أمن وإستراتيجية

علوم أمنية وشرطية … التحقيق الإداري الاليكتروني

احمد طلال عبد الحميد
باحث قانوني

إن من معايير جودة التحقيقات الإدارية الحديثة هو ما يعرف بالتحقيق الاداري الاليكتروني، إذ أدى تطور العلوم والتكنولوجيا ووسائل الاتصال وظهور خدمات الانترنت الى ظهور جرائم مستحدثة تحتاج لخبرات خاصة ذات طبيعة فنية في اجراء التحقيق في الجرائم ذات الطابع الاليكتروني التي ترتكب من الموظفين او العاملين في المرافق العامة، وهذا يقتضي وضع قواعد لضبط التحقيق الإداري الاليكتروني على النحو الآتي :
1- ضبط قواعد المعاينة الاليكترونية لتحديد المحتوى الفني لمسرح الجريمة الاليكترونية : وتظهر أهمية هذه القواعد في كون الجرائم الإدارية الاليكترونية من النادر أن تخلف آثار مادية وقد تمتد فترة اكتشاف الجريمة لمدة زمنية طويلة وخصوصاً إذا كان مرتكب الجريمة من الموظفين المحترفين في مجال تقنيات المعلومات أو التكنولوجيا الحديثة، وهذا يقتضي ان تتم المعاينة من أشخاص متخصصين في كشف العبث أو المخالفات ذات الطبيعة الرقمية كتصوير الجهاز الذي استخدم في ممارسة السلوك المادي وملحقاته وتثبيت التوقيتات ومكان الجهاز والبرامج الفنية المثبتة في جهاز الحاسوب ومراعاة عدم أخراج الوسائط التي تتضمن البيانات والمعلومات إلاّ بعد التأكد من عدم وجود مجال مغناطيسي يعمل على محو البيانات حال إخراجها، وكذلك معاينة البيانات التي تم حذفها أو أخفائها في الحاسوب أو نقلها الى (CD) أو أقراص ممغنطة، ونوع الحساب المستخدم شخصي أم رسمي ومكان الارسال وغيرها من المسائل الفنية التي تحتاج الى محققين إداريين خبراء في الجوانب الفنية والرقمية مع إمكانية الاستعانة بالخبراء في هذا المجال.
2- تقنين قواعد التفتيش الاليكتروني : ويشمل تفتيش الكيانات المادية من خلال الولوج الى المكونات المادية للكومبيوتر بحثاً عن شيء ما يتعلق بالجريمة الاليكترونية أو المعلوماتية وخصوصاً إذا ما كان هذا الكومبيوتر موجوداً في مسكن الموظف الخاص أو ملحقاته التي لها حرمة يحميها القانون، وهذا يقتضي وجود قيود تشريعية تنظم عملية التفتيش، مع وجوب وضع قواعد تبيح تفتيش المكونات المعنوية للحاسوب وهي البيانات غير المحسوسة أو غير المرئية مع امكانية الاستعانة بالخبراء في هذا المجال طبقاً لمبدأ التخصص، إذ أن قواعد التفتيش الواردة في قانون اصول المحاكمات الجزائية العراقية رقم (23) لسنة 1971 المواد (72-86) منه تتعلق بالجرائم الجنائية ولا تتعلق بالمخالفات التأديبية (الانضباطية)، كما لا يوجد في قانون انضباط موظفي الدولة والقطاع العام رقم (14) لسنة 1991 ما ينص على سريان احكام قانون اصول المحاكمات الجزائية على اجراءات اللجان التحقيقية كما أنها لا تملك بموجب القانون المذكور صلاحية تفتيش مكتب الموظف المخالف أو محل سكناه، وهذا قصور تشريعي يحتاج لتدخل من جانب المشرع لتنظيم هذه الحالة وخصوصاً في المخالفات الإدارية والمالية الكبيرة التي تشكل جرائم جنائية في ذات الوقت كأهدار المال العام أو استغلال نفوذ الوظيفة أو إفشاء أسرار وبيانات ومعلومات تخص العمل.
3- ضبط قواعد المراقبة الاليكترونية : قد يتطلب التحقيق الإداري في مرحلة التحري وجمع الادلة وضع الموظف المخالف تحت المراقبة الاليكترونية في مكان عمله، وهذا الموضوع من المواضيع الحساسة والخطيرة لمساسها المباشر بحق الموظف بالخصوصية وتحتاج الى تقنين يتضمن الشروط والقيود والضمانات، كأن يتم مراجعة دخول وخروج الموظف المشتبه بأرتكابه مخالفة إدارية ومالية لمكان عمله أو الاقسام الاخرى في دائرته باستخدام ما يسمى بالبطاقة الممغنطة أو البطاقة الاليكترونية أو ما تسمى (بالبطاقة الذكية)، أو تستخدم لاغراض التصريح لدخول أماكن أو مواقع اليكترونية معينة حسب المستوى الوظيفي كما هو الحال في مواقع الصناعات العسكرية أو النووية التي تتطلب قدراً من السرية أو من خلال استخدام برمجيات متقدمة في إطار نظم المعلوماتية للمراقبة كاستخدام نظام (Telemetrie) أو نظام الاجراءات الآلية عن بعد، حيث يقوم هذا النظام بتسجيل كافة المعلومات الشخصية والمهنية للعامل عن بعد ولا يكون بمقدور هذا الاخير التدخل في عملية التسجيل وهي أشبه ما يكون بفكرة التسجيل الذي يتم في الصندوق الاسود للطائرة أو القطار السريع (T.G.V)، وكذلك عن طريق مراقبة الاتصالات الهاتفية والتنصت عليها والتي تثير اشكالات عديدة منها : إفشاء سرية الارقام والاشخاص الذين يتصل بهم الموظف وانتهاك الخصوصية بصعوبة التمييز بين الاتصالات الشخصية والمهنية، وكذلك مراقبة البريد الاليكتروني (E – Mail) من خلال اختراق البريد الاليكتروني للموظف والاطلاع على الرسائل الصادرة والواردة في صندوف الرسائل وهذا مالا يعرف بـ (التنصت المعلوماتي) أو من خلال المراقبة التلفزيونية أو الرقمية التي توفر إمكانية تخزين معلومات الصوت والصورة لفترات طويلة وإمكانية معالجتها بمعرفة الحاسب الآلي وما ينطوي ذلك من مخاطر تهدد خصوصية الموظف ، إن مبررات اللجوء الى التحقيق الاليكتروني بوسائل المراقبة الرقمية والاليكترونية هو مرده الى التطور التكنولوجي وظهور جرائم متنوعة في هذا المجال والتي بدورها انتقلت الى الوظيفة العامة كجرائم الاختراق (Hacking) وتدمير البيانات الحاسوبية
(Data sabotage) أو الشفرة الخبيثة (Malicious) والاحتيال (Cyber Fraud) ومضايقة الغير (Harassment) وغسيل الاموال (cyber Laundering)، إذ أن التحقيق في هذه الجرائم يحتاج للاطلاع على كميات هائلة من السجلات (Computer Manuals) وملفات تسجيل العمليات الحاسوبية (Logfile)، وهذا بطبيعة الحال يحتاج لوسائل رقمية واليكترونية لمواجهة سلوك الموظف الاجرامي ولمنع محو الدليل أو تدميره ، وهذا يقتضي وجود إطار تشريعي واضح ودقيق يتضمن الاجراءات والضمانات وحجية قبول الدليل التكنولوجي كدليل إثبات وأن تخضع عمليات المراقبة لمبادئ (النزاهة والامانة) والتناسب بين الوسيلة المستخدمة والغاية التي تستخدم من أجلها، دقة نسبة الوقائع لمرتكبها، أن تكون الوسيلة الاليكترونية غير قابلة للتحكم أو التلاعب من قبل المشغل أو المراقب د. احمد البدري .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق