ثقافة

كل شيء عن مهنة القاضي والقضاء في الجزائر … كتاب تشريح جثة القضاء على حلقات

تقدم صحيفة الجزائرية للأخبار الكتاب القيم الذي يقدم تفاصيل واسرار وقوانين العمل القضائي في الجزائر ، على سلسلة من الحلقات ، الكتاب الفه القاضي السابق والخبير في القانون فؤاد حجري .

الحلقة الخامسة عشر والاخيرة

إســتــقــلالـيـــة الـقــضـــاء:
إن استقلالية القضاء عبارة عن مفهوم، حتى لا نقول مجموعة قيم و مبادئ، تستدرج بثقافة مطورة، على قاعدة فصل السلطات، تلك النظرية الغالية على مون تيسكيو (1689-1755)، و التي تم ترسيخها في البرامج المدرسية التي أريد منها أن تكون رائدة و متقدمة. مدرسة قاعدتها تكمن في التمييز بين السلطة التنفيذية، السلطة التشريعية و السلطة القضائية. و الكل ينسجم في فكرة أساسية تتجلى في أن السلطة توقف السلطة.و من أجل ذلك، لا يجب عليهن أن تتداخلا في بعضهن البعض، لأن استقلالية القضاء بالضبط إنتاج هذه القاعدة ، و المجلس الأعلى في ميدان القضاء، هو العضو المسير و الضامن لتحقيق وتكريس كل هذه القواعد.إن استقلالية القضاء، لا توضع، و لا يعلن عليها، لا في إطار قانون القضاء و لا في ميثاق أخلاقيات القضاة، أين محتواهما يتشابه في هذا الموضوع و يستمد روحه من المادة 156 من دستور سنة 2004.
حقيقة أن استقلالية القضاء مبدأ يكرسه الدستور، لأن الأمر، يتعلق باختيار دستوري في كيفية تسيير مؤسسات الدولة والمجتمع بكامله.
يجب أن تكتسب هذه الاستقلالية كثقافة أولا، لتنتقل فيما بعد، إلى مرحلة النضال اليومي. لذا، على القاضي الأول المعني بهذا المنطق، أن يكون حكيما في منهجه المهني، و أن يتشبع بكل القيم التي يمنحها الدستور، من أجل جعل هذه الاستقلالية فعلية و ملموسة في الواقع.
إن التكوين القاعدي، التحسن الفعال في التطبيق، التغيير الجدري في الدهنيات، هي وجوبا المحفز الذي يسمح بالانتفاضة لنيل هذه الاستقلالية.
و أن العدالة الحقيقية القوية، تصدر من القضاة ذوي الشخصية القوية، المتمكنين من مواجهة كل الاضطرابات.
و بمثل هؤلاء القضاة يتم الرفع من نوعية القضاء و المساهمة في استقلاليته اتجاه السلطات الأخرى.
و ما على الإرادة السياسية إلا جعل استقلالية القضاء فعلية و حقيقية، و ذلك خاصة بمراجعة قانون القضاء و محو كل الممارسات و التعليمات السلبية التي لا تفيد في شيء بل تساهم في تجريد القضاء من كل مفاهيمه. تشكل ورقة الطريق المسطرة برنامجا للممارسة القضائية و قاعدة الإرسال لكل التركيبات الرامية إلى تغيير حالة الأشياء التي تكاد أن تكون مذهلة.
نعم، يجب الاعتراف أن القاضي تنقصه ميدانيا، ثقافة الاستقلالية، و يبدو أن هذا الأخير لا تشغله بتاتا أهمية السلطة التي يمثلها، لأنه يمكث بين الخوف و الضغط، بين لا شرعي و التجاوز، بين الرداءة و المشاكل المهنية والمادية، بين الخضوع و التملق.
نعم، إن القاضي في حالت رعب باستمرار. إنه يخاف عند توليه مهنة القضاء لأنه لا يتم التكفل به جيدا و تربصه التطبيقي يتم في الغموض و عدم المنهجية.
و يخاف لأن فكرة احتمال طرده أثناء مدة التكوين التي تدوم 4 سنوات على الأقل، لا تغادره طيلة مدة التكوين.
و يخاف لأنه لا يدري أين سيتم تعيينه بعد نهاية التربص.
و يخاف لأنه ليس متيقن من الحصول على السكن الوظيفي بعد تعيينه في مجلس ما.
و يخاف لأنه لا يدري إن كان مرتبه الشهري سيكفيه لتجاوز المتطلبات اليومية.
و يخاف لأنه لا يدري إن كان سيرضى عليه المسئولين القضائيين أم لا.
و يخاف لأنه لا يدري كيف سيتم تنقيطه من طرف مسؤوله.
و يخاف أن لا يتم تعيينه، ترقيته، ترسيمه.
و يخاف لأنه لا يدري إن سيكون مستقرا أو سيتم نقله عند اقتراب اجل كل حركة نقل.
و يخاف لأنه لا يدري في أي وقت سيتم توقيفه و إحالته على مجلس التأديب، و الأكثر و الأخطر من ذلك متابعته جزائيا، ، والجز به أمام المحاكم .
– بسبب ارتكابه لخطأ في دراسة ملف معروض عليه.
– بسبب التأخر في النطق بحكم.
– بسبب تأجيل خامس لجلسة، وعدم السرعة في تصفية النزاعات المطروحة أمامه.
– بسبب خلاف أيا كان وخاصة مع رؤسائه.
– بسبب القيام أو عدم القيام بأمر ما.
– بسبب التغيب عن حصة من دورة تكوينية.
-بسبب الحضور المتأخر لجلسة.
– بسبب شكوى موجهة ضده من طرف الغير، لوجود نزاع مع جار له، أو مع أي موظف.
– بسبب حفظ ملف طبقا للقانون، أو النطق بإطلاق سراح، أو النطق بأمر بانتفاء وجه الدعوى، أو أمر برفع اليد عن الوضع في الحبس، أو النطق بالإفراج المؤقت…تلك الإجراءات القانونية التي اختفت نوعا ما، من القاموس القضائي.
و هنا، فإن هذا القاضي في بعض حالات سيتعسف في استعمال الأمر بالإيداع، بالرغم عنه، إلى إحالة عدد من الملفات أمام المحكمة والتي بدورها ستسعى، رغما عنها بإصدار أحكام أو قرارات تغطي مدة الحبس المؤقت بالرغم من البراءة .
إن هذا الخوف المستمر، الذي يقطن جوف القاضي، هو المنبع الحقيقي لتمييع العدالة و سبب فقدها للثقة، الشبح الذي يتبعها و يلاحقها.
و كل هذه المخاطر للحياة اليومية و المهنية للقاضي تجعل استقلالية القضاء منسوخا، كما قال الأستاذ سليني، نقيب وطني:” إن الذي يقول أن هناك استقلالية للقضاء لا يقول الحقيقة للشعب.
و أصبحت نقابة القضاة تتبنى عملية تشويه القضاء ، و هنا يمكننا التساؤل : كيف يمكن لبعض المسئولين والنقابيين، عند إصدار المرسوم07/159 المؤرخ في 27 مايو 2007الذي ينشأ منحة السكن،ان يؤكدوا إن هذا الإجراء يمثل مكسبا هاما للقاضي، و أداة لضمان استقلاليته و جعله في مأمن من كل إغراء؟
إن القاضي، أولا و قبل كل شيء، موظف الدولة، معين بموجب مرسوم رئيس الجمهورية. الاعتراف و الإقرار له بهذا الحق هو بالذات إعادة تقدير لهذا المرسوم، و يجب الإشارة إلى أن عدة أصناف أخرى لموظفين تابعين لمختلف هيئات الدولة ينتفعون بهذا الحق منذ أمد طويل. و في هذا المجال، لا يمكننا القول أن توفير منحة السكن يعتبر عاملا لاستقلالية القضاء، و لا حتى طريقة لوضع القاضي في مأمن من كل إغراء. و الشيء الواضح من كل هذا، هو إرادة جعل باستمرار إغراء القاضي في الواجهة، حتى لو تعلق الأمر بتكريس حق من الحقوق الأولية، التي تجعل من القاضي مستأجر عادي.
و في سجل آخر:
كيف يمكننا القول و بكل وعي، بأنه بمجرد الحصول من طرف الطالب في اليوم نفسه، على شهادة السوابق العدلية، يمثل دليلا على استقلالية القضاء؟ إن هؤلاء الأشخاص، في نظرنا المتواضع، لا يفقهون إلا القليل، مفهوم المصلحة العمومية والمرفق العام. إن مغزى العدالة و حتى استقلاليتها، لا ينحصر في عدد شهادات السوابق العدلية أو شهادات الجنسية المسلمة للمواطنين أو في الوقت المستغرق لتسليمها. أن استقلالية القضاء توجد معالمها في فضاء آخر.
و كيف يضن بعض المسئولين أن المجلس التأديبي للقضاة، عند نطقه بعقوبات العزل، يعطي دليل قاطع على أنه فعلا مستقل؟
لا، إن استقلالية القضاء و حتى تلك المتعلقة بهدا المجلس، لا تقاس بعدد العقوبات و لا بعدد قرارات العزل المنطوق به ، لاسيما إذا كانت تعسفية .بل تقاس بالنطق بأحكام نزيهة، عادلة، بدون غموض، حرة بدون ضغوط من أي نوع كانت، في سكينة تامة، في احترام الأخلاقيات و احترام حقوق كل واحد والتمسك بقوانين الجمهورية.
كيف يمكننا القول بوجود استقلالية القضاء، عندما ينعقد المجلس التأديبي ، خرقا للقانون ، بنفس الطابق أين يوجد مكتب وزير العدل؟ لا يمكن القول أن هناك استقلالية القضاء لتشابك الصلاحيات المناقضة. تجدر الإشارة إلى أن المجلس التأديبي استرجع شرعيته و أصبح ينعقد بمقر المحكمة العليا ، لكن الخروق القانونية الناتجة عن التصرفات الغير قانونية ما زالت قائمة عوض أن يتم التصريح ببطلانها .
كيف يمكن القول أن القانون الأساسي للقضاء يشكل لبنة لهذه الاستقلالية، بل أن الأمر يتعلق بترسانة حقيقية قمعية، حيث أن السلطة التنفيذية تحتكر على كل صلاحيات تسييرها للحياة المهنية للقاضي أين يظهر هذا الأخير ضحية كل المؤامرات الكيدية؟
كيف يمكننا القول أن ميثاق أخلاقيات المهنة المصمم في سنة 2007 يكرس هذه الاستقلالية عندما نعلم أنه بدلا من التوقع، بصفة دقيقة، بموجب أحكام المادة 34 من القانون الأساسي للقاضي، لكل الأفاق المهنية، انحصر محتواها على التأكيد من جديد على واجبات القاضي، أغلبها قد تم تقريرها ضمن القانون المتضمن القانون الأساسي للقاضي وفي بعض الأحيان يشير إليها الدستور. و مع ذلك كما سبقنا وان ذكرناه، لم تتم حتى الإحاطة بمعنى واجب تحفظ القاضي، ذلك المفهوم الذي يثير مشاكل تطبيقية عديدة كونه غامض.
كيف يمكننا الحديث عن استقلالية القضاء، عندما تفرض على قضاة المحاكم، ممارسات المفتشية العامة ، الخلية الوفية و الخاضعة للسلطة التنفيذية لوزارة العدل ؟
كيف يمكننا القول بأن دعاوى طرد القضاة من مساكنهم الوظيفية، الممارسة من طرف رؤساء الهيئات القضائية بأمر من الوصاية، تسير في اتجاه استقلالية القضاء؟
كيف يمكننا الحديث عن استقلالية القضاء، عندما نتجاهل مبدأ عدم قابلية نقل القاضي و تقرر حركات نقل كبيرة بطريقة آلية عند نهاية كل سنة قضائية، وهي في الواقع لا تنتج إلا الاحتقار من جهة ، و الانهيار من جهة أخرى.
كيف يمكننا الحديث عن استقلالية القضاء عندما يصبح القاضي موظفا ينتمي إلى سلم سلطة، و يتقاضى أجرة زهيدة، مقارنة لأصناف أخرى من الموظفين، و يعاني من أزمة السكن و يخضع لأوامر الوصاية.
كيف يمكننا الحديث عن استقلالية القاضي عندما نعلم أنه في بعض الجهات القضائية لم يتردد و لو لحظة عن مباشرة، ضد عدد من بعض القضاة إجراءات تأديبية، و أحيانا متابعات جنائية ، على أساس اتهامات وهمية ، التي في حد ذاتها انتهت بالبراءة عن التهمة بدون قيد ولا شرط، بعد سنوات من المعاناة و المضايقات و التحرش المعنوي؟ ومن يريد التأكد من دلك ما عليه إلا الاتجاه نحو أرشيف المجلس التأديبي .
كيف يمكن أن نطلب من هذا القاضي أن يحكم بنزاهة و عدل؟ إن لم يكن قويا، بيد أن ”القضاة الأقوياء في بلدنا، ينقلون إلى تامنراست و عين قزام” (الأستاذ يسعد، جريدة الخبر ليوم 9/7/2007)وأضيف شخصيا أن القضاة الممتازون يطردون ويتعسف في حقهم حتى ولو عن طريق خرق القوانين ؟
كيف يمكن الحديث عن الاستقلالية عندما يتم تنقيط كل القضاة من طرف رؤساء الجهات القضائية، الذين هم أنفسهم معينون من طرف وزير العدل و يمثلونه نوعا ما في سير الحياة القضائية، و لا يمكنهم إلا الولاء، متغافلين بذلك دور المجلس الأعلى للقضاء؟
كيف يمكن الحديث عن الاستقلالية عندما يكون تعيين القضاة في مناصب خاصة بنعمة من وزير العدل، بدون أن يتحرك المجلس الأعلى للقضاء، في إطار صلاحياته التشريعية و النظامية، في تسيير المسار المهني لهؤلاء القضاة ، الأمر الذي يرجع له بقوة القانون والدستور؟
كيف يمكن التصريح و بيقين، على أن الأوامر الصادرة بواسطة تعليمات و مذكرات من وزارة العدل، عند ممارسة مهنة القاضي، تمثل إشارة قوية على استقلالية القضاء؟
كيف يمكن القول، و بدون غموض، على أن تكاثر القوانين، والمبالغة في إصدار عدة تشريعات في فترات وجيزة، أن تكون برهانا في ترسيخ حقيقي لاستقلال العدالة، بل هي تعقد أكثر و في كل المجالات ممارسة مهنة القاضي والحياة القضائية؟
كيف يمكننا الحديث عن استقلالية القضاء عندما يكون واضحا، من خلال قراءة القوانين المتعلقة بالقانون الأساسي للقاضي، أن الوزير هو الذي يستولي على كل الصلاحيات التي هي من المفروض، ترجع قانونا إلى المجلس الأعلى للقضاء؟
كيف يمكن القول، عن قناعة، أن عصرنة مصالح العدالة تتجه نحو تقوية استقلالها؟
وحتى نرد على هذا التساؤل الخاص بالعصرنة، نكتفي بالقول أنه إذا كانت العصرنة الفعلية ضرورية في الوقت الراهن، فالغرض من ذلك هو جعل العدالة تتماشى مع المتطلبات الدولية الراهنة ، وان تقترب من المتقاضي، ويتم تسيير مرافقها تكنولوجيا حتى تتمكن من مسايرة العصر وتتمسك بمهامها النبيلة لترسيخ العدل . و على القضاة أن يتعاطوا بكل جدية مع هذه العصرنة الجديدة و أن يجتنبوا استعمال وسائل هذه الأخيرة (الحاسوب المنقول الموضوع تحت تصرفهم من طرف الوزارة) إلا لغرض استماع الموسيقى أو لسور من القرآن الكريم فقط، أو استعمالها كوحدة تحكم الألعاب لهم أو لأطفالهم.
كيف يمكن الحديث عن الاستقلالية في غياب الثقة في العدالة و في آلياتها، و من المؤكد انه عندما يستدعى المتقاضي إلى احد المصالح القضائية، عوض أن يكون مطمئنا أمام ممثليه ، يسكنه الخوف و الرهبة حتى لا نقول يصاب بمرض اللسان الأزرق؟ وان دل هذا على شيء فإنما يدل على أن الثقة في عدالتنا أصبحت من الأوهام ؟
و هذا الخوف يزداد أكثر عندما يمتثل المتقاضي أمام مصالح القضاء عن طريق استدعاء لا يوضح صفته و لا أسباب دعوته أمام الجهات المختصة.
كيف يمكننا الحديث عن عدالة مستقلة، عندما و في غياب كل مؤشر موضوعي، يحال بعض القضاة على التقاعد مبكرا، بينما آخرون أمثالهم يوجهون نحو المحكمة العليا؟ و من المؤكد ليس لأنهم المتفوقون .
إن كل هذه الأسئلة تستدعي، مرة أخرى، السلطات العمومية للتدخل و بصفة مستعجلة، من أجل تأسيس لجنة دورها ينحصر في القيام بتقييم تطبيق الإصلاحات المنصوص عليها والمعلن عليها في الكرنفالات والحوافل المزيفة .
و عن الإصلاحات، صرح المرحوم بروفسور يسعد، رئيس لجنة هذه الإصلاحات، في حوار نشر بجريدة الخبر بتاريخ 09/07/2007:”لا يجب أن تتجلى الإصلاحات في إصدار قوانين جديدة، إن هذه المهمة تؤول عادة لتقنيين مكلفين بتحضيرها.و هذا ليس الحاصل من التقرير المعد في هدا الشأن. وما يستوجب هو إن الإصلاح يجب أن يتفرغ أكثر لترسيخ سهولة الوصول لجهاز العدالة، النطق بأحكام ذات جودة، عدم الخلط بين العدالة و حوصلة القضايا التي فصل فيها،و عدم رؤية الملف القضائي كمعيار لتدارك الإحصائيات”.
إن البروفيسور يسعد، ونقيب المحامين الأستاذ سليني،و نقيب قسنطينة الأستاذ مصطفى الأنوار…،و المجتمع المدني، والمواطن البسيط، باستثناء وزارة العدل و نقابة القضاة السابقة، كلهم يائسون من عدالتنا رغم كل هذه الحقائق المريرة، تجادل نقابة القضاة حتى أمام وضع مزري تم الاعتراف والإعلان عليه من طرف حقوقيين بارزين و خبراء و ممارسين سامون للقانون.
و راحت هذه النقابة عن طريق رئيسها السابق العيدوني تجادل حتى أثناء الإضراب الوطني للمحامين و عند مراسيم الإعلان على مدونة أخلاقيات مهنة القاضي، حيث صرحت: “لا يعاني قضاة المجالس و المحاكم من أي ضغوطات كيفما كانت طبيعتها، و إنما عدد القضايا و نقص القضاة هما اللذان يفسدان نوعية الأحكام الصادرة عن الهيئات القضائية برمتها.
وبالتالي فإننا نتساءل كيف لنقابة القضاة نفي كل هذه الحقائق،وتتستر وراء تحاليلها البائسة التي تستوجب المعرفة الدقيقة لكل ملفات القضاء وهذا ما لم يكن يعنيها أبدا؟ و للتأكد من عدم وجود هذه الضغوطات، كان من الواجب أن يرسل لها حالة كل الملفات المعالجة من طرف الجهات القضائية الوطنية. و أيضا بشأن نوعية و كمية الأحكام، يجب القيام مسبقا، بقراءة دقيقة لكل نشاطات المجالس، و يجب توفير كل المؤهلات ( الكفاءة، التجربة في الملفات، المؤهلات المهنية….) التي من شأنها إصدار حكم بهذه الأهمية. مهمات لا يستهان بها، لأن إذا تمكنت نقابة القضاة معرفة عدد الملفات المفصول فيها، فكيف يمكن لها تقييم نوعية و مضمون الأحكام؟
إن تصريح ممثلها، يتناقض مع ما صرحه به المسئولون أثناء افتتاح السنة القضائية الذين أكدوا على انه ” يجب على كل القضاة الخضوع لسلطة العدالة الوحيدة وقوانين الدولة، وان يتسموا بالكفاءة، و النزاهة و الاستقامة…أتت أيضا تصريحات النقابة عكس ما صرحه البروفيسور رحمه الله يسعد عندما قال” أن القضاة الشجعان في هذا البلد ينقلون إلى تمنراست و عين قزام” ،وإن هذا التصريح نفسه تم التأكيد عليه في كلمة النقيب الأستاذ سليني، الذي كشف قائلا:” الذي يقول أنه توجد استقلالية القضاء، لا يقول الحقيقة للشعب .
هذا ما يزيد من انعدام الثقة اتجاه العدالة من طرف كل المواطنين الذين اقتربوا منها و حتى من طرف أولئك الذين ضلوا خارجها.
و من أجل تبيان كل التصريحات المتناقضة، يصبح من الضروري إنشاء خلية، تابعة لرئاسة الجمهورية ،من شأنها إعادة النظر، في حالات القضاة المحالون على التقاعد التلقائي، و الموقوفون خطأ، و المعزولون بدون سبب جدي وبسبب محبوك وملفق ،والذين تم نقلهم خرقا للقانون ، و اللذين حصلوا على امتيازات في مسارهم المهني من تعيينات وترقيات غير مستحقة…
إن هذه المبادرة يمكن أن ينحصر مضمونها في التأكيد و الفهم حقا، أن استقلالية العدالة لم تكن واجهة موثوق فيها، سواء في وسط الممارسين للقانون أو حتى في وسط المجتمع المدني.
انه لا يمكننا الاستمرار في هذا المناخ المؤسف الذي يعد انتحار حقيقي، لأن العدالة في نظر المواطن العادي أصبحت تساوي الحقرة و الجهوية والشكارة والمجاملة والتحيز.
إن عدم الثقة له انعكاسات سلبية على كل دوائر المجتمع، لاسيما منها الاقتصادية و الاجتماعية و حتى السياسية ، وتنعكس هذه الحالة المزرية والمؤسفة على كل طبقات المجتمع.
و أصالة مني ولنزاهتي الفكرية، أقتصر بذكر حالة الصحافة التي أصبحت محتارة ، لأنها مثقلة بالمتابعات القضائية و التحرشات التعسفية، و أذكر أيضا الحالات المتكررة لتدهور شروط ممارسة مهنة المحاماة، التوثيق،الخبراء و المحضرين القضائيين . وأشير في النهاية، إلى اقتناع المتقاضي في عدم طلب خدمات العدالة نتيجة الضجة العامة التي تعتبرها عدالة مصوبة ضده وليس من أجله.
ويصبح انعدام الثقة أكبر عندما نعلم أن النوعية في القرارات و الأحكام و الحيثيات وحتى في تطبيق القانون هي موضوع جدال قوي.
هذه الحوصلة لكل الظواهر السلبية يجب أن تأخذ بعين الاعتبار من اجل تطهير الجهاز الذي فقد في السنوات الأخيرة، أفضل القضاة، الموهوبون، الممتازون، الذين لهم مبادئ قوية يؤمنون بنظرية القانون فوق الجميع ولهم تكوين قوي و مؤهلات لا باس بها، مزدوجين اللغة، ذوي خبرة، المتفهمون للاستقلالية القضاء و العدالة العادلة .
إن هؤلاء تم إبعادهم في السنوات الأخيرة بصفة تعسفية من هيئة القضاء، سواء عن طريق التقاعد المبكر أو العزل أو بدفعهم إلى الاستقالة تبعا لتحرشات مختلفة.
إن وضع قضاة شباب في سوق القضاء، ومنعدمي الخبرة، غير مكفول بهم من طرف زملاءهم القدماء ووصايتهم ، زاد حدة في فقدان الثقة، و جعل العدالة لا تقوم بدورها المنوط بها بموجب النصوص. وعدم التطبيق الجيد للقانون من طرف القضاة، يؤدي لا محال إلى عدم احترام القانون نفسه من طرف المواطنين، لأنهم غير مقتنعون من صحة و مضمون تطبيقها. ويصبح من السهل التأكد من ذلك، من خلال تصرفات المواطنين، بمناسبة النطق بالحكم في عدة قضايا التي يليها البكاء والصراخ والتهجم على القضاء. ولا يجب أن ننسى حالة المتهمين الذين يلقوا بأنفسهم من الطوابق العليا للمحاكم، يفضلون الانتحار على تقديمهم أمام هيئات القضاء.
و لنذكر في هدا الشأن وعلى سبيل المثال، بعض مقالات الجرائد التي تم نشرها في هذا الاتجاه: الشروق ليوم الأربعاء 22 جانفي2009: ” بعض المواطنون يحاصرون محكمة دلس و يمنعون نقل السجناء إلى السجن “.
“جاء عشرات من المواطنين من منطقة أولاد خداش، و قطعوا الطريق رقم 25 جراء النطق بإدانة جزائية” …
و نذكر أيضا، جريدة يومية كبيرة صدرت بتاريخ 29 ديسمبر 2009 تحت عنوان ” أين العدالة” ؟
في بعض السنوات التي مضت، أجاب وزير عدل قديم، كان مكلفا بالقطاع آنذاك، امرأة عجوز سألته و هو يصعد داخل السيارة، أين تقع وزارة العدل؟ فأشار لها إلى بناية كبيرة بيضاء من طراز عربي إسلامي قائلا لها بكل مزاح:” الوزارة هنا، العدالة لا أدري.”
لقد كان حافظ الأختام القديم هذا، يدري ما يقوله، و قد تم تعيينه فيما بعد للقيام بمهام على المستوى الدولي.
نظن أنه ترك وزارته بغير ندم،ولم تكن العدالة قد بلغت حالة التعفن التي نعرفها لها حاليا. آنذاك لم نكن نعفو ”خطأ” عن المسجونين، ثم نعيدهم إلى السجن، و لم نكن نقدم أطفالا سنهم 2 أو 5 سنوات أمام القاضي، و لم نكن ندين حتى بالسجن النافذ ”آكلين رمضان” لأنهم دخنوا سيجارة قبل آذان المغرب، ولم يكن من بين الإطارات السامية من قاموا بالتزوير كما نشرته «جريدة النهار في 30 سبتمبر 2019 تحت عنوان ” مسؤول بوزارة العدل تحت الرقابة القضائية بتهمة التزوير واستعمال المزور وهو ابن شقيقة مدير الموظفين بوجمعة ايت عودية، وتم هذا التزوير في شهادة باكالوريا و شهادة ليسانس وعلى هدا الأساس تم توظيفه من طرف هدا الأخير في منصب بالوزارة.
و إلى متى تبقى الأشياء هكذا ؟ مادام أن السلطات المختصة لا تلعب الدور المنوط بها وما دام أن الإغراء قائم في التسيير على كل سلم الهرم، فتصبح الأمور تتدهور إلى درجة متعفنة ومقلقة إلى حد أننا نتكلم اليوم عن فساد القضاة والمفتشين وحتى وزراء العدل ورؤساء الحكومات والدين هم موجودون حاليا رهن الحبس الاحتياطي.
إن المشاركين الأجانب في مؤتمر حقوق الإنسان في إفريقيا، المنعقد في إطار نيباد، بمقر المجلس الشعبي الوطني بالجزائر العاصمة، لم يتم إقناعهم أن القضاء في بلادنا يلعب دوره عن طريق الخطب ، لمعرفتهم الحالة السيئة له، على غرار الأمثلة المذكورة أعلاه.
لمن يعود السبب في أول المهلة؟ لأولئك الذين أسندت لهم مهام التكفل بهذا القطاع منذ سنين وصرفوا المليارات من الدينارات في بناء أضخم المحاكم ، و أضخم المجالس، وتوفير المكاتب الباهظة ،وكل أنواع التجهيزات من المستوى الرفيع و استكمل الباقي بقلة تكوين القضاة و غياب الخبرة لديهم. بدون أن يرقى ذلك إلى قضاء مناسب .
إن الجواب على كل هذه التساؤلات، حسب رأينا المتواضع، يجد منبعه في ضرورة التكفل و تسوية كل العوائق التي ذكرناها، و خاصة تلك المتعلقة بفكرة استقلالية القضاء. و على الدولة أن تشرع في إحصاء كل النقائص التي جعلت أن العدالة لا تلعب الدور الحقيقي المنوط بها بموجب النصوص و في إطار برنامج سياسي مليء بالآمال والمال ،وتفكر في الآليات الموضوعية الواجب تطبيقها حتى يستيقظ الجميع من النوم السبات .
و على أي حال، يجب أن نكن لبعض المسؤولين الاحترام عن صدقهم النزيه، عندما تم رفع تقريرا مريرا عن حالة عدالتنا في الوقت التي كانت فيه الوصاية والنقابة تتغنى بعدالة حرة ونزيهة ومستقلة . و كلما ارتفع مستوى الرداءة في مختلف الدوائر للجهل، كان التفكيك مثيرا للشفقة، و كان الإتقان و الامتياز المرجع الحتمي لتشييد عدالة قوية و مستقلة فعليا.
و للتذكير، إن الانطلاق قدما بالعدالة نحو إرسائها يستوجب لزوما الارتكاز على قدراتها البشرية، الخيرة، المؤهلة، الأكثر تكوينا، الأكثر ثقافة، و ليس على الأكثر رداءة.
إن استقلالية القضاء، التي من الواجب أن تكون لب المعركة لكل المسئولين، لكل الفاعلين في المجتمع المدني، على كل المستويات المتعلقة بالعدالة، ليست هي المطلوبة من الشعب و لا من ممارسي القانون.
و استنادا لهذا الاستنتاج، الذي نلتف حوله بصفة راسخة، نلاحظ أن الإصلاحات المقصودة تهدف أساسا لإقرار استقلالية القضاء لكن لا يمكن ترسيخ هذه القيم كمبدأ دستوري، إلا بالتخلص أولا من الآفة التي تم تعميمها بدون كلل داخل الصرح المؤسساتي، و يتعلق الأمر بالرداءة.
قال لافونتان”عن قاض جاهل، الحمار المرتدي لثياب القدسيين نحيي فيه فستان القاضي” .
و إذا ما أردنا أن يرتدي هذا الفستان قاض محترم من قبل المتقاضين و حر في حكمه، يجب عليه المعرفة الجيدة للقانون الذي يعمل به .إن قاض جد متكون هو قاض أكثر استقلالية، و ليست هذه الاستقلالية امتيازا للقضاة بل للمواطنين.(مداخلة GIA COMO OBERTOالاتحاد الدولي للقضاة).
فعلا، هذه الرداءة، التي أضحت تقريبا قاعدة مرجعية، لا يمكنها أن تكون إلا أم كل العيوب، كونها تولد الذاتية، الجحود و النكران ، عدم احترام المقاييس، الكراهية، المخادعة، رفض الخير و حب الشر، البحث و الاحتفاظ على الامتيازات، الحفاظ على تماسك الجماعة بمفهومه السلبي، اقتسام الفرص الغير شرعية بين أعضاءه، الفساد المعنوي و الفكري.
إن هذه النكبة، قد تكون، بالنسبة لمروجيها نتيجة فشل مدرسي سابق، أو نقص في المؤهلات الفكرية أو الثقافية حتى أن لا نقول اللغوية، كما يمكنها أن تكون نتيجة ارتقاء مهني غير مستحق، أو عدم فهم مبادئ العدالة ،أو حب السلطة الذي يجب أن يكون افتخار للمتقاضيين و ليس للمسؤولين.
و بذلك، فإن مكافحة الرداءة تعني القضاء على كل الفساد الذي ينزع من العدالة كل كرامتها. و بدلا من أن تتحول العدالة إلى منبع المحن و اليأس، ستكون أكيدا، اليد الحامية للشعب كله و بذلك تسترجع أحرف نبلها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق