المغرب الكبير

عامان على إغتيال الزواري، إختراق أم تواطؤ؟

سفيان بنحسن

“إن (إسرائيل) ستواصل الدفاع عن مصالحها وأن محمد الزواري هو بالتأكيد ليس شخصا مسالما مرشحا لجائزة نوبل للسلام”، وردت هذه العبارات الوقحة على لسان مجرم الحرب إفقدور ليبرمان في صحيفة يدعوت أحرنوت بعد أيام قلائل عن عملية الإغتيال الجبانة التي إستهدفت مهندس طائرة أبابيل محمد الزواري، التصريح يكاد يكون إعترافا رسميا من وزير الحرب بمسؤولية الكيان المباشرة عن العملية يضاف إلى تصريح سابق لأحد معلقي شؤون الإستخبارات الصهيونية “رونين بريغمان” على القناة العاشرة “إن إتهامات بعض الأطراف في تونس لإسرائيل بالمسؤولية عن إغتيال الزواري لا تخلو من الصحة”، الإعتراف كان علنيا والإحتفال بنجاح العملية وعودة منفذيها إلى الديار المغتصبة كان أيضا علنيا لكن في الجانب الآخر من الوطن العربي وفي الأرض التي إعتاد الصهاينة دخولها آمنين دون رد ودون إحتفاظ بحق الرد لا يزال المسؤولون فيها يبحثون عن الجهة المسؤولة من بين جمهوريات يوغسلافيا السابقة والنمسا وبلجيكا وسلوفينيا أو ربما جمهوريات المحيط الهادئ.
رحلته نحو فلسطين بدأت من ليبيا ومنها إلى السودان التي تمتع فيها بالإقامة والجنسية وهو في بداية عقده الثالث في تسعينات القرن الماضي ثم إلى سوريا التي نهل منها ما صقل موهبته ونبوغه قبل أن ينظم إلى حركة المقاومة الإسلامية حماس ويصبح أحد مهندسيها في مشروع تطوير طائرات بدون طيار، لم يكن الزواري وهو ينتقل من دمشق إلى مصر ثم إلى داخل قطاع غزة يرنو إلى الموت حتف الأنف وإنما كان يحمل روحه على راحتيه في كل خطوة يخطوها نحو “ابابيل 1″، كل يوم جديد كان نصرا مبينا له وفشلا للموساد والشاباك والحكام والعملاء، نجح في التخفي إلى أن إرتفعت أبابيل في سماء فلسطين ووضعت الكيان الصهيوني أمام توازن رعب جديد يأتي من الجنوب هذه المرة. لم يكن الزواري معلوما لدى الشارع العربي لكنه يقينا لم يكن مجهول الهوية لدى العدو، ربما تمتع بحس أمني عال وربما أراد الله لمشروع الشهيد نضال فرحات أن يكتمل على يديه وربما تفوقت أجهزة حماس وحلفائها في دمشق آنذاك في إخفاء أثره لتتعاظم أحلام أبطال القسام على يديه قبل أن يوقفها عزف المزمار السحري الجاذب لجرذان الكون إلى دمشق ليحيلوها خرابا وينفرط عقد حماس والأسد ويختار الزواري لأسباب لا تزال غامضة العودة إلى تونس وهنا كان الخطأ الأول والأخير للشهيد وربما للقسام أيضا.
طالما مثلت تونس ولعقود طويلة أرضا رخوة تكون فيها عمليات الموساد أشبه بنزهة آمنة يتسابق إليها جبناء الضباط، فبين العدوان على حمام الشط سنة 1985 وتدمير حي سكني بالكامل ثم إقتحام منزل خليل الوزير من قبل فريق ضخم من الكوموندوس سنة 1988 وإغتياله أمام أهله والإنسحاب بسلام يُطرح السؤال “هل الدولة التي تعد على الناس أنفاسهم وتسمع دبيب النمل في الأسواق وأصوات الأجنة في الأرحام وتطارد الأحلام عاجزة عن تصيد خطوات قوة هائلة نزلت البحر وتوغلت برا وأعدمت زعيما وغادرت دون الإلتفات إلى الوراء أم أن عين الرقيب على المواطن هي العين الساهرة على الغزاة، هل كان إختراقا أم تواطؤا؟ ولماذا غابت هذه التساؤلات عن ذهن الزواري وهو يجمع حقائبه عائدا إلى تونس؟ هل عاد ليدفن فيها بعد أن إكتملت رسالته تجاه أمته وتجاه فلسطين أم أن دمشق كانت في عينيه آخر القلاع وأن كل أرض غيرها يسكنها أشباح الموساد فإختار العودة فقط من أجل الرحيل الأخير؟
تفاصيل إغتيال الزواري التي قدمتها الداخلية التونسية مؤخرا كانت أشبه بالسر الذي يعلمه الجميع، الأسماء والاحداث والتواريخ تداولها الناشطون قبل أن تتكرم الداخلية بتقرير ذكر كل شيء ما عدى إسم القاتل الحقيقي، كأنها جريمة سطو إنتهت عرضا بقتل مواطن مجهول الهوية لدى الدولة وأركانها، التقرير حمل من الزيف ما يجعل معدوه في قفص الإتهام جنبا إلى جنب مع العدو الصهيوني، ويكفي في كل قوانين الأرض أن تتستر على جرم لتكون شريكا فيه، كان يكفي الإستماع إلى تقارير الإعلام الصهيوني لمعرفة إسم القاتل وكان يكفي التواصل مع حركة المقاومة الإسلامية لمعرفة التفاصيل الدقيقة للعملية أو ربما حتى أسماء عملاء الصف الأول الذين رتبوا ودعموا أو مولوا وكيفية الرد عليها باللغة الوحيدة التي تفهمها العصابة الصهيونية، كانت تكفينا الإشارة إلى نتنياهو وليبرمان وتامير باردو رئيس الموساد في تلك الفترة كقتلة ستتكفل الدولة بملاحقتهم حتى وفق ما يسمى “بالقانون الدولي”، أما أن يذكر التقرير في أكثر من موقع أن غالبية المتورطين هم من التونسيين فهذا أشبه بقانون ساكسونيا الذي بموجبه كانت تقطع رقبة ظل المتهم، فيهوي الجلاد على رقبة الظل ويصفق الرعاع فرحا بتحقيق العدالة.
يقينا كان الزواري ينتظر قاتليه وقد خبرهم لسنوات وخبروه، هم لا يجيدون غير الطعن في الظهر وغير الهجوم على الأهداف المنعزلة، ربما كان شاهدا على هروبهم من غزة ومن جنوب لبنان وعلى مرحلة العجز التي أدركها الموساد في فلسطين المحتلة، كان واثقا أن رحلته في الحياة قد إنتهت فسعى كمن يداهمه الزمن إلى تلقين ما تيسر له من علم إلى ثلة من الشباب متعهدا لهم بمشروع الغواصة العربية المتحكم بها عن بعد، ربما كان سعيدا في لحظاته الأخيرة بإرتقائه شهيدا آخر في سبيل فلسطين قادما من أرض ميلود ناجح نومة وعمران الكيلاني، أرض يعشق شعبها فلسطين ويعشق الحياة ويعشق الشهادة، ويقينا سيخرج من رحم هذه الأرض المحكومة من غزاة الداخل والمخترقة من غزاة الخارج ألف مقاتل وألف طيار وألف فدائي وسترسو غواصة الزواري على شواطئ حيفا أو تنفجر تحت بوارج الغزاة وسيدخل القتلة مرة أخرى سياحا إلى هذا البلد ليقتلوا ويهدموا ويلتقطوا الصور التذكارية في شارع الحبيب بورقيبة قبل أن ينسحبوا سياحا في ظل حكومات لا تضع على رأس وزارة السياحة غير الحجاج إلى تل الربيع.

سفيان بنحسن
تونس

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق
إغلاق