أمن وإستراتيجيةدراسات و تحقيقات

كيف تقع الدول ضحية للحروب الأهلية والفوضى ؟.. نظرة جديدة لـ حروب الأجيال الجديدة

محمد يونس

تتآكل شعبية السياسيين في الأيام الأولى من تقلد المسؤولية، و تثبت إستطلاعات الرأي التي تجريها مؤسسات سبر آراء متخصصة هذا، لكن الفرق بين الدول العريقة في الديمقراطية و التي تحكمها مؤسسات لا تتأثر بأي هزة اجتماعية بفضل آلية الانتقال السلس والطبيعي للسلطة، و دول العالم الثالث أو الدول الهشة سياسيا، فإن تآكل شعبية الزعيم، أو تراجع شعبيته قد يعني انهيار النظام السياسي في حالة التآكل الخطير لشعبية الزعيم أو الرئيس أو الحزب الحاكم أو المؤسسة المسيطرة على السلطة بسبب بسيط  هو أن السلطة القائمة في الدول الهشة سياسيا تفشل في التفريق بين الدولة والحكومة بل إن أجهزة الإعلام فيها أو وسائل التعبئة الجماهيرية من وسائل اعلام و احزاب و منظمات جماهيرية، تقوم عن عمد بالخلط بين الدولة ككيان سياسي يضم المعارض و المؤيد أو الموالي، و الحكومة التي تعد جهازا تنفيذيا في خدمة الشعب.

يبدأ انهيار الدول الهشة سياسيا، في وقت مبكر قبل سنوات من انتباه القيادات السياسية للإنهيار،معالم الانهيار تبدأ في الظهور أحيانا قبل 10 أو 15 سنة من وقوعه، وتظهر في شكل انتشار الرفض الشعبي لقرارات وسياسات الحكومة، وخياراتها، في مرحلة معينة يتعزز هذا الرفض، في شكل قطيعة شعبية كبيرة بين الشعب و الحكومة أو بتعبير أصح بين قطاع واسع من الشعب و الحكومة، وبسبب اعتماد الحكومة على تقارير الأمن ، والتقارير الصحفية ، وتقارير الاداريين التي تتحدث عن ” حالة رضى ” شعبي عن خيارات الحكومة الحاكم في كثير من الأحيان يرفض الاعتراف بتراجع شعبيته، ولا يرغب سوى في سماع الأخبار التي تروقه و بالتالي، تضطر الأجهزة الأمنية في الكثير من الأحيان لتفصيل تقارير على مقاس عقلية الزعيم ” كل شيء على ما يرام ” ، و تتحول وسائل الإعلام من أداة لتصحيح مسار الدولة وانتقاد الأوضاع السيئة إلى وسيلة دعاية تمارس التضليل، وبينما يعتقد الزعيم أن وسائل الإعلام هذه تؤيده ، وتساند خياراته السياسية والاقتصادية، تكون وسائل الاعلام هذه العدو رقم واحد للزعيم و الدولة وأمن الدولة، لأنها تقوم في الحقيقة بتضليل القيادة السياسية، و هنا تتحمل القيادة السياسية جزئا كبيرا من المسؤولية عن هذا الانحراف الخطير جدا ، فالرقابة على وسائل الإعلام قدر ما تكون مفيدة في مراحل ما فإنها بالغة الضرر على أمن الدولة، الأمر ذاته ينطبق على مسؤولي الجهاز التنفيذي الراغبين في الحصول على ترقية ليس بالكفاءة بل بإظهار الولاء التام والأعمى، وتقديم تقارير كاذبة حول الوضع لدرجة أن القيادات السياسية في الدول الهشة تصاب بالعمى.

الفراغ الكبير في تداول المعلومة الصحيحة ، بسبب التعتيم الذي قد لا تكون القيادة السياسية قد أمر به، يؤدي إلى إلى ظهور وسائل اعلام بديلة الشائعات والاستماع لإذاعات معادية للدولة في الماضي، و شبكات التواصل الاجتماعي في الحاضر ، والتي تملأ بسرعة الفراغ الحاصل في مجال تداول المعلومة، وتغرق البلاد في هذا الفترة في حالة ” حرب اعلامية “، بين المعارضين والموالين، و تنتشر بسرعة أخبار كاذبة وأحيانا أخبار صحيحة تمت المبالغة فيها، و يعمد الأشخاص العاديون لتداولة بحن أو سوء نية، و تكون في هذه المرحلة البلاد مهياة تماما للإنتفاضة والتمرد ، و تكون مسألة التمرد على سلطة الحكومة في الشارع ، قضية وقت فقط ، ويرتبط اندلاعها بحدث كبير قد يقع في اي لحظة كما حدث في تونس عام 2011 .

و عندما تحاول القيادات السياسية منع الانهيار ، يكون الوقت متأخرا، لأن تراكم ” حالة الاستياء ” و تآكل شعبية الحكومة سنة بعد سنة يكون قد فعل فعلته، ففي آخر المراحل يسود الاعتقاد على نطاق واسع أن الحكومة القائمة تعمل لغير صالح شعبها ، وفي الكثير من الأحيان يجري تحفيز حالة الغضب هذه من خلال أخبار كاذبة أو صحيحة و مضخمة واحيانا اخلاق الأخبار من العدم ، وتعجز وسائل الاعلام المتخلفة والتي تدار بطريقة سيئة عن مواجهة الحملات بسبب افتقارها لهامش حرية التعبير، و بالتالي الافتقار  للمصداقية، و في لحظة فارقة تلتقي كل الظروف في نقطة اللاعودة، وفي هذه اللحظة تندلع الحروب الأهلية في داخل الدول، بسبب أن أجهزة السيطرة وفرض الأمن، تكون مجبرة على التعامل العنيف مع تمرد قرر تغيير النظام، و بسبب الالتباس في تعريف الدولة  تتلقى القوى النظامية أوامر بفرض النظام بالقوة واحيانا تخرج القوة عن السيطرة، في كثير من الأحيان تتدخل في اللحظة الحاسمة الجيوش الوطنية التي تقرر انقاذ الوضع، وتغيير السلطة بالقوة و الاصطفاف في صف الشعب، وقد ينتهي تدخل الجيوش بحرب أهلية او تور عسكري للجيش ، بل و حتى انتقال السلطة بشكل علني للجيش، وهنا تنتقل الحملة الاعلامية المعادية للدولة من استهداف الحكومة أو الرئيس إلى استهداف الجيش لأن الهدف في النهاية يكون اسقاط الدولة عبر اسقاط آخر حصونها ممثلا في القوة المسلحة، والجيش بطبيته لا يتقن اللعبة السياسية، و يتعامل بالطريقة الأمنية مع كل تهديد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق