أحوال عربية

قصص وحكايات عمال البناء في مصر

أحمد زكريا
“لم أختر عملي هذا طوال 14 عامًا حيث وجدت نفسي مجبرًا على العمل بالمعمار للحصول على المال لأسرتي”، بهذه الكلمات بدأ الشاب العشريني، رمضان عيد، يروي معاناته ومئات الآلاف مثله من عمال البناء بمصر الذين يشيدون أبراجا شاهقة وظهور “منحنية”.
ويقول “عيد”، لوكالة الأناضول: “تفاءلنا خيرًا عقب ثورة يناير (كانون الثاني 2011 التي أطاحت بالرئيس الأسبق حسني مبارك) التي كانت ترفع شعار عيش .. حرية .. عدالة اجتماعية، وما سمعناه من اهتمام بالعمالة المؤقتة وإنهاء معاناتهم لكن لا الثورة ولا 3 رؤساء (محمد مرسي – عدلي منصور – عبدالفتاح السيسي) بعدها نجحوا في ذلك”.
ويضيف الشاب العشريني، خلال عمله بماكينة لخلط الإسمنت والرمال: “عملي غير ثابت وفي أيام كثيرة لا أعمل، والأصعب أن العمل مرهق، وسبب لي الكثير من المشاكل الصحية، وعلى الرغم من ذلك، لا أستطيع الرحيل عن العمل والاستراحة في المنزل”.
“عيد”، الذي لم يكمل دراسته لأجل أن يعول أسرته، يقول إنه بدأ في هذه المهنة منذ أن كان في العاشرة من عمره ببعض الأعمال الخفيفة حينها حتى اشتد عوده ليقف على ماكينة خلط الإسمنت والرمال التي تحتاج لخبرة ومجهود كبيرين.
صاحب البشرة السمراء من كثرة التعرض للشمس يقول إن حلمه لا يتعد الحصول على 100 جنيه مصري ( أقل من 15 دولارًا) يوميًا.
ويمضى قائلا إنه أثناء مباشرة عمله، تكون فرصة ضياع أجره اليومي واردة جدا، خاصة أنه مصاب بكثير من المشاكل الصحية، فتارة يجد نفسه في سعال شديد، ومرات يجد نفسه غير قادر على النهوض، لكن لا بديل أمامه سوى الاستراحة قليلاً في موقع العمل ثم العودة مجددًا لممارسة مهامه، وفق قوله.
وينادي “عيد” على زملاؤه لتناول الإفطار وأخذ قسط من الراحة، وخلال هذه الراحة القصيرة يفترش العمال بعض أوراق الجرائد على الأرض ويتناولون وجبة إفطار شعبية قليلة التكلفة تشمل “الفول” و”الفلافل” و”الباذنجان”، وتدور بينهم الحكايات والمواقف المضحكة.
وبعد تناول الطعام، يحصل كل عامل على كوب شاي يستعيد به طاقته للعمل مرة أخرى، رغم كل الظروف المحيطة التي قد لا تساعدهم على العمل بشكل آمن.
والمار في شوارع العاصمة القاهرة، يجدها مليئة بمئات العمال، الذين يمتهنون أعمال البناء، ويقدر عددهم بـ2 مليون و800 عامل، وفق إحصاء لوزارة القوى العاملة المصرية عام 2011، بهدف الحصول على المال اليومي، لتوفير احتياجاتهم ومتطلبات ذوييهم.
عدم الشعور بالأمان سببه أن عمال البناء في مصر، والذين يطلق عليهم “التراحيل”، ليسوا مثل غيرهم من العمال النظاميين في المصانع الحكومية والشركات الخاصة، فهؤلاء عمال اليوم الواحد ليس في مقدورهم أن يضربوا عن العمل يومًا إذا ما استغل صاحب العمل مجهودهم أو لم يعطهم حقهم كاملاً، وإذا تعرض أحدهم لحادث أثناء العمل فلا تأمين على حياته، كما أنهم لا يحصلون على أي معاشات تقاعدن بحسب أحد العمال.
“ناجح” (32 عامًا) أب لطفلين، بنت وولد، سقط من الدور الأول في إحدى العمارات فكسر ذراعه وتوقف عن العمل لمدة 3 أشهر، يقول لوكالة “الأناضول” إن جسده حتي الآن متأثرٌ بالكسر، مضيفا: “صحتي هو رأس مالي، وفي حال مرضي، فإن أبنائي لا يجدون أي مال”.
أما “ناصر”، الذي نال حظًا وفيرًا من التعليم مقارنة بباقي زملائه في العمل، حصل على دبلوم (مؤهل متوسط) زراعة واستصلاح أراضي، وطالما حلم بالعمل في مجال الزراعة، لكن ظروفه المادية لم تسمح، واضطر للعمل حارس عقار وعامل معمار في نفس الوقت، كما يشرك أحد أطفاله الأربعة معه في العمل، حسب ما ذكره لمراسل “الأناضول”.
وبحسب مراسل الأناضول فإن الكثير من العاملين في البناء قادمون من أقاليم خارج القاهرة، منهم المتزوج، ومنهم الأعزب، وتسكن مجموعات من غير المتزوجين معًا، ومع نهاية كل أسبوع يعودون إلى أقاليمهم.
ومع اقتراب غروب الشمس، يخفت صوت ماكينات البناء شيئًا فشيئًا، وكأن الشمس تبعث الروح في العمال والماكينات رغم قسوة حرارتها، ويخلع العمال ملابس العمل ويبدأ كل منهم في الرحيل نحو وجهته التي يحصل فيها على قدر من الراحة.
ولم تنته معاناة اليوم عند هذا الحد بل تبدأ رحلة أخرى وهي البحث عن عمل ورزق جديد للغد، حيث يجلس البعض منهم على المقاهي في انتظار من يطلبهم لعمل جديد، وفي ذات الوقت يتسامرون بلهجاتهم المختلفة ما بين صعيد مصر ودلتا النيل إلي جانبهم أكواب الشاي.
وبعد انتهاء صلاة العشاء، تقترب الجلسة من النهاية، فيرحل كل منهم إلى بيته ساكنًا إلى الراحة منتظرًا شروق يوم عمل جديد.
خالد المصري، مدير إدارة العمالة غير المنتظمة بوزارة القوى العاملة، قال لوكالة “الأناضول” إن الوزارة “نجحت في تسجيل حوالي 350 آلف عامل من الرقم الإجمالي للعمالة غير المنتظمة، يحصلون على تأمين صحي واجتماعي”.
وأضاف المصري أن الوزارة “تحاول جاهدة أن يصل عدد العمال المسجلين إلى مليون عامل مع نهاية 2014″، مشيرًا إلى أن المادة 17 من الدستور المصري ستساعد العامل غير المنتظم في الحصول على حقوقه”.
وتنص المادة 17 على “تكفل الدولة توفير خدمات التأمين الاجتماعي. ولكل مواطن لا يتمتع بنظام التأمين الاجتماعي الحق في الضمان الاجتماعي، بما يضمن له حياة كريمة، إذا لم يكن قادرًا على إعالة نفسه وأسرته”.
وكما جاء في نص المادة: “في حالات العجز عن العمل والشيخوخة والبطالة. تعمل الدولة على توفير معاش مناسب لصغار الفلاحين، والعمال الزراعيين والصيادين، والعمالة غير المنتظمة، وفقًا للقانون

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق