ثقافة

قصة الأرقام العربية الغبارية والأخرى الهندية الهوائية

علاء اللامي

لنبدأ بالتفريق بين الأرقام والأعداد: فالأرقام ليست أعداداً وإنما هي أشكال تكتب بها رموز الأعداد، فنقول؛ عدد هؤلاء الرجال عشرة. ونقول؛ الرقم عشرة مؤلف من رقمين هما 1 و0.
استعمل العرب القدماء الخط المسند وحساب الجُمَّل؛ وهو تسجيل الأرقام والتواريخ باستخدام حروف أبجدية، إذ يعطى كل حرف رقماً معيناً يدل عليه. فحرف الألف يقابل أو يعني الرقم ١ والباء تقابل الرقم ٢ والجيم ٣ وهكذا حتى نصل إلى الحرف غين وتقابل الرقم ۱۰۰۰
وفي العصر العباسي ومع اتساع الفتوحات طور العرب سلسلتين أو نوعين من الأرقام هما:
1-الأرقام الشرقية وتسمى أحيانا “الهوائية” ذات الأصل الهندي وهي تسعة أرقام ترسم بهذه الرموز (١ و٢ و٣ و٤ و٥ و٦ و٧ و٨ و٩) وقد حورها العرب من أشكال هندية عديدة. وقد أخذوها من حركات أصابع الكف في الهواء وأرجح انها اخذت اسمها من هنا، كما في الصورة.
2-الأرقام الغُبَارِيَّة وسميت بهذا الاسم لأنها كانت تُكتب في بادئ الأمر بالإصبع أو بقلم من البوص على لوحٍ أو منضدةٍ مغطاة بطبقة رقيقة من التراب. وقد صمم العالم المسلم الخوارزمي تلك الأرقام على أساس عدد الزوايا (الحادة أو القائمة) التي يضمها كل رقم. فالرقم واحد يتضمن زاوية واحدة، ورقم اثنان يتضمن زاويتين، والرقم ثلاثة يتضمن ثلاث زوايا … إلخ.
وعن تاريخ هذه الأرقام نورد هذه الخلاصات من مقالة للكاتب أحمد نانو: كانت البداية في عام 154هـ 771م عندما وفد على بلاط الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور فلكي هندي، ومعه كتاب مشهور في الفلك والرياضيات هو سدهانتا، لمؤلفه براهما جوبتا الذي وضعه في حوالي عام 6هـ 628م واستخدم فيه الأرقام التسعة”. وقد أمر الخليفة المنصور بترجمة الكتاب إلى اللغة العربية، وبأن يؤلف كتاب على نهجه يشرح للعرب سير الكواكب، وعهد بهذا العمل إلى الفلكي محمد بن إبراهيم الفزاري. وقد أخذ العرب بهذا الكتاب حتى عصر الخليفة المأمون، إلى أن جاء عام 198هـ 813م واستخدم الخوارزمي الأرقام الهندية في الأزياج الفلكية، وهي قوانين لحساب حركات الكواكب وتعديلها للوقوف على مواضعها.
*ثم نشر الخوارزمي في عام 210هـ 825م رسالة تعرف في اللاتينية باسم Algoritmi de numero Indorum أو الخوارزمي عن الأرقام الهندية. وما لبث لفظ Algoritmi أو الغورزم أن أصبح معناه في أوروبا في العصور الوسطى طريقة حسابية تقوم على النظام العشري. وما يزال اسم الخوارزمي مستعملا كاسم لهذه الطريقة في الحساب حتى اليوم بلفظ قريب هو “لوغاريتم”.
*يعتقد بعض الباحثين هذين النوعين من الأرقام الهوائي والغباري كلاهما من أصل هندي، ويعلل البيروني ذلك بتعدد أشكال الأرقام الهندية تبعا لمناطق بالهند، وربما أخذ العرب نوعين منهما من بين أنواع أخرى. وهذان النوعان هما الأرقام المشرقية التي تسمى الهندية، والأرقام الغبارية التي تسمى العربية، و”هما أول نظام رقمي يصلح لكتابة أي رقم، ويستخدم بسهولة في المعادلات الرياضية والجبر الحسابي الذي ابتكره الخوارزمي”.
ويضيف نانو أن “الأرقام الغبارية استعملت في بلاد المغرب العربي ثم انتقلت بعد ذلك إلى الأندلس ثم الدول الأوروبية وتم التعديل عليها لتتوافق مع اللغة اللاتينية وظهرت الأرقام الغربية التي نعرفها الأن “ولم يتمكن الأوروبيون من استعمال هذه الأرقام العربية إلّا بعد انقضاء قرون عديدة من اطلاعهم عليها، وتحديدا في أواخر القرن السادس عشر للميلاد، استغرقت عملية الانتقال من أرقامهم الرومانية المعقدة قروناً طويلة. وفي القرن الثالث عشر الميلادي ألف جون هاليناكس كتاب (Algorismos) أي الحساب الخوارزمي حوالي عام 1250م.
ومن الجدير بالذكر أن الأرقام الغبارية كانت تستخدم حتى عهد قريب في بلاد المغرب والجزائر إلى أن اعتمد العرب بعد ذلك نظام الأرقام الشرقية، حيث كتب بها معظم التراث العربي العلمي، كما أنها تحمل ثمة ” تتلاءم مع؟” اللغة العربية من حيث اتجاهها من اليمين إلى اليسار. وربما يفسر لنا هذا السبب بقاء الحروف الهندية وانتشار استعمالها في المشرق العربي حتى اليوم.
ويعتقد أحد الباحثين هو عبد الوهاب جعفري أن أصل الأرقام العربية ليس عربيا بل هو أمازيغي أخذه العرب لاحقا من الأمازيغ؛ فيكتب “يعود أول ظهور لها – للأرقام الغبارية – الى بلاد الامازيغ في شمال افريقيا ولم تكن تسمى حينها بالأرقام العربية بل كانت تسمى بالأرقام الغبارية حيث تم تصميم هذه الأرقام بالمغرب الاقصى بفكرة إعطاء كل رقم رمز بعدد الزوايا التي يرمز لها الرقم (1 = زاوية واحدة، 2= زاويتان…) انتشر استخدام هذه الارقام عن طريق الزّوايا الأمازيغية لحاجتها للترقيم في النصوص و الكتب الدينية وبعد رواجها بدأ سكان شمال افريقيا باستعمالها في حياتهم اليومية”. ولكن الكاتب لا يقدم أي دليل تاريخي أو آثاري ملموس يؤكد مزعمه هذا؛ فهو تارة يسميها الأرقام الغبارية وتارة الأمازيغية وثالثة المغاربية ويقول “انتشر استخدام هذه الارقام عن طريق الزّوايا الأمازيغية لحاجتها للترقيم” فما المقصود بالزوايا الأمازيغية؟ هل يقصد الزوايا “التكيات” التي يعلم فيها الصبية حفظ القرآن أم الزوايا الهندسية؟ وهل الزوايا القرآنية أو الهندسية هي اختراع أمازيغي، أما أنه يقصد التشابه بين الأرقام الغبارية العربية والحروف في كتابة التيفناغ وهي الأبجدية التي يستخدمها الطوارق والأمازيغ لتدوين لغاتهم، وهذا ما لم يقله صراحة. وتبقى مقالة جعفري هشة ومضطربة ومكتوبة بنزعة قومية مناهضة للعرب الذين يتهمهم بأنهم استغلوا “حضارة الشعوب التي سقطت في ايديهم واستعملوا بما يسمى الحضارة الإسلامية ليصبح في الاخير ابداع وجهد الأعاجم عربيا”. وهذا كلام أيديولوجي لا مكان له في لغة البحث العلمي الذي يعتمد الأدلة الملموسة والحسابات الدقيقة وليس الهجاء السياسي القومي سواء كان عروبيا أو أمازيغيا.
خلاصات:
* الأرقام ليست أعداداً وإنما هي أشكال تكتب بها رموز الأعداد، فنقول؛ عدد هؤلاء الرجال عشرة. ونقول؛ الرقم عشرة مؤلف من رقمين هما 1 و0.
*استعمل العرب القدماء الخط المسند وحساب الجُمَّل؛ وهو تسجيل الأرقام والتواريخ باستخدام حروف أبجدية، إذ يعطى كل حرف رقماً معيناً يدل عليه.
*طور العرب سلسلتين أو نوعين من الأرقام هما:
1-الأرقام الشرقية وتسمى أحيانا “الهوائية” ذات الأصل الهندي وهي تسعة أرقام ترسم بهذه الرموز (١ و٢ و٣ و٤ و٥ و٦ و٧ و٨ و٩).
2-الأرقام الغُبَارِيَّة صممها أو طورها العالم المسلم الخوارزمي تلك الأرقام على أساس عدد الزوايا (الحادة أو القائمة) التي يضمها كل رقم.
*يعتقد بعض الباحثين هذين النوعين من الأرقام كلاهما من أصل هندي، ويعلل البيروني ذلك بتعدد أشكال الأرقام الهندية تبعا لمناطق بالهند.
* الأرقام الغبارية كانت تستخدم حتى عهد قريب في بلاد المغرب والجزائر إلى أن اعتمد العرب بعد ذلك نظام الأرقام الشرقية، حيث كتب بها معظم التراث العربي العلمي، لأنها تتلاءم مع اللغة العربية من حيث اتجاهها من اليمين إلى اليسار. وربما يفسر لنا هذا السبب بقاء الحروف الهندية وانتشار استعمالها في المشرق العربي حتى اليوم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق