رأي

فلسفة “إبن رشد” بين التوجيه الإيديولوجي والقراءة المعرفية

:                 الأفكار الكبرى والآثار الممتازة لا تموت و لا تعبث بها الأزمنة، بل تظل حية صامدة تفرض نفسها، وهي-وإن تمت خيانتها أو إساءة فهمها أو حوصرت و وضعت في حيز المقموع و الممنوع حينا من الدهر- واجدة لا محالة من يتعهدها بالصيانة و التحيين،ويتعاطى معها على سبيل القراءة و الفهم أو التحليل و التأويل. وهذا ماينطبق على أطروحات إبن رشد الفلسفية الحبلى بالمضامين العقلانية و الإنسانية العميقة و المنفتحة على مختلف الحقول المعرفية و الثقافات المتعددةو المتنوعة، لا فرق بين رافدها و وافدها، أصيلها و دخيلها، فقد أفل نجم صاحب كتاب “تهافت التهافت” في السياقات الإسلامية الكلاسيكية منذ وفاته نهاية القرن الثاني عشر للميلاد -وإن كان قد سطع في الضفة الأخرى- ونسيت أفكاره و اختفت تحت ركام ثقافة حفظ المتون و الشروح، و الشروح على الشروح، و ذهنية المشيخة و المريدين… إلى أن طلع فجر الأزمنة الحديثة في العالم الإسلامي و شرع الكتاب و المفكرون في الإهتمام ب”المدونة الرشدية” يحللون مضامينها و يستقصون مراميها ويقارنونها بمشاريع فلسفية و برامج إنسانيةأخرى .

     كثر قراء ابن رشد و إختلفوا، و تعددت مقارباتهم و إضاءاتهم بتعددهم و تباين خلفياتهم المعرفية و الثقافية و توجهاتهم الإيديولوجية، من “فرح أنطوان” و مساجله “محمد عبده” إلى “عاطف العراقي” و “محمد عابد الجابري” و “طه عبد الرحمن” و “علي أومليل” و”محمد المصباحي” مرورا ب”عباس محمود العقاد” و “محمود قاسم” و “محمد عمارة” و “محمد يوسف موسى” و “الشيخ بوعمران” … و  غيرهم. إلا أن معظم القراءات غلب عليها المنزع الإيديولوجي و مايرتبط به من نزعات تلفيقية و إنتقائية و إسقاطية، و قلت القراءات المعرفية المشبعة بالوعي التاريخي و النقد الإبستيمولوجي الكاشف لحدود الخطاب الرشدي و مفارقاته من جهة وغناه الفلسفي و الإنساني من جهة أخرى .

     لقد تحول صاحب”فصل المقال” إلى فيلسوف عقلاني عند حاملي لواء العقلانية و المدافعين عنها (الجابري على سبيل المثال)، و ارتفعت الأصوات و تعددت الأقلام الداعية إلى ضرورة بعث إرثه الفلسفي في اللحظة التاريخية الراهنة كسلاح في و جه قوى الأسطورة و اللاعقل، وغاب عن هؤلاء ماسكت عنه خطاب ابن رشد و ما حجبه من اللامعقول و الميتافيزيقي الكامن في جوانية نصوصه التي تظل خاضعة للنظام المعرفي القديم أو (الإبستيميه) الكلاسيكيه، وغير قادرة على تجاوزها و إحداث قطيعة معرفية معها على مايرى بعض المفكرين المتميزين في قراءاتهم لابن رشد في صورة المفكر المغربي علي أومليل .

     وتحول “ابن رشد” إلى فيلسوف مادي عند المحسوبين على الفلسفات المادية، خاصة هؤلاء الذين شغلوا أنفسهم بتتبع المناحي المادية في التراث الإسلامي فوقعوا في مغالطات تاريخية فاذحة، أما أصحاب المنزع الروحاني فقد جردوا فلسفة ابن رشد من أبعادها العقلانية مكتفين بردها إلى الإسلام بنبعه الصافي و الخالى من الشوائب و البعيد عن العناصر الفلسفية و الثقافية الوافدة، مركزين في الوقت ذاته على إسهاماته في علوم الدين وخاصة الفقه الذي برع فيه “قاضي قرطبة” مخلفا واحدا من أهم المؤلفات بعنوان “بداية المجتهد و نهاية المقتصد” .

     ولا ننسى هؤلاء الذين قللوا من شأنه و اعتبروه مجرد ناقل للفلسفة اليونانية، وقارئ وفي و شارح جيد للمدونة الأرسطية دون إبداع أو تجديد، وهو موقف ساد في الأوساط الثقافية و الأكاديمية تحت تأثير أطروحات بعض مستشرقي القرن التاسع عشر و بداية القرن العشرين، تعددت القراءات و المقاربات و المحصول واحد: قراءات إختزالية لنص غني بمضامينه و منفتح على أفاق فلسفية و روحية رحبة، نص يستحيل إختزاله في إيديولوجيا ضيقة أو مذهب فلسفي محدود، كما يستحيل رده إلى رافد إسلامي أصيل أو ربطه بفلسفة إغريقية و جدت من يشرحها و يهذب بعض عناصرها .

     ليست الفلسفة الرشدية بيانا ناجزا و مكتملا، ولا مشروعا نهضويا جاهزا، ولاهي عقيدة مغلقة أو منظومة إيديولوجية نستدعيها لمجابهة منظومات إيديولوجية أخرى… إنها جملة من الأسئلة المعرفية و الوجودية المقلقة أقضت مضجع صاحبها فراح يحاول أن يرفع عنها الإلتباس ويجد لها مخرجا في  مجتمع ضاق أهله بالعقل و التنوير و الفكر و التفكير.

       الفلسفة الرشدية ملتقى لثقافات و مدنيات عديدة وعلوم و حقول معرفية متنوعة. إنها نتاج لتلاقح الدخيل و الأصيل، و المعقول و اللامعقول، العلمي و الديني، البرهاني و البياني، فهي فلسفة إنسانية عالمية يستحيل تجنيسها أو ردها إلى منزع عرقي أو ديني أو جهوي على ما يتوهم البعض ممن يعتبرونها فلسفة مغربية أوعربية .

      الفلسفة الرشدية محاولة جادة و ناضجة لتحرير الذات البشرية من سلطان التقليد و ثقافة الحجر و الوصاية على الضمائر،ودعوة الى الفحص العقلاني لمختلف المعارف و المنظومات الرمزية و الروحية، فلا سلطة تعلو على سلطة العقل، ومع ذلك تبقى محكومة بالشرط التاريخي و السياقات السوسيوثقافية و المنظومة المعرفية التي تشكلت فيها مثلها مثل جميع الفلسفات و العلوم و المعارف القديمة، ولا ينقص ذلك من قيمتها التاريخية و الإنسانية ولا يحط من جلال قدر صاحبها ومنزلته   الرفيعة . 

     الأجدى هو إستلهام المغزى العميق من الفلسفة الرشدية لا محاولة إستدعائها لتحل مشاكل و قضايا مختلفة في زمن مختلف، و الأمر ينسحب على مختلف النصوص التراثية وإلا سيستمر الفكر الإسلامي المعاصر في إنتاج الإيديولوجيا و اليوتوبيا وتوليد الوهم، وتصدق أكثر مقولة المفكر المغربي الراحل “سالم يفوت” عند مقارنته بين الفكر الغربي والفكر العربي الإسلامي مؤكدا أن الأول ينتج (التاريخ) و الثاني ينتج (الإيديولوجيا) .                             

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق