رأي

صراعات الانسان والزمان

جاسم عاصي

في حياة الشعوب ومن خلال تعاقب الأزمنة والتغيّرات التي تطرأ على الواقع سلباً أو ايجاباً ؛ تتجدد طبيعة العلاقة مع التاريخ وبالأخص ما يتعلق بالهوية الوطنية و القوّمية . ومن ظواهره احتكار تلك الهوية الوطنية ، لصالح الجماعة أو التشكيل ، مما يسبب أزمات متتالية وحروب مفتعلة . ليس غايتها الوطن ، بقدر ما أهدافها تلبية لنداءات الذات التي تتحكم بالفرد أو الجماعة ، ونقصد بالفرد القائد السياسي والجماعة أوالفئة القومية أو الحزب .من هذا نجد التفعيل للعلاقة مع التاريخ ، الذي يتوّجب النظر إليه على أنه ذاكرة جمعية ، كما هو ذاكرة فردية ، فالفرد بدون ذاكرة لا يعني شيئاً ، وكذلك الأمة . لكن الاشكالية التي أدت إلى طمس التاريخ متمثلاً لدروسه ، هو التعامل بآلية قاتلة مع مفرداته ، بمعنى محاولة نسخ التاريخ بالشكل الذي يروق للكيان السياسي أو الاجتماعي ، وهذا يؤدي أو أدى بطبيعة الحال إلى خلق الأزمات والحروب . ومثلاً ليس بعيداً ما جرى للأمم والشعوب ، ومنها قوّميتنا العربية وشعوبها ، وما حصل من تباين عبر تاريخها المعاصر ولحد هذه للحظة .فقد كانت العلاقة مع التاريخ ، تحتمها طبيعة المعايير الكبيرة لهذا التاريخ ، فيتوّجب علينا ان نتعامل مع مفرداته لا من باب النسخ والتطويع ، بقدر ما الاختيار الحر والمناسب . فنحن صنّاع علاقة غير متوازنة ، نأخذ من التاريخ ونعمل على تشويهه ، فله ما له ، ولنا ما لنا . فليس بالضرورة تكرار حادث تاريخي بحجة المبدئية والعقائدية ، بقدر ما ينبغي أن تكون تلك المؤشرات جهاز تنبيه معرفي لصياغة الوجه الذي نريد والذي يتوّجب . فأولئك صنعوا هويتهم بأسلوبهم الخاص ، ونحن ننتج هويتنا وفق منظورنا المعاصر. يتوّجب عدم الانجرار العاطفي للتاريخ ، مما يخلق لدينا اشكاليات كبيرة تنمو بتقدم الزمن . أن تصنع لك هوية ، عليك أن تنظر إلى التاريخ ، تاريخك أنت من أجل تحقيق هويتك الوطنية ، دون تجاذبات دخيلة ترقى إلى الصناعة خارج الإرادة .وهذا ما يحصل الآن ، لاسيّما زمن اخلاء الأرض من ( داعش) وانبثاق ظواهر سياسية جديدة تخلق أزمات مرافقة لأزمتنا الكبرى الملخصة في سؤال : ماذا بعد داعش؟! يبدو أننا نخضع لما يُسمى بالمؤامرة التي هدفها خلق توازنات سياسية لصالح طرف محتل ، ونعجّل بتنفيذ مفاصله بخلق خيوط الأزمة الكبرى ، معتقدين أن الأمر سيحقق مكاسب جديدة لصالح الاحساس القوي بالاضطهاد . بمعنى النظر إلى الواقع والمستقبل بعين التاريخ المليء بالتناقضات والعلل التي لها أسبابها .كما أننا نفتعل الأزمة ونُهيئ أسبابها ونواياها . إننا بإزاء التاريخ المفتعل كما ذكر ( جي اتش بلامب) من أن التاريخ على الدوام هو صناعة يدوية تنجزها السلطة ، من أجل خلق مواصفات المنتصر والمتقهقر . فهو بهذه الحال تاريخ تبريري وتعويضي في آن واحد ، يحاول توظيف الماضي بصياغات جامدة لصنع الخيوط الموصلة إلى المستقبل . ليس لأننا في هذه الحال ، ان نُقّر أننا ضمن حلقة تخلق الأزمات ، بل أننا فعلاً خالقيها دون مبرر زمني . وفي هذا أتذكر رسالة ( تشي جيفار)حين كثر اللغط الأميركي بأنه ترك كوبا لأسباب خلافية مع القيادة في كوبا. لكن رسالته كانت أكثر اقناعاً لـ( كاسترو) على الأقل ؛من أنه ما ترك كوبا إلا نتيجة ضغط وجداني ، مترجم إلى سياسي ــ عسكري في عدم الاستقرار والآخر تحت خط الفقر والقهر . وجيفارا ألغى هويته الوطنية لصالح هويته الإنسانية ، وهذا هو الوجه الأنصع في التاريخ . وهذا يذكرني أيضاً بقول (أبا ذر الغيفاري ) …عجبت لمرءٍ يدخل بيته فلا يجد طعاماً ، ثم لايخرج شاهراً سيّفه . فلحمل السيّف مبررات لها علاقة بالعقل ، لا تعكس مبررات اخضاع الجزء إلى الكل بالقوّة كما حصل ويحصل في اليمن ، ضمن تحالف الكل الجماع العربي الإسلامي بحجة الجزء (الحوثيين) فضرب الكل ( الشعب اليمني) ؟!! وهذه هي النعرة القومية والدينية التي لا تجد لها مبرراً في التاريخ ، وإن وجدت فلها أسبابها وعللها ، كما ولنا أسبابنا وعللنا . إن صراع الإنسان عبر التاريخ ، هو صراع بين الذاكرة والنسيان ؛ وبالتالي أنتج ما يُسمى ( المحو) وهو متعلق يخص الذاكرة أساساً . فكان التشكيل المركزي كالآتي : إذا أردت أن تهيّمن على بقعة أرض ، فما عليك سوى محو محتويات ذاكرة شعبها ، وبهذا تحصل على مزدوجات منها : الخضوع والخنوع وفقدان الإرادة ، والسيّر بالإنسان وفق ما تريد أنت وليس كما يُريد هو . هذه اللازمة اصبحت حقيقة تاريخية ، تنتهجها الدوّل الكبيرة للسيّطرة عليها بطرق (حداثوية )أو ( ما بعد حداثوية ) ، إن بلبلة اللسان ، لعنة الآلهة على الشعوب !! كما تقول الأسطورة ، لكن الشيء الحقيقي غير هذأ ، يوم كان المعبد يتحكم في كل شيء ، مما خلق مضادات ومعارضات كما حدث في اوروك ؛ أن وجود ( أنكيدو) توّجب اغتياله من قبل رجال المعبد ــ حسب تخريج الباحث ناجح المعموري ــ وكما تقول الأسطورة أيضاً .إن الآخر يُدرك ؛ أن الحقيقة تُحرر الإنسان من الخوّف ، لذا عمل على إخفائها . وهذا ما حدث فعلاً مع مواقعنا الأثرية منذ الغزو الأميركي ، وكما عمل داعش في الموصل . كما وأن الآخر يعلم ويعتقد بفعل رغبته الجامحة للتسلط ؛ إن التاريخ عبارة عن خصومة دائمة . وهذا يسحبنا إلى التاريخ كحقائق يمكن التصرف إزاءه بعقلانية أو بعكسها . وهذه ( البعكسها) هي التي كانت ركيزة الآخر من خلال امحاء ذاكرة الإنسان من حقائق التاريخ الحقيقي، التاريخ الذي يُحفز ولا ينقل بآلية . لقد نشب الصراع من طرف واحد ، بدليل ضياع الأرض بسهولة ملفتة للنظر ، وإعادتها بصعوبة ، ثمنها نزف الدم ، وخسارات ستبقى على مر الأزمنة محرّكة ومنتجة للكثير من الظواهر . وهذا ما بدأ يظهر على السطح بفعل الاغتيالات التي ليس لها مسوّغ مبدئي ولا أخلاقي . إذ كيف للإنسان ( العراقي) أن يعمل على احتكار الأخلاق وفق دائرته ، وهو الذي يقوم بفعل لا أخلاقي مجسَّد بفعل الاغتيال بحجة الظهور بمظهر منافي للأخلاق والعُرف . غير إن هذا وضعنا وفق دائرة الادعاء الذي تنتجه الشخصية المزدوّجة التي أنتجها الاحتلال والحرب . الأفعال القائمة على حقيقة مبدئية ، رسمتها الظروف القاهرة التي مر ويمر بها البلد ، الحقيقة المرّة والارتجالية ؛ في سحق الآخر المختلف ليس مبدئياً ، الاختلاف في الأخلاق ، فالقتل صفة غير أخلاقية ، لأنها تعمل على مصادرة الحياة دون مبرر ، مهما كانت المبررات فالاغتيال صفة لا إنسانية قطعاً . ومن ضمنها الاغتيال السياسي الذي جرى في التاريخ القديم والمعاصر ، لأن الصراع هذا أزلي ، ومخطط له في عصرنا المزدهر بالحرية والديمقراطية ..!!؟ يقول (مالكولم اكس ) بما معناه ؛ إننا نخضع بسبب اشكالية فهمنا لماضينا ، أي للتاريخ ، فالبعض يأخذه من باب الاستعادة المبدئية ، والآخر الأخلاقية ,وغير ذلك ، لكنهم جميعاً يصبّون في ذات الهدف ، أي الفهم الخطأ للتاريخ. فالبحث عن المعرفة الحقيقية لكل شيء يعني تحقيق الهوية ، لا على حساب هوية أخرى ، وإنما بتوائم الهويات في نظام واحد يُعطي الخيار للجميع ، ويمنحهم حق التعامل من أرثهم بحرية كبيرة .إن الهيّمنة الجسدية تؤدي بطبيعة الحال إلى هيّمنة سيكولوجية ، وهذا يخص ما جرى في البلدان التي عانت وتعاني من ثقل الاحتلال . الأمر الذي ينتج ظواهر خارج دائرة تاريخ تلك الشعوب ، لكن العماء المعرفي المتسلط ، يُعلن بمعرفية متفوّقة إزاء جهل متميّز إنها من بناة التاريخ . ولعل الزيّ الذي يتشدق به رجال داعش خير مثال على إنهم لم يأتوا بجديد ، بل استنطقوا التاريخ . هذا هو حال العرب المسلمين عبر التاريخ ونحن أبنائهم البررة ، جئنا كي ننهض بالإسلام ؛ زيّ قبيح ومتوّحش ، وشعر مسترسل يحيط بالرأس ويُظهره كما لو أنه خارج توّاً من الكهوف؟!! مفارقة تاريخية واضحة ، هُيأت لهؤلاء الخارجين من رحم الأزمات النفسية المتدهورة والمنحرفة .إن دواعي كل هذا كان وما يزال نتيجة حتمية للفهم الخطأ للتاريخ ، فمفرداته ليست سلاحا للسيّطرة ، بقدر ما هي موّجه ومرشد ، وكما أكد ( إدواّرسعيد) من مغبة التعامل مع التاريخ بحزن ومراثي وعزاء غارق بالميثولوجيا ،بقدر ما يعمل التاريخ على تنشيط طاقاتنا وتفعيل المُخيّلة ونحن نتعامل مع الحياة لصناعة أسسها المتهيئة لمستقبلها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق