ثقافة

كيف يفكر المسؤولون ؟؟ … الفقير لا يخاف والوزير مرعوب

سيكولوجية القلق !! ماهر رزوق

في كتابه (المؤمن الصادق) يتحدث (اريك هوفر) عن طبيعة الحركات الجماهيرية (أسباب نشوئها و من يقوم بها) فيقول ما معناه أن الفقر الشديد لا يقود إلى الثورة ، بل إنه الرخاء الذي يلي الفقر !!
فشعور الناس بالقلق من الفقر يزداد كلما ابتعدوا عنه ، أي قلقهم من العودة إليه !!
فيقول في الصفحة (59) من كتابه :
((لا تكون لدى الناس ، عندما يكدحون من الشروق إلى الغروب لمجرد البقاء على قيد الحياة ، ظلامات ، و لا يملكون أحلام … كان من الأسباب التي أدت إلى عدم ثورة الجماهير في الصين ، الجهد الهائل الذي بذلته لتحيا حياة الكفاف ، إن الصراع اليومي للبقاء على قيد الحياة يحفز على الجمود ، لا على التمرد))

و يكمل الفكرة في الصفحة (60) حيث يقول مقتبسا عن (أليكسي دي توكيفيللي_ كتاب : في الدولة و المجتمع) ما يلي :
((ازداد تذمر الفرنسيين مع ازدياد رخائهم))

كما يوضح (آلان دو لوبون) في كتابه (قلق السعي للمكانة) أن القلق بشأن العوز و الحاجة يتزايد عندما يعيش الناس حالة رخاء و ليس كفافا حقيقيا ، فنحن كلما حصلنا على امتيازات أكثر زاد القلق من خسارتها و فقدان كل شيء !!
حيث يقول :
((تمثلت المفارقة في أن الانخفاض الحاد في مستويات العوز الحقيقي ، قد يصحبه إحساس متواصل ، بل متصاعد بالخوف من العوز)) ص(44)

فالقلق من المستقبل يزداد كلما زادت الممتلكات و ربما كلما زادت إمكانياتنا المادية التي من المفترض أن تخفض شعورنا بالقلق !!
و هذا ما يدعى (السيكولوجية المعاكسة _ Reverse psychology)

فالموظف العادي لا يراوده القلق نحو خسارة عمله ، حيث يمكنه أن يعوضه بعمل آخر في مكان آخر … أما عندما يكون أعلى (ولو بدرجة واحدة) من رفاقه ، فإن قلقه يزداد و يتراكم حتى يتحول إلى قلق مرضي مؤذي له و لمن حوله ، فقد يصبح مستعدا لفعل أي شيء من الأجل الحفاظ على مكانته أو الارتفاع أكثر ، حتى لو خالفت أفعاله مبادئه و قيمه !!

كما أن الزوج في المجتمعات المتشددة دينيا و المنغلقة لا يدقق على تصرفات زوجته و يشك بها و يخاف خيانتها ، فهو عندما يسلبها حريتها مسبقا ، يضمن عدم تفكيرها في الخيانة ، حتى لو كان مقصرا في كل شيء (الاهتمام و الجنس و المال) … بينما يزداد قلقه و شكه عندما يضطر إلى منحها هامشا معينا من الحرية ، كإضرارها للعمل خارج المنزل ، أو هجرتهم (قسرا) إلى بلد أوروبي … و في المقابل أيضا تزداد فعلا احتمالية خيانتها أو حتى هجرها له ، كلما توسعت هوامش الحرية ، حيث أنها تبدأ بإعطاء رغباتها و مشاعرها و حاجاتها ، اهتماما أكبر !!
لذلك قد يكون القلق نحو الجنس و استمرارية الزواج في المجتمعات المنفتحة و الغربية ، أكبر منه في المجتمعات المنغلقة و المتدينة !!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق