ثقافة

فيلم أسرار عائلية …حين تنتصر لغة الجهل

احمد عسيلي

درج الحال في مجتمعاتنا البعيدة جدا عن كل أشكال الثقافة الطبية و الجنسية, تفسير وجود الحالة المثلية ضمن احتمالين لا يكاد يخرج عنهما أي إنسان في الشرق ؛لا يملك أي معلومة عن هذه الحالة,هذين التفسيرين هما : غياب الاب ,وبالتالي حاجة المثلي إلى أب بديل ,و التفسير الآخر, وجود تجربة اغتصاب في الصغر ,و ربما خرج من عباءة هذين التفسيرين الساذجين بعض التحليلات الآخرى : مثل شخصية الأم المسيطرة, او ضعف الشخصية لدى المثلي و عدم ثقته بنفسه, طبعا بالإضافة إلى وجود الأسرة المفككة و غير ذلك من الكلام الغير علمي ,و البعيد جدا عن الواقع ,و الذي يكاد يصبح تفسيرا نفسيا لكل الأمراض النفسية….أي بمعنى أدق تفسيرا لمن لا يملك تفسير أو معرفة,
و ما ميز فيلم أسرار عائلية و الذي يعرض حاليا في دور السينما بمصر من إخراج هاني فوزي و كتابة شخص يدعى محمد عبد القادر أن الفيلم جمع كل ما يقدمه الأشخاص العاديين من تفسيرات حول هذه الظاهرة ,ووضعها في قالب سينمائي ركيك اعتمد البنية السردية للفيلم و بتطور مرتبك للاحداث,
فبطل الفيلم شاب اسمه مروان, يعيش بظل أم مسيطرة ,و أب غائب عن البلاد و يعمل في الولايات المتحدة, يخوض مروان صراعات نفسية عديدة نتيجة عدم تقبله لهذه الميول الجنسية, و يمضي الفيلم و هو بحالة توتر و قلق, لنكتشف قرب نهاية الفيلم أنه تعرض لاغتصاب من قبل أخيه الأكبر منه سنا و الذي بدوره قد تعرض لاغتصاب من قبل سائق سيارة كان يعمل لدى العائلة ,و تحل مشكلة مروان بمنتهى البساطة بمجرد عودة الأب من سفره و قراره الاستقرار مع العائلة و رعاية ابنه الذي أهمله سابقا ,و لم يقم معه علاقة أبوية صحيحة….و مع عودة هذا الاب و زيارة مروان لطبيب نفسي مصري متخصص بعلاج المثلية؟؟؟ يصبح كل شيئ على ما يرام و تزول تدريجيا حالة المثلية لدى مروان مع تنبيهه الى احتمال بقايا أثر بسيط لها سوف يتعلم كيف يتعامل معه بمرور الأيام……و تصبح الدنيا عسل و قشطة !!!
الفيلم حسب ما كتب في بدايته مستمد من قصة واقعية….و بعيدا عن أخطائه العلمية و ترداده لبروباغندا إعلامية قديمة و مللة حول المثلية ,هو حسب علمي, أول فيلم جماهيري عربي يتم عرضه على شاشات السينما ,و يتناول موضوع المثلية الجنسية كموضوع أساسي,و بالتالي سيعزز قناعة المشاهد حول ما يتردد دائما بخصوص المثلية. ربما تكون هذه الحالة بالفعل حالة واقعية, و لا أريد التشكيك بمصداقية ما قيل ,لكنها و إن كانت حالة واقعية, فهي تشكل استثناء من استثناء, و لا يجوز أبدا عرضها كحالة عامة حول الواقع المثلي,
فليس كل المثليين مرضى نفسيين, و معظمهم تشكلت مثليته بوجود أب قوي في المنزل و محاط بأسرة مثالية…..و الإغتصاب في الصغر لا يؤدي أبدا الى وجود حالة مثلية…و لا علاقة أبدا تربط حوداث الاغتصاب في الصغر بالمثلية الجنسية و هذا ما أثبتته كل البحوث و التجارب العلمية الموثقة, و لن أكرر هنا ما قامت به السيدة صافو علي من كتابة بعض هذه الحقائق في الحوار المتمدن ,و الذي كنت أتمنى من الكاتب قرائتها قبل الخوض في موضوع من الواضح جدا أنه لم يقرأ عنه سوى أسطر عديدة لا تكاد تصل لمقدار صفحة واحدة, وواضح أيضا أن الفيلم ليس سوى إعلان تجاري لأحد الاطباء النفسيين في مصر و الذي ادعى أن لدىه اكتشاف (لمرض) المثلية الجنسية و شكَل لفترة من الزمن نجما تلفزيونا مبشرا” بحل لهذا (المرض) متجاوزا كل الحقائق العلمية, و دون قدرته هو نفسه تقديم بحث متماسك حول طريقته المزعومة تلك , اللهم سوى بعض الكلمات الجوفاء و التي لا قيمة لها في حقل البحث العلمي,
كنت أتمنى رؤية حقائق علمية تنير العقول و تبين للناس حقيقة المثلية, أو حتى خطاب سينمائي رفيع ,لكنه تكرار ممل لكل ما ترسخ سابقا في أذهان الناس ,و مزيج لمغالطات علمية لا تمت للعلم بأي صلة, و ما يقدم العذرلهذا الفيلم أن الحالة العربية الراهنة بمجملها هي حالة سقوط و تدهور لكل القيم التي كنا نتفائل بها إبان موجات الربيع العربي…و ليس هذا الفيلم سوى أحد علامات السقوط هذه و عنصر صغير من العناصر التي تدعو الانسان للإحساس أكثر بالواقع المتردي التي يمر بها شرقنا التعيس……..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق