية لعل الناس يعودون عن حيرتهم.
يتم تداول النفط عموما إما من خلال عقود البيع الفورية (Spot Contracts) التي يقوم فيها البائع بتسليم المشتري الكمية المتعاقد عليها حالا وفق السعر الفوري المتفق عليه، أو من خلال عقود البيع الآجلة (Futures Contracts) وهي عقود تعطي حاملها الحق في شراء أو بيع كمية معينة من النفط بسعر محدد سلفاً ولكن يتم التسليم في تاريخ محدد لاحقا. ففي الحالة الأولي (حالة العقود الفورية) يكون البيع حقيقياً خالصاً حيث تتجلي فيه أبسط أركان عقد البيع بين طرفين، فالبائع يستلم ثمن ما باعه فورا والمشتري يستلم السلعة التي تعاقد عليها ودفع ثمنها مباشرة دون وساطات أو تعقيدات، وبالتالي يخرج فيه الطرفان في قمة الرضاء والسعادة.
أما في عقود البيع الآجل يكون الأمر أكثر تعقيدا لأن التبادل ليس بالضرورة (بل وفي أغلب الأحيان) أن يتم مباشرة بين البائع الأصلي والمشتري الأصلي حيث تُدرَج عقود البيع الآجل للتداول في البورصات العالمية ويتحول بالتالي العقد الآجل من كونه عقد بيع بين البائع الأصلي والمشتري الأصلي مباشرة إلي ورقة مالية مستقلة في حد ذاتها يتحدد ثمنها وفقا لقوي العرض والطلب علي هذه الورقة في حد ذاتها ويتداولها المضاربون في شاشات سوق العقود الآجلة في البورصات دون أن تكون لهم حاجة فعلية في كمية النفط الذي تحتويه هذه العقود كسلعة ولكنهم يتبادلونها بهدف تحقيق أرباح قصيرة الأجل من خلال المضاربة علي تقلبات أسعار الخام وفقا لتوقعات وتقديرات كل مضارب علي حدة. فقد يتوقع أحد المستثمرين أو المضاربين في عقود النفط الآجلة أن أسعار العقود الآجلة للبترول المستحقة في يونيو علي سبيل المثال أقل من السعر الفوري للنفط في ذلك التاريخ ولذلك يقوم بشراء تلك العقود في البورصة بهدف الإستفادة من الفرق، والعكس صحيح إذا كانت توقعاته أن يكون السعر أعلي من السعر الفوري فيسعي للتخلص من هذه العقود. وبالتالي فإن عقود البيع الآجل بهذا المعني تصبح أدوات استثمارية مشتقة من العقد الأصلي المبرم بين البائع والمشتري تتم المضاربة عليها في سوق العقود الآجلة دون أدني رغبة حقيقية في الحصول علي النفط كسلعة وإنما من أجل الاستفادة من تقلبات أسعار الخام في الحصول علي أرباح سهلة وسريعة علي المدي القصير. وبالتالي فإن هذا الهبوط في سعر برميل النفط إلي (-37.6 دولار) للعقود الآجلة للخام الأمريكي (نايمكس) تسليم مايو 2020م الذي حدث في يوم الإثنين المشئوم 20 إبريل 2020م. وبرغم أنه نظريًا معناه أن البائع على استعداد لأن يدفع للمشتري 37.63 دولار ليأخذ النفط منه مجانًا، إلا أنه لا يعني إطلاقا بأن هنالك خسائر حقيقية علي أرض الواقع بنفس هذا السعر المعلن بل هي مجرد مشتقات مالية أو عقود بيع ورقية من جانب المضاربين ليس لها قيمة استعمالية في حد ذاتها ولا تقابلها طلبات شراء بسبب إنخفاض أو إنعدام الطلب في الأسواق الأمريكية وغيرها من البورصات الإقليمية والعالمية بسبب إتساع جائحة كرونا وتوقف الحياة شبه الكامل في معظم دول العالم. والدليل علي ذلك أن المستهلكين النهائيين لهذا الخام علي اختلاف شرائحهم وفي مقدمتهم عامة الناس علي واقع الأرض وأمام محطات البترول لا يحصلون علي حاجتهم من النفط (مهما تواضع وصَغُر حجمها) دون مقابل. فلا يوجد مثل هذا الوَهَم علي أرض الواقع وذلك بكل بساطة لأن التبادل في بورصات العقود الآجلة لا يتم من أجل الحصول علي القيمة الاستعمالية للنفط أي من أجل الحصول علي النفط في حد ذاته وإنما من أجل المضاربة في تلك الأوراق الوهمية لتحقيق أرباح سهلة وسريعة. ولذلك في كل مبادلات العقود الآجلة لا يستلم المضارب كميات النفط محل تلك العقود بل يسارع بإنهاء تلك العقود والتخلص منها قبل موعد استحقاقها أو موعد تسليمها حتي لا يتحمل أعبائها اللوجستية المتمثلة في النقل والتأمين والتخزين، فهو في الغالب الأعم ليس تاجرا أو مستهلكا وسيطا أو نهائيا للنفط ولكنه مجرد مضارب أو سمسار ليس إلا. وهذا ما حدث تحديدا قبل يوم الثلاثاء الموافق 21 إبريل 2020م موعد إغلاق أو إنهاء تداول عقود شهر مايو مما إضطر المضاربين حاملي هذه العقود الآجلة التخلص منها بأي ثمن هروبا من حلول موعد الإستحقاق أو موعد تنفيذ العقود والاستلام الحقيقي للنفط وما يعنيه بالنسبة لهم من خسائر وأعباء فوق طاقتهم جراء تكاليف التأمين والنقل والتخزين. بل وأنه وبرغم أن العقود الآجلة تتطلب التسليم المادي للأصول المتعاقد عليها في وقت الإستحقاق إلا أن هنالك أنواع معينة من مثل هذه المشتقات المالية يتم تسويتها نقداً دون تسليم فعلي للنفط. فعلى سبيل المثال، إذا تعاقد مضارب على شراء طن من القمح بعد 60 يوما من تاريخه في مقابل 350 دولار تدفع في تاريخ الإستحقاق أو التسوية، وفي تاريخ الإستحقاق أو التسوية وصل سعر طن القمح في السوق إلى 375 دولار، فلا يتم التسليم الفعلي في مثل هذه العقود بل تتم تسوية العقد الآجل بسداد الفرق وهو 25 دولار من قبل البائع لحساب المضارب وبدون أي تبادل حقيقي للقمح.
وبالتالي فإن عقود البيع الآجل للنفط وغيرها من السلع أو الأسهم أو أسعار الصرف أو غيرها من مجالات العقود الآجلة بهذا الفهم تصبح ضمن ما يعرف بالهندسة المالية أو المشتقات المالية كأحد ابتكارات وبِدَع العلم الرأسمالي الحر المثيرة للجدل.
فالمشتقات المالية تُعَرَّف بأنها عقود مالية بين طرفين يتفقان على قيمة معينة لهذا العقد، وتكون تلك القيمة مشتقة من أصل مالي معيَّن وتعتمد على تغيراته، سواء كان ذلك الأصل أسهم أو سندات مالية أو أسعار عملات أو سلع (كالنفط والقمح والذهب وغيرها) أو حتى معدلات فائدة وغيرها من الأصول المالية المعروفة. أي أن المشتقات المالية هي أدوات استثمار تشتق من عقود أصلية وتقوم علي هامشها ولكنها تظل أوراق مالية لا قيمة استعمالية لها في حد ذاتها. وقد تم ابتكارها بشكل أساسي لتخدم غرضين أساسيين لأي مستثمر الأول: هو التحوط للمخاطر والمخاوف المتعلقة بالتغيرات المفاجئة لقيمة الأصل المستثمر فيه. والثاني: هو خلق سوق لجذب المضاربين والمستثمرين الباحثين عن الربح السريع من التغيرات التي تحدث في قيمة الأصل الذي تشتق منه تلك العقود. وهنالك أنواع متعددة من المشتقات الملية بجانب العقود الآجلة التي سبق شرحها وأشهرها:
أولا: عقود الخيارات (Options Contracts) وهي أوراق أو أدوات استثمارية يتم بموجبها شراء الحق في البيع أو الشراء لأصل من الأصول وليس الإلتزام ببيع أو شراء ذلك الأصل وذلك مقابل علاوة محددة يتم الإتفاق عليها بين صاحب الأصل وبين المشتري لحق البيع أو الشراء وهو في الحقيقة مضارب أو سمسار قد يكون لا يملك فلسا واحدا في تلك اللحظة غير قيمة العلاوة التي يدفعها مقدما لصاحب الأصل عن شراء حق البيع أو الشراء وعادة ما تكون مبلغا صغيرا مقارنة بقيمة الأصل المعروض بيعه أو شرائه. ولتبسيط الفكرة فلو افترضنا أن شخصا يمتلك عقارا قيمته السوقية 100 ألف دولار يرغب في بيعه فيتقدم له شخص آخر (مضارب أو سمسار) ويشتري منه حق بيع العقار بعلاوة قيمتها 2000 دولار يسددها له فورا ويتملك بالتالي حق بيع العقار دون سغيره من المضاربين أو السماسرة بالسعر المطلوب وهو 100 ألف دولار. ومن ثم يسعي ذلك المضارب لبيع العقار بالسعر المطلوب. ففي حالة أن سعر العقار في السوق بلغ 110 ألف دولار مثلا فيقوم المضارب ببيع العقار وتسليم صاحب العقار 100 ألف دولار عبارة عن قيمة العقار المطلوبة من المالك وتحقيق ربح لصالحه 8 ألف دولار عبارة عن 10 ألف دولار ناقصا قيمة العلاوة التي دفعها للمالك في البداية عند إبرام العقد وقيمتها 2000 دولار نظير شراء حق البيع وهكذا والعكس صحيح بالنسبة لشراء حق الشراء. أما إذا بلغت قيمة العقار 90 ألف دولار فللمضارب الحق بعدم تنفيذ البيع وبالتالي فهو يخسر فقط 2000 دولار قيمة العلاوة التي دفعها مقدما للحصول علي حق البيع والعكس صحيح بالنسبة لشراء حق الشراء. إنها بكل بساطة مجرد ضرب من ضروب وجنون القمار.
ثانيا: عقود المبادلة (SWAP): وهي عبارة عن اتفاقيات تبادل للتدفقات النقدية المستقبلية أو أصل معين يمتلكه أحد الطرفين مقابل تدفق أو أصل يمتلكه الطرف الآخر وفقاً لآلية وشروط يتم ترتيبها والإتفاق عليها مسبقاً. وتُمَكِّن عقود المبادلة المستثمرين من التحوط لمخاطر تقلبات أسعار الصرف أو أسعار الفائدة كما يدَّعُون. ففي عقود مبادلة أسعار الفائدة مثلا يتم الاتفاق بين طرفين على تبادل معدلات فائدة متغيرة بمعدلات فائدة ثابتة على مبلغ معين بنفس العملة. وكمثال لعقد مبادلة معدلات الفائدة يتم مبادلة قرض مصرفي حصل عليه أحد الأطراف مثلا من إحدي الجهات التمويلية بمعدل فائدة متغير مع طرف آخر حصل علي قرض من جهة تمويلية أخري بمعدل فائدة ثابت أو العكس. وتتلاقي مصلحة الطرفين في إبرام عقد المبادلة في أن تقديرات وتوقعات الطرف الأول الذي حصل علي القرض بمعدل فائدة متغير تنصب في أن أسعار الفائدة ستنخفض مستقبلا وهو يسعي لتفادي هذا الإنخفاض مستقبلا. في حين أن توقعات الطرف الثاني الذي حصل علي قرض بمعدل فائدة ثابت تنصب في أن أسعار الفائدة سترتفع وهو يود الإستفادة من هذا الإرتفاع. فالطرف الأول سيحصل علي فائدة ثابتة وبالتالي يكون قد تجنب الخسارة الناجمة عن توقعاته بانخفاض أسعار الفائدة مستقبلا وفي نفس الوقت سيحصل الطرف الثاني علي سعر فائدة عائم أو متغير ويتخلص من سعر الفائدة الثابت وبالتالي سيستفيد حسب توقعاته من ارتفاع أسعار الفائدة في المستقبل. والقروض تظل مدرجة بأسماء أصحابها الأصليين، لكن عقد المبادلة ينص علي تعهد أطراف العقد بسداد الدفعات الخاصة بقرض الطرف الآخر ضمن معدل متفق عليه في العقد، وتبقى هذه العقود تحمل مخاطر تخلف الطرف الآخر عن السداد أو إشهار إفلاسه. وغالباً ما تتم عقود التبادل علي نسب الفائدة أو السلع أو العملات. وهي عكس عقود الخيارات تعتبر عقود نافذة وملزمة لأطراف العقد.
وبجانب عقود البيع الآجل وعقود الخيار وعقود المبادلة هنالك العديد من المشتقات المالية التي وإن إختلفت في آلياتها وأغراضها ومجالات استخدامها إلا أنها جميعا أقرب إلي أدوات لعب القمار والرهان والمضاربة. فهنالك مثلا مشتقات التأمين أو ما يعرف بعقود مبادلة التخلف عن السداد أو (Credit Default Swap CDS) وهي نوع من المشتقات التي تمنح حاملها فرص الحصول علي قرض بفائدة أقل من قيمة الفائدة الحقيقية المفروضة علي القروض الأخري باعتبار أن هذا العقد مؤمن عليه من إحدي شركات التأمين المصنفة تصنيف ائتماني ممتاز وأن شركة التأمين ستسدد قيمته بالكامل في حال تعثر العميل عن السداد. ولكن للأسف الشديد فقد كانت مثل هذه المشتقات هي السبب الرئيسي في إنهيار عملاق التأمين الأمريكي (AIG) في الأزمة المالية العالمية عام 2008م حيث قامت بالتأمين علي عقود (مشتقات) الرهن العقاري بسقوف غير محدودة وعندما عجز عملاء الرهن العقاري عن السداد وإنهارت مشتقات أو عقود الرهن العقاري إنهارت الشركة تبعا لذلك خلال أيام معدودة. كما يوجد أيضا مشتقات عقود الرهن العقاري نفسها (Mortgage Derivatives) والتي كانت السبب في إنفجار الأزمة المالية العالمية التي أودت بإنهيار كبري شركات الرهن العقاري وبنوك الإستثمار المروجة لتلك العقود.
وعلي الرغم من أن أحد أهم الأهداف المعلنة التي تبرر عقود المشتقات هي التحوط وإدارة المخاطر والمتغيرات السلبية المستقبلية للأصل محل الاستثمار إلا أن التجارب العالمية وفي مقدمتها الأزمات المالية والإقتصادية العالمية الثلاثة المذكورة في هذا المقال أن هذه المشتقات في حقيقة الأمر تمثل المخاطر الحقيقية، ليس فقط علي المستثمرين والمتعاملين والمضاربين بها بل علي العالم أجمع، وعلي وجه الخصوص عامة الناس العاديين الذين لا ناقة لهم ولا جمل في هذه المنظومة الوهمية التي تتسابق فيها جيوش المضاربين والسماسرة والوسطاء علي الربح السريع في دهاليز وشاشات وولستريت وغيرها من بورصات العالم الرأسمالي الحر.
ولنا أن نتصور كيف يكون العالم سعيدا ورخيَّا لو أن تجارة السلع الاستراتيجية التي تمس مباشرة حياة الناس البسطاء كالنفط والقمح والذرة وغيرها من السلع الرئيسية ومعايش التاس العاديين تتم مباشرة بين المنتجين والمستهلكين دون الحاجة لوسطاء أو لخلق منصات تحت ذريعة أكذوبة الهندسة المالية ومشتقاتها وهي في الحقيقة مجرد فقاعات وهمية يتسابق فيها السماسرة والمضاربون بأجهزتهم وشاشاتهم وحاسباتهم الرقمية المعقدة من أجل تحقيق أرباح سريعة سهلة دون الإكتراث للمصير الكارثي المشئوم الذي يمكن أن يصيب المليارات من عامة الناس.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق