أحوال عربية

قراءة في الوضع السياسي الراهن في اسرائيل، و الاقصى !!

حسام تيمور

نسبة العرب مواطني دولة اسرائيل و عرب 48 من المؤهلين للتصويت في الانتخابات الاسرائيلية هي تقريبا 16% من اجمالي الناخبين في كامل الدولة.
و عدد تمثيلياتهم السياسية الانتخابية اربع احزاب، منضوية تحت لواء ما يسمى “القائمة المشتركة”، و هو تحالف انتخابي هدفه توحيد الصوت العربي داخل الكنيسيت الاسرائيلي ..
حصل هذا التحالف في آخر اعادة للانتخابات، على اربع مقاعد..
جولة الاعادة الرابعة للانتخابات، لم تنجح في ضمان اغلبية لاي حزب تمكنه من تشكيل “الحكومة”، و هو ما بات يعرف ب “البلوكاج” الذي دام زهاء عامين متواليين، و يتوقع الذهاب بعد اقل من شهر الى جولة اعادة خامسة للانتخابات، في حالة الفشل مرة اخرى في تشكيل الحكومة بتكليف رابع من رئيس الدولة لابرز خصوم نتنياهو السياسيين “يائيير ليبيد”، في اطار مهلة تشاور من 28 يوما .

تجتمع الاحزاب العربية الاربعة في اطار موحد سمي ب “القائمة المشتركة”، و هي تمثل مختلف اطياف عرب اسرائيل، من الاسلام السياسي الى اليسار و اليسار الراديكالي و العلماني و الليبرالي، و تضم هذه القائمة اربعة احزاب هي :
_الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة،
_حزب كتلة التجمع،
_حزب كتلة الحركة الإسلامية،/”الجبهة الاسلامية الجنوبية” سابقا،
_ حزب الكتلة العربية للتغيير…

مؤخرا، و على اثر استمرار تعثر تشكيل “الحكومة” المنتظرة” لاسباب معقدة و مركبة تستوجب كثيرا من التحليل و المناقشةو هو ما لا يسمح به المجال هنا، انسحب حزب “كتلة الحركة الاسلامية” من هذا الائتلاف المسمى “القائمة المشتركة” ، او علق العمل ببنود و شروط الاتفاق المؤسس لها، او ارضيتها التأسيسية المشتركة بين الاحزاب و قادتها، و قبل حوالي شهر، عقد اجتماع ليلي طارئ، لبحث سبل ايجاد مخرج، يصون وحدة الائتلاف، خصوصا في ظل الاجواء الدراماتيكية التي تسود المشهد الحزبي الاسرائيلي بصفة عامة ..
الاجتماع كما اعلن للراي العام، كان عاديا جدا .. و روتينيا ، حسب بلاغه الرسمي العام ..
لكن بعد ايام، ستصدر الحركة الإسلامية، بيانا آخر مخالفا لمخرجات البيان الموحد، مفاده بالحرف، كما اعاد التأكيد رئيس الحزب و نائب الكنيسيت “عباس منصور” ،”ضرورة عدم إلزام المركبات المشتركة بقرار الأغلبية، وإتاحة الفرصة أمام كل حزب أن يتصرف وفق برنامجه السياسي”
كان هذا موقف حزب “الحركة الاسلامية” قبل اسابيع، بالموازاة مع تطورات اخرى مشابهة و غير مسبوقة، اهمها استمرار التصدعات في حزب الليكود، الذي يرأسه “نتنياهو”، و نهاية ولاية “بيتي غاتنتس” على حزب القائمة الموحدة /”اسرائيل ازرق ابيض” بعد فشله في تشكيل حكومة او ايجاد توافق حزبي مع الليكود و باقي احزاب اليمين .. و اليمين العلماني و اليمين الاصولي ..

حزب الجبهة هنا، و خلفه القائمة المشتركة، مر مباشرة الى تخوين الجبهة الاسلامية، متهما إياها بعقد صفقة انتخابية مع نتنياهو، بهدف انقاذ ما يمكن انقاذه من سفينة الليكود الذي دخل بدوره مرحلة التشظي و الانقسام الفعلي .. داخليا و خارجيا .. لاسباب ناتي عليها في ما يلي ..

موقف الحركة الاسلامية هنا، لم يكن عابثا، أو براغماتيا، بالمعنى السياسي /الانتخابي، بل كان فعلا كما صنف قبلا، صفقة سياسية او صفقة انقاذ ل “نتنياهو” .. بغطاء عرب 48/ و منهم خصوصا ذوي الميول الاسلاموية، او المتعاطفين مع حزب يجسد برنامجا للاسلام السياسي ! و حيث ان الصفقة هذه، لم تعد سرا او تأويلا لكلام.. بل واقعا اقر به حرفيا “عباس منصور” رئيس الحركة .. عندما صرح مؤخرا، بانه لا مانع لديه من العمل مع “نتتياهو” و اي ائتلاف حكومي يضم نتتياهو و “حزب الليكود” !! صح النوووم !!
و هذا ما ادهش الاعلام العبري نفسه الذي وصف “منصور عباس” بصانع الملوك، بعد تصريح “بيني غانتس”، قبل اسابيع، عن نية نتنياهو في ان يصبح “ملكا على اسرائيل” !

من جهة اخرى، رئيس حزب “هتنوفا”، المنشق عن حزب “يائير ليبيد”، يحاول ما امكن الدخول في اتجاه قطع الطريق على “يائيير ليبيد” في تشكيل الحكومة التي سوف تنهي مسار نتنياهو” .. فعليا أي سياسيا و حتى جنائيا !!

أين يكمن الاشكال هنا، او كيف نجد الخيط الناظم لهذا العبث، و علاقته بالعبث الآخر، في الشارع، كصدى منطقي و موضوعي لتطاحن ديناصورات السياسية ؟!

“يائيير ليبيد” .. صحفي سابق اشتغل لصالح جيش الدفاع، و بعده “معاريف” و “يدوعوت احرنوت” .. يعتبر من اشد خصوم نتنياهو السياسيين ..
و من ابرز نقاط برنامجه الانتخابي الحزبي الذي حصد مجمل 17 مقعدا في الكنيسيت، و هو رقم وازن جدا، نجد اولا فضائح فساد “نتنياهو”، و هي موضوع تحقيق و محاكمة حاليا، و شغل شاغل للراي العام الاسرائيلي، و باعتبارها ايضا، تشكل ارثا صحفيا له كصحفي، قبل ان يكون سياسيا !
على الجانب الاخر، يرفض “يائيير ليبيد” بالمطلق اي ائتلاف حكومي يضم “نتنياهو” .. كما يرفض بشدة، أي تحالف مع احزاب القائمة العربية المشتركة، حتى و ان كان هدفه “اسقاط نتنياهو” !! كما يرفض كذلك، العمل مع القائمة الموحدة، او تحالف “ازرق ابيض” في حال اصراره على اشراك الاحزاب العربية او القائمة العربية المشتركة ضمن تحالف حكومي مفترض ..
“يائيير ليبيد” يصرح علنا كذلك في برنامجه الانتخابي كذلك، بانه مع الفصل بين “الاسرائيليين” و “العرب” .. و السيادة الاسرائيلية الكاملة على الضفة و معالجة ناجعة لاشكالية “قطاع غزة”، كما انه كان و لازال داعما بشدة لموقف نتنياهو الواضح و الحازم من “ايران” .

فهل نحن بصدد برنامج انقاذ ينفذ لصالح “نتنياهو” باعتباره السمكة الفاسدة في تل ابيب ..
إن حزب “نتنياهو” المأزوم و الغارق في الازمات داخليا و خارجيا، هو افضل مادة للابتزاز و المزايدة معا، هنا حيث تختلط اوراق السياسية و الايديولوجيا، لصالح معركة افتراس المكاسب و خندقة الخصوم ! وكما ان استفزازات المستوطنين انفسهم، تصب نوعا ما في نفس هذا الاتجاه، تماما كحالة السعار التي اصابت العرب، و المتاسلمين منهم داخل حدود القدس، و صدى ذلك عند حركات المقاومة تحت الطلب في قطاع غزة !!
و حيث ان الحركة الاسلامية، التي تستقطب اغلب اصوات العرب المسلمين، في صفقتها الانتهازية مبدئيا مع “نتنياهو” لا تختلف كثيرا عن “طوائف” الحريديم، الا في درجة التاثير و الفعل داخل المنظومة السياسية و الانتخابية، حيث تتحول هذه الأخيرة فقط من الانتهازية الوضيعة الى الابتزاز و الضغط القويين بحكم امتلاك شروط ممارستهما ! فالصراع المحتدم هنا بين المكون الاصولي المتشدد و بين نقيضه العلماني او اليميني حتى بمختلف تدرجاته، هو امتداد منطقي لمتلازمة معارضة الدولة بالمفهوم السياسي و الحاجة اليها في نفس الآن، و هنا، و بغض النظر عن تمثيليات الاصوليين المباشرة حزبيا و انتخابيا و مردودها السياسي، فإن حكومة “نتنياهو” هي التوليفة العجيبة و المثلى التي تمكنهم من حل المعادلة الصعبة، اي اخذ مسافة امنة من الدولة و قوانينها و تشريعاتها و تناقضاتها ، و في نفس الآن تمكنهم من الحصول على الميزانيات المطلوبة لمدارسهم الدينية و انشطتهم الاجتماعية، و كما يجد فيهم”نتنياهو” نفسه أفضل حلفاء ممكنين، باعتباره سمسار اصوات انتخابية، يعرف جيدا حاجياتهم، و كيفية تلبيتها مقابل تغاضيهم عن تخريبه و تجريفه لمنظومة دولة لا يعترفون بها اصلا، في السياسة كما في الاقتصاد و السياسة الخارجية !!
ان هذا بالضبط هو العقل المحرك للاقليات العربية المسلمة، او المتماهية مع المشروع أو الخطاب الاسلاموي الانتهازي الرخيص، الذي لا يذهب الا في اتجاه تعزيز سطوة اليمين الاصولي الانتهازي، و انتزاع بعض المكاسب الانتخابية الضيقة التي يتم الالتفاف عليها بسرعة، فور استقرار المشهد السياسي و زوال حالة السعار الانتخابي !!
ان “نتنياهو” هنا، هو نفسه من يعطي الضوء الاخضر و بشكل دائم للاستيطان، كما ان استمراره على راس الحكومة او ضمن ائتلاف مستقبلي لن يغير شيئا من واقع الاستيطان، لان المسالة تمر دائما عبر نفس التوافقات و الصفقات . كما ان حكومة يراسها “ليبيد” او “بينيت” لن تغير كذلك الشيء الكثير، باستثناء تصعيد لهجة الخطاب، او تبني مقاربات اكثر عنفا و راديكالية ..
و يزداد المشهد سخرية عندما نسمع البارحة وفي ليلة القدر، عن دعوة النائبين المحسوبين على اليمين المتشدد “مئير بوروش” و “يسرائيل ايشلر” لنتنياهو بالتنحي، و ترك المجال لنائب ليكودي اخر لقيادة الحكومة، تجنبا للكارثة او الكابوس الذي يؤرق اليمين المتشدد بعنوانيه الرئيسيين و هما .. حكومة “ليبيد ” و حكومة “بينيت” .

جاء هذا التغير الدراماتيكي المفاجئ بعد مفاجئة او صدمة اخرى، تكتسح الاعلام الاسرائيلي و الاوساط السياسية، و هي توصل تحالف “بينيت” و “ليبيد” اليميني، الى اتفاق بموجبه سوف يكون الحزب الاسلامي، داعما للحكومة المرتقبة في حال نجح تحالف ليبيد/بينيت في تشكيلها، و بذلك قد تصير اول حكومة يمينية بدعم عربي في تاريخ اسرائيل !!

و صح النوووم .. و الانتفاضة كذلك، مرة اخرى !!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق