رأي

كورونا..عدالة كونية!!

ماجدة منصور

( هكذا تقضي تعاليمهم: عليك أن تقتل نفسك بنفسك! عليك أن تنجو بنفسك من نفسك!!).
((اللذة خطيئة))_هكذا يقول بعض من دعاة الموت.إذا…لننسحب جانبا و لا نلد ولدا.
أمر مرهق أن يلد المرء ولدا…يقول آخرون: فلما الإنجاب إذا؟ نحن لن ننجب سوى أشقياء و تعساء فما نحن سوى أمواتا / نحمل أمواتا آخرين على أكتافنا.
يقول مصاب بكورونا: لتأخذوا كل ما أملك و لكن أعطوني علاجا يشفيني من هذه الكورونا.
تساءلت بغباء: هل الكورونا مُذكر أم أنثى؟؟
قال لي الكاهن ، و الكلمات تخرج من بين فتحات أسنانه المتآكلة بفعل التعرية: الكورونا أنثى.
الكورونا أنثى تماما ككلمة المصيبة و الفاجعة و النائبة و الضحية…هذه كلها كلمات مؤنثة.
يا للعجب: حتى المصائب كلمات مؤنثة.
في الليلة الفائتة عقدت محادثة طويلة و نقاشات إستمرت طوال ليلتي مع هذه الزائرة الكونية….المعلمة كورونا.
قالت لي: لقد إجتحت عالمكم هذا كي أريكم مدى بؤسكم و جبنكم و فقركم ..أنا هنا كي أُكًسر رؤوس الطغاة و أباطرة الكون…أنا هنا كي أجعلهم يتعرون حتى من ورقة التوت التي أكلها الدود…أنا هنا كي أفضح زيفهم و نفاقهم و كذبهم المستمر و عجزهم
الفاضح….هؤلاء اللذين يتغنون بصواريخهم التي شقُت الفضاء و غواصاتهم التي تقبع في قاع المحيطات و أبحاثهم التي صدعوا الرؤوس بها…إن هؤلاء العتاة لهم عاجزين عن إختراع مصل أو لقاح يقضي على قوتي و طغياني و جبروتي.
بأدب جم و إحترام منقطع النظير أستأذنت ( كورونا) وسألتها بلطف إن كانت تود شرب كأس من النبيذ معي…فالحق الحق أقول لكم: لقد أحببت حديثها ففيه من المنطق و العقل ما يجعل أعظم العقول يخُر ساجدا…عند طرف تاجها…فالكورونا مرصعة بتاج
عزً نظيره في دقة التكوين و مهارة الصنعة.
وافقت السيدة ( كورونا ) على تناول كأس نبيذ معي و بعد أول رشفة ، إنفكت عقدة لسانها و قالت لي و قد إزداد تاجها توهجا و إحمرارا: أليس ترامب….الرئيس الأمريكي المسخرة…و معتوه زمنكم الأغبر هذا… و برأسماليته المتغولة، المتوحشة، الصفيقة،
هو أشد فتكا مني بالشعوب؟؟
أليس أصحاب اللحى و المقامات الدينية هم أكثر فتكا بالعقل و الجسد مني أنا؟؟
أليس الجهل و الفقر و أمراضكم المزمنة و التهجير و التعفيش أشد فتكا بمجتمعاتكم مني أنا؟؟
أليس حكُام سوريا و اليمن و العراق و ليبيا و الخليج و إيران أكثر أذى مني أنا؟؟
أليسم حكام إيران و أذرعها الأخطبوطية أكثر رعبا و نشرا للقتل و الدمار الشامل؟؟
أليست الرأسمالية القذرة ، المتغولة، قد أبادت منكم على مدى عقود ما عجز عنه الطاعون الأسود و التيفوئيد و السل و السارس و الجمرة الخبيثة و السرطانات و و و غيره كثير!!!
أليس (( أسدكم )) قد قتل منكم نصف مليون و هجًر نصف مليون سوري؟؟
أليست الحرب العراقية الإيرانية قد قتلت مليون عراقي و ما زلتم تعانون من تبعات هذه الحرب العبثية حتى بعد أن أصبحت عظام صدام..مكاحل؟؟
و إستطردت زائرتي ( السيدة كورونا ) بشرب مزيد من النبيذ معي….فمن حسن حظي…أنها تتكلم معي وجها لوجه..و تاجها المرصع ببقع حمراء يتوهج على رأسها كلما شربت نبيذا أكثر.
قالت لي : أنا سيدة العدالة الكونية….إنظري حولك فقط كي تدركي صدق قولي،، فأنا لا أفرًق بين غني و فقير…أبيض أم أسود…إمرأة أو رجل…عجوز أم شاب…أفريقي أو بائس أفغاني…ولا أٌفضًل بلدا عن أخرى…فأنا أجتاح كونكم البائس كله…أتجول بحرية
مطلقة دون جواز سفر و تأشيرات دخول و لا أخضع لتفتيش جمركي و أتملق مسؤولا كي يمنحني إذن زيارة….فأنا عزرائيل ملك موتكم القادم…أدخل إليكم دون إستئذان و أختبئ في أجسادكم المتهالكة بفعل فسادكم مدة 14 يوم…ثم أرديكم قتلى و صرعى
ككلاب فاطسة….و محظوظ منكم هو من يحظى بجنازة حتى….فإلى جهنم و بئس المصير…فهذا ما جنته أياديكم، وما جنيت أنا على أحد.
إستطردت قائلة: يكفيني فخرا و عزة و كرامة أنني قد ساويت و عدلت بينكم جميعا….و يلعن أبوكم…كلكن على بعض…قشة لفة.
فجأة إحمرت قرون كورونا و طلبت مزيدا من النبيذ ، ولبت طلبها بكل أدب و طاعة و خضوع…و إستطردت بالكلام قائلة: يكفيني فخرا بأني قد كسرت رؤوس أباطرة المال في العالم كله و حبست عشرات الملايين منكم كفئران و جرذان مسعورة..خائفة
جبانة…لقد علمتكم الأدب و قربتكم من عائلاتكم ولملمتكم من الشوارع و أماكن سهراتكم الماجنة و أقفلت لكم مواخيركم و أماكن تعريصكم و شللت مصانعكم و أفزعت زعمائكم…
صرخت بي السيدة كورونا فجأة: لقد آن الآوان الآن….الآن الآن و ليس غدا ، لعدالة الكون أن تفصح عن نفسها و ما أنا سوى برسولة الكون إليكم كي تتعلموا درسا قاسيا.
أدركت جيدا، في هذه اللحظة الفريدة، بأن السيدة المبجلة كورونا قد أصاب السكر منها مقتلا و تمكن مني الخوف في أن تطلب مزيدا من النبيذ، لكنها فعلت…و أمرتني بمزيد منه.
((قلت في نفسي: لقد أعجبها النبيذ ، بنت الستين كلب.))
و لكني لبيت طلبها….كخادمة أثيوبية و أتيت لها بالمزيد.
قالت لي: إن للكون ناموسه العادل دائما و أبدا و ما أنا سوى برسولة –وما على الرسول إلا البلاغ–.
و ها أنا أبلغكم: سوف ترونني بأسوأ كوابيسكم فما أتيت إلا لأفرغ خزائن أموالكم التي جمعتموها من دماء الشعوب البائسة الفقيرة فأنتم على أعتاب حقبة جديدة من الزمن و سوف يدعوها أحفادكم( حقبة ما قبل الكورونا و حقبة ما بعد الكورونا.

تابعت قائلة: سأظل عصية على اللقاحات الى حين من الزمن و إذا قضيتم عليً فإني سآتيكم متحورة بلباس جديد و تاج أشد فتكا…فأنا الكورونا…سيدة عالمكم….قد سجنتكم في بيوتكم كفئران تجارب…و سوف تزدادون عزلة و تفرقا و توحشا…إني
لأكاد أن أقسم…بأني سأجعلكم تحلمون بعيشة القرود على أغصان شجر غابات أستراليا.
إلتفتت السيدة كورونا صوبي و قد إزداد توهج قرونها…و أصبح شديد الإحمرار…و قالت لي بنبرة الغضب: و أنتي…أنتي يا ماجدة….لو كنتي تؤمنين بالحياة لكنتي أقل تكالبا على اللحظة الآتية و لا بد لكي بأن تعلمي بأنه ليس لديك من محتوى حقيقي
و قيًم كي تواجهي محتواكي الأجوف!!
الأرض تعج بالموت في زمننا هذا و علينا أن نسرع بالرحيل،،هكذا فكرت فإما أن أقتل نفسي بنفسي أو أموت بوحدتي.
فليكن إذا.
ليس لدي مجالات كثيرة للإختيار.
فجأة …أمسكت بهاتفي و أنا أطلب مركز التطوع للقضاء على كورونا.
أجابني صوت عاملة المركز ببرودة: آسفة….لقد إكتفينا من أعداد المتطوعين!!
لم أدري بنفسي إلا صباحا….نظرت صوب زجاجة النبيذ و رأيتها فارغة….لقد أتت عليها السيدة كورونا بكاملها و غادرتني….حينها سألت نفسي بغباء قائلة: أتمنى أن تزورني كورونا ثانية ففي حديثها صحوة للروح.
هنا أقف
من هناك أمشي
ربما…للحديث بقية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق